بين الالتزام الدستوري بحماية الأمن القومي، والحفاظ على الشراكة مع الرياض، فتحت دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تفويض محتمل باستخدام القوات المسلحة خارج الحدود جدلًا واسعًا بشأن طبيعة الدور المصري، وحدود التدخل العسكري، وكلفة الانخراط في صراع إقليمي متصاعد.
تتجه مصر إلى مرحلة جديدة من التنسيق الأمني والعسكري مع السعودية، بعدما أعلن السيسي، في 17 أكتوبر الجاري، استعداد القاهرة لاتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية أمن المملكة وسيادتها إذا طلبت الرياض ذلك، داعيًا مجلس النواب إلى عقد جلسة طارئة للنظر في منحه التفويض اللازم للتحرك.
وفي اليوم التالي، الأحد 18 أكتوبر، عقد مجلس الدفاع الوطني اجتماعًا برئاسة السيسي، أعلن في أعقابه دعمه الكامل للسعودية واستعداده لتقديم أشكال الدعم اللازمة والممكنة للدفاع عن أمنها واستقرارها، وقد جاءت الدعوة في ظل تصاعد الهجمات التي تشنها جماعة الحوثيين في اليمن على أهداف داخل السعودية، وما تثيره من مخاوف بشأن أمن المنشآت الحيوية والملاحة في المنطقة.
لكن الانتقال من إعلان التضامن السياسي إلى اتخاذ قرار بإرسال قوات مسلحة يظل مرتبطًا بالإجراءات الدستورية وبطبيعة المهمة التي يمكن أن تُكلف بها القوات المصرية، بحسب ما أكدته مصادر دبلوماسية وعسكرية لـزاوية ثالثة، وحتى 19 أكتوبر، لم يكن مجلس النواب قد أعلن حسم التصويت على التفويض، بعدما قرر تمديد مناقشاته إلى جلسات لاحقة تمتد إلى الثلاثاء.
استياء سيادي
كشفت أربعة مصادر مصرية، دبلوماسية وسيادية وعسكرية، تحدثت معها «زاوية ثالثة»، عن وجود تباينات في المواقف داخل مؤسسات الدولة بشأن قرار إرسال قوات عسكرية مصرية إلى السعودية لدعمها في مواجهة جماعة الحوثي، مشيرة إلى أن تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن تقديم دعم كامل للمملكة، التي سبقت اجتماع مجلس الدفاع الوطني في 18 أكتوبر، أثارت نقاشات حادة داخل المجلس بشأن طبيعة الالتزام المصري وحدوده.
وقالت المصادر إن جانبًا من الاعتراضات تركز على الصياغة التي استخدمها السيسي، ولا سيما حديثه عن تحريك القوات المسلحة المصرية «وفقًا لتوجيهات الملك سلمان»، معتبرة أن هذه العبارة لم تكن موفقة، وأثارت استياءً لدى عدد من المشاركين في المناقشات، على خلفية ما تحمله من دلالات تتصل بطبيعة القرار العسكري المصري واستقلالية تحديد مهام القوات المسلحة.
وأكدت المصادر أن القرار كان لا بد أن يتم عقب المناقشات مع قيادات مجلس الدفاع الوطني وليس قبلها، لأن إعلان الرئيس وضع مصر أمام التزام صارم بدعم السعودية عسكريًا، لذلك جاء بيان مجلس الدفاع عامًا ولم يتطرق لحدود التدخل العسكري المصري.
وأضافت المصادر أن قرار مجلس النواب تخصيص ثلاثة أيام لمناقشة الملف لا يمكن فصله عن هذه التباينات داخل مؤسسات الدولة، في ظل مساعٍ لتحديد نطاق المشاركة العسكرية المصرية وطبيعة المهام المحتملة للقوات بأضيق صورة ممكنة، مع الحفاظ على الالتزام السياسي الذي أعلنه الرئيس تجاه السعودية في 17 أكتوبر.
وبحسب المصادر، تعكس هذه التحركات محاولة لتحقيق توازن بين الالتزام الذي أعلنه السيسي بدعم المملكة، والتحفظات المطروحة داخل مؤسسات الدولة بشأن حدود هذا الدعم، بما يتيح احتواء تداعيات القرار وتحديد إطار واضح لأي تحرك عسكري محتمل.
من إعلان الاستعداد إلى المسار الدستوري
في كلمته خلال حفل تخرج دفعات جديدة من الأكاديمية العسكرية المصرية والكليات العسكرية، السبت 17 أكتوبر، أكد السيسي أن القاهرة لن تقبل بتعرض السعودية لتهديدات تمس أمنها واستقرارها، معلنًا استعداد مصر لاتخاذ ما يلزم لحمايتها إذا طلبت المملكة ذلك.
وشدد الرئيس المصري على أن التحرك المحتمل يستهدف الدفاع عن السعودية، وليس شن هجمات أو الدخول في حرب، بالتزامن مع دعوته مجلس النواب إلى عقد جلسة طارئة للنظر في منحه التفويض اللازم.
وفي 18 أكتوبر، عقد مجلس الدفاع الوطني اجتماعًا بقصر الاتحادية لمناقشة التطورات الإقليمية، ولا سيما الهجمات التي تستهدف السعودية، وأعلن المتحدث باسم رئاسة الجمهورية أن المجلس أكد التضامن الكامل مع المملكة، ودعم تقديم جميع أشكال المساندة اللازمة والممكنة لحماية أمنها واستقرارها وسلامة أراضيها ومقدساتها الإسلامية، مع مواصلة الجهود السياسية والدبلوماسية لاحتواء التصعيد.
ولم يتضمن البيان الرئاسي المنشور تفاصيل عملياتية بشأن إرسال قوات أو تحديد حجمها أو طبيعة تسليحها أو مواقع انتشارها، وفي المقابل، أعلن النائب مصطفى بكري (المقرب من السلطة) أن المجلس وافق على إرسال قوات في مهمة دفاعية، وهو ما نقلته وسائل إعلام عربية ودولية.
وعقد مجلس النواب جلسة عامة سرية الأحد لمناقشة طلب التفويض، واستمرت نحو ثلاث ساعات، قبل تأجيل الحسم وتمديد المناقشات، فيما أكد مصدر برلماني لـزاوية ثالثة أن الجلسة شهدت مناقشات محتدمة بين النواب الذين طالبوا بالحصول على تفاصيل إضافية بشأن طبيعة المهمة ودور القوات المسلحة، ومدى انخراطها في مهام مباشرة بمواجهة الحوثيين، وكذلك حجم وعدد القوات المرسلة وطبيعة مهامها، فيما تقرر استكمال الجلسات خلال يومي الاثنين والثلاثاء.
وفي سياق متصل، دعا شيخ الأزهر، الإمام الأكبر أحمد الطيب، في بيان نُشر على الصفحة الرسمية للأزهر الشريف الأحد 18 أكتوبر 2026، إلى الوقف الفوري والشامل لأعمال الحرب والقتال والتدمير والتخريب في المنطقة، في ظل تصاعد الصراعات والنزاعات التي قال إنها استنزفت مقدرات الشعوب وأزهقت أرواح الأبرياء، وأدت إلى زعزعة استقرار المنطقة.
ووجّه الطيب نداءً إلى الدول العربية والإسلامية لتغليب روابط الدين والدم واللغة، وإعلاء صوت الحكمة والاحتكام إلى العقل والحوار، داعيًا إلى تشكيل لجنة وساطة وتهدئة عاجلة تضم ممثلين عن مختلف الدول العربية والإسلامية من الشخصيات التي وصفها بالحكمة والإخلاص والسعي إلى السلام والاستقرار.
ووفق البيان، تتولى اللجنة المقترحة التحرك الفوري لاحتواء الأزمات والصراعات المشتعلة، وتقريب وجهات النظر وإنهاء الخلافات بين الأطراف المتنازعة، بما يحفظ للعرب قوتهم وسيادتهم، ويصون دماء شعوب المنطقة ومقدراتها والأجيال القادمة. كما أعلن شيخ الأزهر استعداد المؤسسة لدعم جهود الوساطة والتهدئة، معربًا عن ثقته في قدرة الأطراف المعنية على تجاوز خلافاتها وتجنب المزيد من إراقة الدماء.
ماذا يقول الدستور عن إرسال القوات إلى الخارج؟
تنص المادة 152 من الدستور المصري على أن رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وأنه لا يعلن الحرب ولا يرسل القوات المسلحة في مهمة قتالية إلى خارج حدود الدولة إلا بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي أعضائه.
وتنظم المادة 130 من اللائحة الداخلية لمجلس النواب إجراءات الموافقة على إعلان الحرب أو إرسال القوات المسلحة في مهمة قتالية خارج الحدود، بما في ذلك انعقاد جلسة سرية عاجلة بناءً على طلب رئيس الجمهورية، بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني، وبذلك، لا تقتصر المسألة على إعلان سياسي بشأن التضامن مع السعودية، بل تتصل بإجراء دستوري يسبق إرسال القوات في مهمة قتالية خارج البلاد.
ومن جانبه يقول السفير رخا أحمد حسن، مساعد وزير الخارجية الأسبق، في تصريحات خاصة لـ«زاوية ثالثة»، إن دعم السعودية في مواجهة أي اعتداء على أراضيها أمر لا خلاف عليه، لكن ذلك لا يعني بالضرورة الانخراط عسكريًا في المواجهات الدائرة مع الحوثيين، خصوصًا أن المملكة لم تعلن حالة حرب، وإنما تخوض اشتباكات مستمرة منذ نحو عشر سنوات.
ويشير حسن إلى أن تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن انتظار توجيهات الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان تثير تساؤلات بشأن طبيعة الموقف السعودي من إرسال قوات مصرية، معتبرًا أن الصياغة توحي بأن الرياض لم تتقدم بطلب في هذا الشأن. وأضاف أن القرار يستدعي توضيح طبيعة المهمة العسكرية المقترحة وحدودها، ومدى اتساقها مع دعوات مصر إلى تجنب التصعيد، فضلًا عن تأثيرها المحتمل على دور القاهرة في الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل اتهام السعودية لطهران بدعم الحوثيين.
وتساءل مساعد وزير الخارجية الأسبق عن مبررات إرسال قوات في ظل ما تمتلكه السعودية من إمكانات عسكرية وقواعد أمريكية، معتبرًا أن الأولوية كان ينبغي أن تكون لوقف الاشتباكات والبحث عن تسوية سياسية، مقترحًا أن تعمل مصر وسلطنة عُمان على تشكيل لجنة للوساطة، على نحو يتفق مع الدعوات التي أشار إليها الأزهر، بهدف وقف القتال بين السعودية والحوثيين، ثم الانتقال إلى معالجة الأزمة اليمنية، في ظل سيطرة الحوثيين على شمال البلاد.
بالإضافة إلى ذلك، ينتقد حسن ترتيب الإجراءات المصاحبة للقرار، ويقول إن عرض الموضوع على مجلس الدفاع الوطني جاء بعد إعلان الرئيس موقفه، وهو ما كان من شأنه وضع الدولة أمام التزام سياسي وأدبي قبل استكمال المناقشات المؤسسية اللازمة، مشيرًا إلى أن المجلس، بما يضمه من مسؤولين معنيين، كان ينبغي أن يناقش القرار مسبقًا، لتقييم أبعاده العسكرية والسياسية ودراسة البدائل المتاحة قبل الإعلان عنه.
واعتبر أن الصياغة العامة لبيان مجلس الدفاع الوطني، التي تحدثت عن تقديم جميع أنواع المساعدات الممكنة للسعودية، تترك تساؤلات مفتوحة بشأن طبيعة الدعم وحدوده، وفي هذا السياق، أشار إلى ما طرحه اللواء سمير فرج بشأن إمكان إرسال دفاعات جوية مضادة للصواريخ والطائرات المسيّرة أو مستشارين، متسائلًا عما إذا كان بالإمكان الاكتفاء بمساعدة محدودة بدلًا من إثارة الجدل المرتبط بإرسال قوات.
وضرب حسن مثالًا بالدعم العربي لمصر خلال حرب أكتوبر 1973، حين قدمت دول عربية مساهمات عسكرية متفاوتة، من بينها ألوية وكتائب، في إطار التضامن مع مصر، ورأى أن تقديم دعم محدود للسعودية كان يمكن أن يحقق الغرض نفسه، من دون أن يفضي إلى انخراط مصري أوسع في المواجهات.
ويحذر الدبلوماسي المصري من أن إرسال قوات قد يؤثر سلبًا على الموقف المصري الذي استهدف تجنب الانخراط العسكري المباشر في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، مشيرًا إلى أن مصر لم تنضم إلى اتفاقية الدفاع الثلاثية بين السعودية وباكستان وتركيا، انطلاقًا من توجهها إلى عدم إرسال قوات خارج أراضيها. وتساءل عن المتغيرات التي تستدعي مراجعة هذا الموقف، في ظل عدم وجود حرب معلنة بين السعودية والحوثيين.
ويلفت حسن إلى أن التداعيات الإنسانية للمواجهات في اليمن تستدعي إعطاء الأولوية لوقف القتال، مشيرًا إلى رقم قدره بنحو 225 ألف نازح، وإلى مناشدات الأمم المتحدة لتقديم المساعدات، فضلًا عن حصار مدينة تعز، مشددًا على أن توسيع الانخراط العسكري لا يعالج جذور الأزمة، وقد يفرض أعباء إضافية على مصر، فضلًا عن انعكاساته على علاقاتها الإقليمية وقدرتها على مواصلة الوساطة.
وفيما يتعلق بمناقشة القرار داخل مجلس النواب، رجح حسن الموافقة عليه بالنظر إلى ما وصفه بوجود أغلبية مؤيدة للحكومة تقدر بنحو 74% من أعضاء المجلس، معتبرًا أن إتاحة المجال أمام النواب لطرح أسئلتهم ومواقفهم لن تغير على الأرجح من النتيجة النهائية.
وشدد حسن على أن القرارات ذات التداعيات العسكرية والإقليمية تستلزم التشاور المسبق وتقدير المخاطر والبدائل، والاستعانة بخبراء قادرين على دراسة انعكاساتها على المصالح المصرية. وخلص إلى أن المسألة لا تتعلق بمبدأ دعم السعودية، وإنما بطبيعة هذا الدعم وتوقيته وحدوده، محذرًا من أن إرسال قوات في الظروف الراهنة قد يضعف قدرة مصر على الحفاظ على موقفها الداعي إلى خفض التصعيد وتسوية النزاعات بالوسائل السياسية.
ما طبيعة الدور العسكري المحتمل؟
في ظل غياب تفاصيل رسمية معلنة بشأن حجم القوات وطبيعة انتشارها، لا يمكن التعامل مع الحديث عن نشر وحدات برية أو منظومات دفاع جوي أو إرسال خبراء عسكريين باعتباره قرارًا محسومًا.
وتشمل أشكال الدعم العسكري التي يمكن أن تقدمها مصر للسعودية، بحسب طبيعة التهديدات واحتياجات الطرف المعني، تبادل المعلومات الاستخبارية، والتنسيق الدفاعي، والمساندة الفنية، وحماية المنشآت الحيوية، أو نشر قوات في مهام محددة، بحسب مصدر عسكري تحدث إلى زاوية ثالثة وفضل عدم ذكر اسمه.
ووفقًا للمصدر يظل العامل الحاسم هو طبيعة الطلب السعودي، وحدود المهمة التي سيجري الاتفاق عليها، والتفويض الدستوري الذي قد يصدر عن مجلس النواب، كذلك حجم التهديدات التي تتعرض لها المملكة، وقدراتها الدفاعية القائمة، وطبيعة التنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين، كلها عوامل مؤثرة في تحديد شكل المساندة المطلوبة.
وقد حدد اللواء سمير فرج، الخبير العسكري والاستراتيجي خمسة أشكال للدعم العسكري في حالات الدفاع، تبدأ بتبادل المعلومات، ثم الاستعانة بالخبراء العسكريين، مستشهدًا بالخبراء السوفييت الذين استعانت بهم مصر عام 1967، يلي ذلك توفير الذخائر، ثم إمداد الدولة المعنية بالأسلحة، مثل الطائرات، وصولًا إلى إرسال القوات العسكرية باعتباره الشكل الأخير من أشكال التعاون الدفاعي.
وأشار، في تصريحات تلفزيونية، إلى أنه في حال موافقة البرلمان، يمكن تشكيل لجنة عسكرية مصرية للتنسيق مع القيادات العسكرية السعودية، وتحديد المنشآت والأهداف الحيوية التي تحتاج إلى تأمين، ومن بينها الأماكن المقدسة، وآبار النفط ومحطات التكرير، والموانئ والمطارات، إلى جانب خط أنابيب النفط الممتد من شرق المملكة إلى غربها.
ولفت فرج إلى أن تحديد طبيعة الدعم يتوقف على دراسة كل هدف على حدة، موضحًا أن تأمين المنشآت النفطية، على سبيل المثال، قد يتطلب منظومات دفاع جوي متعددة المستويات، تشمل الارتفاعات المنخفضة والمتوسطة والعالية. وأضاف أن مصر يمكنها المساهمة بمنظومات للدفاع الجوي على الارتفاعات المتوسطة، وفقًا للإمكانات المتاحة، معتبرًا أن تقديم هذا الدعم سيمثل خطوة مهمة في إسناد الدفاع عن السعودية، وأن التاريخ سيحفظ لمصر مبادرتها في هذا الشأن.
الأمن القومي المصري وأمن الخليج
لا يمكن فصل الموقف المصري عن شبكة المصالح الأمنية والاقتصادية التي تربط القاهرة بالرياض، فالسعودية شريك رئيسي لمصر في العلاقات التجارية والاستثمارية والمالية، كما يمثل أمن الخليج أحد الملفات التي تؤثر في حسابات السياسة الخارجية المصرية.
وقد أكد الخطاب الرسمي المصري في مناسبات متعددة الترابط بين أمن مصر وأمن الدول العربية، فيما أشار السيسي في كلمته الأخيرة إلى دعم السعودية ودول خليجية أخرى لمصر خلال فترات واجهت فيها البلاد صعوبات اقتصادية.
لكن هذه الروابط لا تكفي وحدها لتفسير القرار المحتمل بإرسال قوات عسكرية، ولا تثبت أن التحرك يستهدف الحصول على دعم مالي أو استثماري، والأدق هو النظر إلى العلاقات الاقتصادية باعتبارها أحد عناصر السياق الاستراتيجي الذي تتحرك داخله القاهرة، إلى جانب اعتبارات الأمن الإقليمي وحماية المصالح المصرية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية البحر الأحمر وباب المندب بالنسبة إلى مصر، بالنظر إلى تأثير أمن الملاحة على حركة التجارة الدولية وإيرادات قناة السويس. وقد أظهرت الهجمات التي استهدفت الملاحة في المنطقة خلال السنوات الأخيرة مدى ارتباط أمن الممرات البحرية بالمصالح الاقتصادية المصرية.
غير أن الربط بين هذه المصالح وبين أي مهمة عسكرية محتملة في السعودية يحتاج إلى أدلة على طبيعة الأهداف التي تسعى القاهرة إلى تحقيقها، ولا يكفي وحده لاستنتاج أن حماية قناة السويس هي الدافع الأساسي للتحرك.
وفيما يتعلق بأمن مصر والخليج، يقول النائب فريدي البياضي عضو مجلس النواب ونائب رئيس الحزب المصري الديموقراطي إنه يؤيد وقوف مصر إلى جانب السعودية في مواجهة أي اعتداء على أراضيها، انطلاقًا من أن أمن المملكة واستقرارها يرتبطان بمصالح مصر والأمن العربي، لكنه شدد على أن الاتفاق مع هذا المبدأ لا يعني منح تفويض عسكري دون معرفة طبيعة المهمة وحدودها وتداعياتها المحتملة.
ويوضح لـ«زاوية ثالثة»، أن التصويت يتطلب معرفة المهمة المطلوب من القوات المسلحة تنفيذها، ونطاقها الجغرافي والزمني، والضمانات التي تحول دون انزلاقها إلى حرب مفتوحة، إلى جانب آليات متابعة تنفيذها وإطلاع البرلمان على تطوراتها. وأشار إلى أن الجلسة السرية تتيح مناقشة المعلومات والتقديرات الأمنية التي يتعذر إعلانها للرأي العام.
ويشير كذلك إلى أن موافقة البرلمان على إرسال القوات المسلحة في مهمة قتالية خارج الحدود مسؤولية دستورية لا تحتمل الاكتفاء بالاعتبارات السياسية، موضحًا أن الدستور يشترط أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب وأن أي موافقة يجب أن تستند إلى تصور واضح للمهمة ومخاطرها، بما يضمن حماية أرواح الجنود وصون الأمن القومي المصري، مع الحفاظ على دعم الأشقاء في الخليج.
تجربة اليمن وحسابات التورط العسكري
تستدعي احتمالات الانخراط العسكري المصري في محيط اليمن تجربة التدخل المصري في البلاد خلال ستينيات القرن الماضي، حين شاركت القاهرة بقوات في الحرب الأهلية اليمنية، في واحدة من أكثر التجارب العسكرية كلفة على مصر خلال تلك المرحلة.
وفي قراءته لتداعيات أي انخراط عسكري مصري في الصراع بين السعودية والحوثيين، يحذّر عضو مجلس النواب الأسبق، طلعت خليل، من تكرار تجربة التدخل المصري في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي، معتبرًا أنها تمثل درسًا تاريخيًا ينبغي استحضاره عند تقييم أي تحرك عسكري خارج الحدود. وربط خليل بين تلك التجربة وهزيمة يونيو 1967، محذرًا من إرسال قوات مصرية، سواء برية أو جوية أو في مهام دعم لوجستي، للمشاركة في الصراع.
ويقول لـ«زاوية ثالثة»، انخراط القاهرة عسكريًا قد يحدّ من قدرتها على أداء دور الوسيط بين الأطراف العربية، مشددًا على أن دعم السعودية ودول الخليج لا يستلزم، بالضرورة، المشاركة في مواجهة عسكرية. ودعا إلى توظيف الأدوات الدبلوماسية لاحتواء الخلافات وتسوية النزاع، محذرًا من أن استمرار الصراع واستنزاف موارد المنطقة قد يصبّان في مصلحة إسرائيل.
كذلك يلفت إلى تعدد التحديات الأمنية المحيطة بمصر، من ملف سد النهضة والأوضاع على الحدود مع السودان، إلى التوتر على الحدود الشرقية والاضطرابات في ليبيا، معتبرًا أن هذه الملفات تفرض الحفاظ على جاهزية القوات المسلحة وتركيز قدراتها على حماية الأمن القومي المصري، بدلًا من إشراكها في صراعات إقليمية إضافية.
وتختلف الظروف الحالية عن سياق حرب اليمن، لكن التجربة التاريخية تظل ذات صلة بالنقاش بشأن مخاطر الانخراط في صراعات خارج الحدود، خصوصًا عندما تتسع الأهداف العسكرية أو تطول مدة العمليات أو تتغير طبيعة المواجهة.
وتتوقف المخاطر المحتملة لأي مهمة جديدة على مجموعة من العوامل، من بينها طبيعة التفويض، وحجم القوات المشاركة، ومدى وضوح الأهداف، والمدة الزمنية للانتشار، وقواعد الاشتباك، والقدرة على منع توسع المهمة إلى مواجهة مفتوحة، ومن هنا، فإن وصف المهمة بأنها دفاعية يحدد الإطار السياسي المعلن لها، لكنه لا يغني عن معرفة حدودها العملية والآليات التي تضمن بقاءها ضمن هذا الإطار، بحسب المصدر البرلماني.
وأخيرًا.. تكشف التطورات الأخيرة عن استعداد القاهرة لتأكيد التزامها بأمن السعودية في وقت تتزايد فيه الضغوط الإقليمية، لكنها تضع صانع القرار المصري أمام معادلة تتجاوز إعلان التضامن إلى تحديد طبيعة المشاركة وحدودها.
فمن ناحية، قد يسهم تقديم دعم دفاعي محدد في تعزيز التنسيق مع الرياض وتأكيد مكانة مصر في ترتيبات الأمن الإقليمي. ومن ناحية أخرى، فإن أي مشاركة عسكرية مباشرة قد تفرض أعباء إضافية، وتضع القوات المصرية أمام مخاطر تتوقف على طبيعة الصراع ومدته واتساع نطاقه.
