غارات منقّبي الذهب.. ما الذي تكشفه الأرض في إيقاد وحنجلية؟

تحليل صور فضائية ووثائق يفحص آثار غارات منقّبي الذهب في إيقاد وحنجلية وحدود الأدلة المتاحة.
كولاج توضيحي لمنقّب ذهب وتضاريس صحراوية وقصاصات صور جوية رمزية، عن التحقق من أدلة الغارات قرب الحدود المصرية السودانية.
Picture of زاوية ثالثة

زاوية ثالثة

تُظهر صور الأقمار الصناعية التي حلّلتها «زاوية ثالثة» تغيّرًا غير معتاد في موقعين للتنقيب عن الذهب يفصل بينهما 308 كيلومترات، وقع في الساعات الثماني والأربعين نفسها التي قال ناجون إن طائرة مقاتلة قصفت فيها منجمهم صباح السبت 10 أكتوبر. أحد الموقعين داخل مثلث حلايب، والآخر في الصحراء الشرقية جنوب غرب مرسى علم.

عند العاشرة وأربع وعشرين دقيقة من صباح السبت 10 أكتوبر 2026، بتوقيت السودان، مرّ القمر الأوروبي «سنتينل-2 إيه» فوق وادٍ صخري تملؤه حفر التنقيب، على بعد 8.7 كيلومترات شمال دائرة العرض 22 داخل مثلث حلايب. سجّلت عدساته في قلب الوادي بقعة داكنة مساحتها نحو 4400 متر مربع لم تكن هناك قبل 48 ساعة. وقبل ذلك بساعتين ونصف تقريبًا، بحسب ما رواه المنقّب عبد العزيز يوسف لوكالة فرانس برس، ظهرت في السماء طائرة مقاتلة «وضربت خمس مرات».

وعلى مسافة 308 كيلومترات شمالًا، داخل الأراضي المصرية جنوب غرب مرسى علم، سجّل القمر نفسه في النافذة الزمنية ذاتها بقعة داكنة ثانية مساحتها نحو 2800 متر مربع، في موضع يقع داخل امتياز حكومي للتنقيب عن الذهب.

أعادت «زاوية ثالثة» فحص كل ما نُشر عن غارات العاشر من أكتوبر، من الشهادات وأرقام الضحايا إلى تحليلات المصادر المفتوحة والبيانات الرسمية، واحتفظت بالبيانات الخام لـ31 مشهدًا فضائيًا للموقعين بين الأول من سبتمبر و18 أكتوبر. ويعرض هذا التقرير ما أمكن إثباته، وما بقي منسوبًا إلى أصحابه، وما ينتظر عملًا ميدانيًا لا تتيحه الصور.

ويختبر التحقيق سؤالًا محددًا: إلى أي مدى تدعم الصور الفضائية والوثائق المنشورة روايات الهجوم على المنقّبين، وما الذي يمكن إثباته عن موقعَي إيقاد وحنجلية وتوقيت التغيّر فيهما؟ وتتمثل إضافة «زاوية ثالثة» في قياس هذا التغيّر عبر سلسلة زمنية، واختباره مقابل مشاهد سابقة، ومطابقة موضع حنجلية مع حدود الامتياز الواردة في الوثائق، مع فصل هذه النتائج عن الاستنتاجات المتعلقة بسبب الأثر والجهة المنفذة.

في الموقعين ظهرت بقعة داكنة بين صباح 8 وصباح 10 أكتوبر، ولم يظهر إعتام مماثل بين 3 و8 أكتوبر.

صباح السبت في شمال الوادي

يسمّي المنقّبون المكان «شمال الوادي»، ويسمّون الجبل الذي يعملون في سفوحه «جبل العقيدات»، ويسمّيه بعضهم «الجبل الأحمر» بحسب شهود قابلتهم بي بي سي عربي. وكان المنقّب ميرغني مالك من أوائل من رووا ما حدث، ليل اليوم نفسه، لموقع سودان تربيون، فقال إن مقاتلات نفذت خمس غارات على الأقل على منجم العقيدات، وإن عشرين مصابًا على الأقل نُقلوا إلى سوق الأنصاري، وإن مئات العمال فرّوا إلى الجبال بلا ماء ولا مؤن.

وفي اليوم التالي، نقلت فرانس برس عن المنقّب عبد العزيز يوسف أن طائرة مقاتلة ظهرت نحو الثامنة صباحًا وضربت خمس مرات، وعن الناجي شرف علي أن آلاف العمال كانوا في الموقع لحظة الضربة، وأن الفارين تفرّقوا فلم يعد أحد يعرف عدد القتلى. وروى المنقّب علي محمد حمزة لموقع أفريكانيوز أن الطائرة حلّقت ثلاث مرات وضربت في الرابعة بينما كان يعدّ الشاي، وقال عمر محيي الدين عبد الله إن الضربة الأولى انفجرت وسط المنقّبين، وإنه فقد أخاه واثنين من أبناء عمومته. وقال ناجٍ يُدعى عمر محيي الدين لفرانس برس في تقرير لاحق إنه رأى علمًا مصريًا على الطائرة.

وتختلف الشهادات في الساعة: السادسة صباحًا بحسب ثلاثة ناجين قابلتهم سودان تربيون، والثامنة بحسب فرانس برس وأفريكانيوز، والعاشرة بحسب شاهد قابلته شبكة عاين. ونقلت بي بي سي عربي عن المنقّب بحر الدين محمد أن ضربة واحدة قتلت 35 منقّبًا دفعة واحدة، لكنها أرّخت الضربة يوم الجمعة، خلافًا لأغلب المصادر. وقال الشاهد بحر الدين حسن لصحيفة نيويورك تايمز، بحسب نسخة معاد نشرها من تقريرها، إن الطائرات قصفت الموقع ثلاث مرات على الأقل على مدى ساعة بدءًا من نحو التاسعة، وإن نحو 35 شخصًا قُتلوا في الضربة الأولى، وهي رواية تطابق ما نقلته بي بي سي، وقد يكون الشاهدان شخصًا واحدًا. وقال ناجٍ لشبكة أتر إن ضربة وقعت عند الحادية عشرة وعشرين دقيقة، وإن القصف استمر أكثر من ثلاث ساعات. وتتفق الشهادات على أن الهجوم جاء من الجو، وتتباين في عدد الضربات بين ضربة واحدة وخمس.

بين السادسة والحادية عشرة صباحًا: تتباين الشهادات في ساعة الضربات، وتتفق كلها تقريبًا على السبت 10 أكتوبر.

توقيت الشهادات ومصادرها: يعرض الرسمان التاليان اختلاف الروايات، ولا يفترضان أنها شهادات مستقلة جميعًا.

ما سجّلته الأقمار

لم تكن «زاوية ثالثة» أول من قارن صور الأقمار. فقد نشر المحلل فيصل الشيخ على منصة إكس يومي 12 و13 أكتوبر إحداثيين للموقعين، مع إشارة شكر لحساب tom_bike، مستندًا إلى مطابقة التضاريس وشهادات ومقارنة صورتين للقمر الأوروبي يومي 8 و10 أكتوبر بحسب منشوره. ثم استخدم حساب «صدى السودان» في 14 أكتوبر الإحداثيات نفسها، ونشرت شبكة أتر في 15 أكتوبر مقارنة بين صورتين لكل موقع، أرّخت صورة إيقاد الأولى منها بـ3 أكتوبر. غير أن هذه المقارنات بصرية بين صورة قبل الحدث وأخرى بعده، بألوان معالجة، دون قياس ودون مقارنة بالأسابيع السابقة.

احتفظت «زاوية ثالثة» بالبيانات الخام لكل مشهد صافٍ التقطه القمر للموقعين منذ الأول من سبتمبر، وقاست في كل مشهد نسبة انعكاس الضوء في دائرة قطرها 70 مترًا حول موضع التغيّر إلى انعكاسه في الأرض المحيطة. ظلت هذه النسبة في إيقاد ثابتة تقريبًا عبر تسعة مشاهد التقطتها ثلاثة أقمار مختلفة بين 3 سبتمبر و8 أكتوبر، ثم هبطت فجأة 12.2 في المئة في مشهد العاشر من أكتوبر. وفي حنجلية ظلت ثابتة عبر 14 مشهدًا، ثم هبطت 10.6 في المئة في اليوم نفسه. ويعادل الهبوط نحو ثمانية أضعاف التذبذب المعتاد للقياس في إيقاد ونحو تسعة أضعافه في حنجلية.

إيقاد كما سجّلها القمر الأوروبي في 8 و10 و18 أكتوبر بألوان طبيعية، وفي اللوحة الأخيرة خريطة تغيّر انعكاس الضوء الأحمر بين 8 و10 أكتوبر. الدائرة تحدد البقعة الداكنة الجديدة (نحو 4400 م²)، والصليب الأبيض الإحداثي المنشور. المصدر: Copernicus Sentinel-2 L2A (وكالة الفضاء الأوروبية)، معالجة «زاوية ثالثة».
إيقاد كما سجّلها القمر الأوروبي في 8 و10 و18 أكتوبر بألوان طبيعية، وفي اللوحة الأخيرة خريطة تغيّر انعكاس الضوء الأحمر بين 8 و10 أكتوبر. الدائرة تحدد البقعة الداكنة الجديدة (نحو 4400 م²)، والصليب الأبيض الإحداثي المنشور. المصدر: Copernicus Sentinel-2 L2A (وكالة الفضاء الأوروبية)، معالجة «زاوية ثالثة».
كل الصور الصافية التي التقطها القمر الأوروبي سنتينل-2 لموقع إيقاد بين 3 سبتمبر و18 أكتوبر 2026 (12 صورة)، والدائرة الحمراء حول موضع البقعة الداكنة التي ظهرت في صورة صباح 10 أكتوبر ثم خفّت في الصور التالية. المساحة المعروضة 1.2 في 1.2 كيلومتر. المصدر: Copernicus Sentinel-2 L2A، معالجة «زاوية ثالثة».

ويضيّق القياس النافذة الزمنية لظهور الأثر الذي أوحت به مقارنة فيصل الشيخ، ويضيف إليها اختبار الفترة السابقة: لا يكشف الفرق بين 3 و8 أكتوبر إعتامًا مماثلًا قرب أي من النقطتين؛ فلم يظهر قرب نقطة حنجلية أي تغيّر يُعتدّ به، وظهر في إيقاد تغيّران صغيران فقط، إعتام في نحو 400 متر مربع وتفتيح في نحو 700 متر مربع على بعد 55 إلى 85 مترًا من الإحداثي، لا يتداخل أي منهما مع البقعة التي ظهرت لاحقًا، ويتسقان مع حفر جديدة. وبذلك ظهر التغيّر في كل موقع بين مرور القمر يوم الخميس 8 أكتوبر ومروره يوم السبت 10 أكتوبر: قرب الساعة 08:24 بتوقيت غرينتش في إيقاد، وقرب 08:23 في حنجلية. وهذه نافذة رصد مشتركة تقارب 48 ساعة، وليست دليلًا على وقوع التغيّرين في اللحظة نفسها أو بفعل سبب واحد. ولأن صورة السبت التُقطت في إيقاد عند 10:24 بتوقيت السودان، وفي حنجلية عند 11:23 بتوقيت مصر، فهي لا تسجّل إلا ما حدث قبل تلك الساعة، ولا تحسم ما وقع بعدها؛ فقد حدّد شاهد لأتر ضربة عند 11:20.

نسبة انعكاس الضوء الأحمر في موضع التغيّر إلى محيطه في كل مشهد صافٍ منذ 1 سبتمبر، مؤشَّرة على متوسط ما قبل الحدث. المنطقة الرمادية نافذة 8 إلى 10 أكتوبر. المصدر: Copernicus Sentinel-2 L2A، تحليل «زاوية ثالثة».
نسبة انعكاس الضوء الأحمر في موضع التغيّر إلى محيطه في كل مشهد صافٍ منذ 1 سبتمبر، مؤشَّرة على متوسط ما قبل الحدث. المنطقة الرمادية نافذة 8 إلى 10 أكتوبر. المصدر: Copernicus Sentinel-2 L2A، تحليل «زاوية ثالثة».

ويختلف مصير الأثر بعد ذلك. في إيقاد خفّ الإعتام إلى 4.1 في المئة بعد ثلاثة أيام، وعادت نسبة الانعكاس الأحمر إلى مستواها المعتاد في 18 أكتوبر. وفي حنجلية بقي الإعتام بين 6.2 و8.4 في المئة حتى آخر صورة. والتوقيع الطيفي في الموقعين إعتام شامل لنطاقات الضوء المرئي وتحت الأحمر، يتسق مع رماد أو سخام أو حطام داكن، وقد فُسّر في التحليل بوصفه أقل اتساقًا مع ترطيب التربة بمياه التعدين، لكن هذا الترجيح لا يستبعد الترطيب وحده بصورة قاطعة، ولا يحدد المادة التي سببت الإعتام.

بقعة داكنة نحو 4400 م² في إيقاد ونحو 2800 م² في حنجلية، كلتاهما على بعد أقل من 35 مترًا من الإحداثي المنشور.

ولا تكفي دقة عشرة أمتار للتمييز بين أثر قنبلة، وحريق أُشعل على الأرض، وتجمّع أجسام داكنة كالخيام والمركبات. كما أن الإحداثيين حدّدهما فيصل الشيخ بمطابقة التضاريس وبالمقارنة الفضائية؛ لذا فإن ما أنجزته «زاوية ثالثة» تكرار مستقل للملاحظة الفضائية وقياس لها واختبار لتوقيتها، لا تحديد مستقل لموقع الغارة من المقاطع المصورة. وفي دائرة نصف قطرها ستة كيلومترات حول إيقاد، كانت هذه البقعة الأشد تغيّرًا والوحيدة بهذا الحجم التي تحمل توقيع الإعتام الشامل، فيما كانت التغيّرات الأخرى، ومنها عناقيد أكبر مساحة، تفتيحًا أو تغيّرًا مختلطًا.

وتختبر المقارنة الزمنية ما إذا كان التغيّر جزءًا من التقلب المعتاد في الموقع، لكنها لا تفصل وحدها بين القصف والحريق الأرضي أو تبدّل نشاط التعدين. ويحدّ قياس موضع الأثر نسبةً إلى محيطه من أثر اختلاف الإضاءة العام، دون أن يلغي كل أثر محتمل للظلال المحلية أو اختلاف زاوية التصوير أو خصائص السطح. لذلك يبقى تفسير البقعتين مرتبطًا بالشهادات والأدلة الأخرى، وتظل الحاجة قائمة إلى صور أعلى دقة أو تحقق ميداني لتحديد سببهما.

حنجلية: الأثر الثاني داخل امتياز حكومي

لم يروِ أي شاهد منشور ما حدث في حنجلية، ولم تنشر أي وسيلة إعلام شهادة ميدانية عن غارة هناك؛ واستند ما نُشر إلى المقارنة الفضائية والمقاطع المتداولة. يقع الموقع على بعد نحو 315 كيلومترًا شمال دائرة العرض 22، في وادٍ مستوٍ تحيط به تلال صخرية، على بعد نحو 900 متر من «منجم حنجلية» القديم كما تسجّله الخرائط المفتوحة.

حنجلية في 8 و10 و18 أكتوبر بألوان طبيعية، وفي اللوحة الأخيرة خريطة تغيّر الانعكاس الأحمر بين 8 و10 أكتوبر. الدائرة تحدد البقعة الداكنة الجديدة (نحو 2800 م²)، وهي داخل حدود امتياز حنجلية وأم عود. المصدر: Copernicus Sentinel-2 L2A، معالجة «زاوية ثالثة».
حنجلية في 8 و10 و18 أكتوبر بألوان طبيعية، وفي اللوحة الأخيرة خريطة تغيّر الانعكاس الأحمر بين 8 و10 أكتوبر. الدائرة تحدد البقعة الداكنة الجديدة (نحو 2800 م²)، وهي داخل حدود امتياز حنجلية وأم عود. المصدر: Copernicus Sentinel-2 L2A، معالجة «زاوية ثالثة».
كل الصور الصافية التي التقطها القمر الأوروبي سنتينل-2 لموقع حنجلية بين 1 سبتمبر و18 أكتوبر 2026 (19 صورة)، والدائرة الحمراء حول البقع الداكنة التي ظهرت في صورة صباح 10 أكتوبر وبقيت حتى آخر صورة. المساحة المعروضة 1.2 في 1.2 كيلومتر. المصدر: Copernicus Sentinel-2 L2A، معالجة «زاوية ثالثة».

ويقع موضع التغيّر داخل منطقة امتياز «حنجلية وأم عود» التي حدّدها ملحق القانون 167 لسنة 2021، الذي رخّص لوزير البترول والثروة المعدنية التعاقد مع الهيئة المصرية العامة للثروة المعدنية وشركة شلاتين للثروة المعدنية للبحث عن الذهب واستغلاله في مساحة تقارب 511 كيلومترًا مربعًا. وبحسب كتيّب الشركة، تتوزع ملكيتها بين هيئة الثروة المعدنية (35 في المئة) وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة (34 في المئة) وبنك الاستثمار القومي (24 في المئة) والشركة المصرية للثروات التعدينية (7 في المئة). ويعرض الكتيّب خطة لعام 2026 تشمل أكثر من ألفي عينة في حنجلية شمالًا وجنوبًا، تمهيدًا لبرنامج حفر.

حدود امتياز «حنجلية وأم عود» كما رسمتها «زاوية ثالثة» من إحداثيات رؤوسه الثمانية في الملحق «أ» للقانون 167 لسنة 2021. الدائرة الحمراء موضع التغيّر بين 8 و10 أكتوبر، على بعد 3.6 كيلومترات من الحد الشمالي للامتياز، والمثلث الأبيض نقطة «منجم حنجلية» على خرائط أوبن ستريت ماب. الخلفية: Copernicus Sentinel-2 L2A، 8 أكتوبر 2026.
حدود امتياز «حنجلية وأم عود» كما رسمتها «زاوية ثالثة» من إحداثيات رؤوسه الثمانية في الملحق «أ» للقانون 167 لسنة 2021. الدائرة الحمراء موضع التغيّر بين 8 و10 أكتوبر، على بعد 3.6 كيلومترات من الحد الشمالي للامتياز، والمثلث الأبيض نقطة «منجم حنجلية» على خرائط أوبن ستريت ماب. الخلفية: Copernicus Sentinel-2 L2A، 8 أكتوبر 2026.
جدول إحداثيات رؤوس منطقة الالتزام في الملحق «أ» للقانون 167 لسنة 2021، كما نُشر في الجريدة الرسمية (العدد 52 مكرر (ل)، 4 يناير 2022، ص 104). المصدر: نسخة القانون المنشورة على موقع شركة شلاتين للثروة المعدنية.
جدول إحداثيات رؤوس منطقة الالتزام في الملحق «أ» للقانون 167 لسنة 2021، كما نُشر في الجريدة الرسمية (العدد 52 مكرر (ل)، 4 يناير 2022، ص 104). المصدر: نسخة القانون المنشورة على موقع شركة شلاتين للثروة المعدنية.
توزيع ملكية شركة شلاتين للثروة المعدنية كما يعرضه كتيّب الشركة: هيئة الثروة المعدنية 35 في المئة، وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية 34 في المئة، وبنك الاستثمار القومي 24 في المئة، والشركة المصرية للثروات التعدينية 7 في المئة. المصدر: كتيّب الشركة، ص 3.
توزيع ملكية شركة شلاتين للثروة المعدنية كما يعرضه كتيّب الشركة: هيئة الثروة المعدنية 35 في المئة، وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية 34 في المئة، وبنك الاستثمار القومي 24 في المئة، والشركة المصرية للثروات التعدينية 7 في المئة. المصدر: كتيّب الشركة، ص 3.

وتداول ناشطون مقطعًا مصوّرًا من مرتفع يُظهر مخيم تنقيب من عشرات الأكواخ عند سفح تلال صخرية، يحترق فيه مبنى ويتصاعد منه دخان أسود، وعليه عبارة «حنجلية الآن صباح السبت». لم نعثر على الأصل الأول للمقطع، ولم نتمكن من مطابقة مكانه بعد، ورأيناه فقط مقتطعًا داخل مونتاج «صدى السودان».

لقطات من مقطع متداول يحمل عبارة «حنجلية الآن صباح السبت»، كما ظهر مقتطعًا في مونتاج نشره حساب «صدى السودان» على منصة إكس في 14 أكتوبر. لم يُحدَّد مكان التصوير ولا تاريخه بعد. المصدر: صدى السودان.
لقطات من مقطع متداول يحمل عبارة «حنجلية الآن صباح السبت»، كما ظهر مقتطعًا في مونتاج نشره حساب «صدى السودان» على منصة إكس في 14 أكتوبر. لم يُحدَّد مكان التصوير ولا تاريخه بعد. المصدر: صدى السودان.

وقارن موقع إيجيبت تلغراف المصري في 14 أكتوبر مقاطع متداولة، منها مقطع على تيك توك ينتهي بعبارة «وداعًا يا حنجلية»، بتضاريس منطقة منجم حنجلية على Google Earth، دون نشر إحداثيات. ونشر حساب ‎@alipolitics1، الذي أشار إليه فيصل الشيخ في منشور حنجلية، مقطعًا قال إنه صُوّر في 30 سبتمبر لمنقّبين غادروا حنجلية استجابة للجيش، ثم نشر في 17 أكتوبر صورة قال إنها تُظهر ملصقات تحذير مصرية، ولم نتحقق من تاريخ أي منهما. وفي المقابل، وضعت «عاين» تحت صورة فضائية تبدو لحنجلية عبارة «مواقع الضربات الجوية المصرية داخل الحدود السودانية»، رغم أن إحداثياتها داخل مصر.

ولا يربط أي دليل معروض في هذا التحقيق بين الشركة أو مساهميها وأي عملية أمنية، ولا يثبت وقوع الموقع داخل الامتياز دافعًا أو قرارًا. فالمطابقة تحدد الوضع الجغرافي والتعاقدي للموقع، ولا تثبت بذاتها صلة الشركة بالهجوم أو علمها به. وكان بيان القوات المسلحة في يونيو، بحسب ما نقلته الشرق، قد تحدث عن عمليات «قرب طريق مرسى علم إدفو»، وهو الطريق الذي يقود إلى منجم حنجلية بحسب كتيّب الشركة، كما تحدث عن شبكات تُرهب العاملين في شركات تعدين مصرية وأجنبية. ولم نطّلع على النص الأصلي لذلك البيان.

موضع التغيّر في حنجلية يقع داخل امتياز «حنجلية وأم عود»، على بعد 3.6 كيلومترات من أقرب حدوده.

أين يقع إيقاد؟

جاء اسم «إيقاد» من قاعدة أسماء الأماكن التي تحتفظ بها الحكومة الأمريكية، حيث يرد «جبل عيقات» بصيغ عدة على بعد نحو أربعة كيلومترات من الإحداثي المنشور. ويقترب الاسم صوتيًا من «العقيدات» حين يُنطق بالقاف السودانية، لكن هذه المطابقة، وتسمية الموضع «منجم شمال الوادي» على خرائط أوبن ستريت ماب، أضافها مستخدم واحد يومي 11 و12 أكتوبر، بعد الحادث.

ويرجّح ذلك أن فيصل الشيخ سمّى الموقع «جبل عيقات» في 11 أكتوبر استنادًا إلى أداة مطابقة تضاريس، وأن مقطعًا متداولًا يُنسب إلى موقع الغارة يحمل عبارة «جبل ايقاد والجبل الابيض شمال الوادي»، وأن الشيخ نفسه حدّد في يونيو موقع الغارة الأولى على بعد نصف كيلومتر فقط من نقطة أكتوبر. وحدّدت فرانس برس في 21 أكتوبر، بصور Planet Labs وثلاثة ناجين، موقع غارة أكتوبر في جبل العقيدات داخل مثلث حلايب، داخل امتياز مساحته 176 كيلومترًا مربعًا منحته الحكومة المصرية لشركة حكومية للتنقيب عن الذهب لم تسمّها، دون نشر إحداثيات. غير أن مصادر أخرى تضع العقيدات في مواضع مختلفة: وصفتها مدى مصر في يونيو بأنها شمال مثلث حلايب وعدّت الجبل الأحمر جبلًا مجاورًا، ونقلت أتر عن مصدر أن غارة يونيو على العقيدات وقعت على بعد 20 إلى 30 كيلومترًا جنوب الحدود. والمرجّح أن «إيقاد» و«العقيدات» اسمان لمنطقة واحدة، وهو ما ينتظر تأكيد الشهود.

الموقعان المنشوران: إيقاد داخل مثلث حلايب المتنازع عليه على بعد 8.7 كم شمال دائرة العرض 22، وحنجلية داخل الصحراء الشرقية على بعد نحو 315 كم شمالها. المربعان الرماديان: النقطتان اللتان نسبهما تحقيق «عاين» إلى مصر. المصدر: حدود Natural Earth (ملك عام، تمثيل تقريبي لا قانوني)، إعداد «زاوية ثالثة».
الموقعان المنشوران: إيقاد داخل مثلث حلايب المتنازع عليه على بعد 8.7 كم شمال دائرة العرض 22، وحنجلية داخل الصحراء الشرقية على بعد نحو 315 كم شمالها. المربعان الرماديان: النقطتان اللتان نسبهما تحقيق «عاين» إلى مصر. المصدر: حدود Natural Earth (ملك عام، تمثيل تقريبي لا قانوني)، إعداد «زاوية ثالثة».

تساعد الرسوم التالية على قراءة الخلاف حول المكان والمسافات، مع التمييز بين الإحداثيات المنشورة وحدود الخرائط التقريبية.

ويقع الإحداثي على بعد 8.7 كيلومترات شمال دائرة العرض 22، داخل مثلث حلايب الذي تديره مصر فعليًا ويطالب به السودان، وعلى بعد نحو 77 كيلومترًا جنوب خط 1902 الإداري عند خط طوله، بحسب مرجع اللجنة البريطانية الدائمة للأسماء الجغرافية وحدود Natural Earth. وتستند الروايتان المتعارضتان إلى هذا الالتباس: قالت منظمة محامو الطوارئ إن الغارة وقعت «داخل الأراضي السودانية»، وقال البيان العسكري المصري إن الحملة تجري «داخل حدود الدولة المصرية». والأدق أن الموقع يقع في أرض متنازع عليها تديرها مصر.

أما سوق الأنصاري، حيث نُقل الجرحى، فيقع على بعد 45 كيلومترًا جنوب الإحداثي وجنوب دائرة العرض 22، أي داخل السودان بأي من خطي الحدود. وتقع نقطتا التفتيش اللتان نسبهما تحقيق «عاين» إلى الجيش المصري على ساحل البحر الأحمر، على بعد 186 و204 كيلومترات من موقع الغارة، ونحو 320 و400 متر جنوب دائرة العرض 22، وهو هامش أدق من دقة مصادر الحدود المتاحة. وقال التحقيق إنهما قائمتان «منذ بداية الحرب»، وتُظهر صور أرشيفية عالية الدقة أنهما قائمتان منذ 2021 على الأقل، أي قبل اندلاع الحرب السودانية، ولم نتحقق من هويتهما.

الحصيلة: اثنا عشر رقمًا بلا قائمة أسماء

صدر عن الغارة اثنا عشر رقمًا على الأقل، من منابع مختلفة، دون أن تنشر أي جهة قائمة بأسماء الضحايا. ومن أوائل الأرقام ما أعلنته شبكة أطباء السودان، 13 قتيلًا و28 مصابًا، ونقلته أسوشيتد برس يوم 11 أكتوبر. وفي اليوم نفسه نشرت منظمة محامو الطوارئ على منصة إكس رقم 72 قتيلًا «وفق معلومات أولية»، فصار الرقم الأوسع تداولًا بعدما نقلته فرانس برس ورويترز والجزيرة. ثم نسبت الغارديان في 18 أكتوبر إلى المنظمة نفسها رقم 114، ولم نعثر على هذا الرقم في أي مصدر آخر.

الرقم الفئة المنبع الناقل الذي قرأناه التاريخ
13 و28 قتلى ومصابون شبكة أطباء السودان أسوشيتد برس 11 أكتوبر
72 قتلى محامو الطوارئ (منشور على إكس) فرانس برس، رويترز، الجزيرة 11 أكتوبر
أكثر من 200 ومئات المصابين قتلى ومصابون ثلاثة ناجين لم تُذكر أسماؤهم سودان تربيون 11 أكتوبر
نحو 200 و120 مصابًا قتلى ومصابون منظمة مناصرة ضحايا دارفور بي بي سي عربي 12 أكتوبر
أكثر من 60 ونحو 150 مصابًا قتلى ومصابون شهود ومصادر محلية بي بي سي عربي 12 أكتوبر
85 قتلى الأكاديمي أسامة أحمد عيدروس (Eidrous)، دون مصدر الجزيرة 12 أكتوبر
65 على الأقل وأكثر من 120 مصابًا قتلى ومصابون شاهدان نيويورك تايمز (عبر نسخة معاد نشرها) 12 أكتوبر
30 قتلى في الموجة الأولى المنقّب حامد العلي عاين 13 أكتوبر
158 وأكثر من 60 مصابًا قتلى ومصابون تنسيقية لجان مقاومة الفاشر بحسب «صدى السودان» وحده صدى السودان 14 أكتوبر
150 إلى 250 تقدير مسؤول صحي لم يُذكر اسمه عاين 15 أكتوبر
100 إلى 200 مصاب، منهم 18 في مستشفى عطبرة مصابون مصدر طبي لم يُذكر اسمه أتر 15 أكتوبر
114 قتلى محامو الطوارئ بحسب الغارديان وحدها الغارديان 18 أكتوبر

ولا يجوز جمع هذه الأرقام ولا قراءتها كحصيلة تتصاعد؛ فبعضها صادر عن الجهة نفسها في تاريخين، وبعضها يعتمد على الناجين أنفسهم عبر أكثر من وسيلة إعلام. وأقصى ما يمكن قوله إن شبكة أطباء السودان أعلنت 13 قتيلًا في اليوم التالي، وإن الغارديان نسبت إلى منظمة محامو الطوارئ لاحقًا رقم 114 على الأقل، وإن تقديرات الشهود تراوحت بين عشرات وأكثر من مئتين.

تُعرض أرقام القتلى والمصابين وسلسلة نقلها في الرسوم التالية بحسب مصادرها؛ ولا يجوز جمعها في حصيلة واحدة.

ولم يظهر في التغطيات إلا عدد قليل من الأسماء: الطيب الهادي أحمد حامد، 16 عامًا، الذي ذكرت «عاين» أنه فارق الحياة لاحقًا، وعثمان عمر عبد الرازق وعمر أبكر عبد الرازق من بلدة ود الحليو بولاية كسلا، بحسب شروح صور فرانس برس (بالتهجئة الإنجليزية في المصدر). ولم نتحقق من أي من هذه الأسماء بصورة مستقلة.

لا قائمة أسماء: الأرقام المعلنة تتراوح بين 13 قتيلًا أعلنتها شبكة أطباء السودان وأكثر من مئتين بحسب شهود.

وأظهر مقطع مصوّر، أقدم نسخة وجدناها منه نشرها حساب AfriMEOSINT على منصة إكس مساء 11 أكتوبر، صفوفًا من الأجساد الملفوفة بالبطاطين والمربوطة بالحبال على منحدر، وبقعة محترقة على الأرض بجوارها، وعشرات العمال حولها. نزّلت «زاوية ثالثة» المقطع وحفظت بصمته الرقمية، ولا تسمح دقته المنخفضة بعدّ الأجساد بثقة، ولم يُحدَّد مكان تصويره بعد.

تنبيه: تتضمن الصورة والمنشور التاليان مشاهد لجثث ملفوفة.

لقطات من مقطع مدته 23 ثانية نشره حساب AfriMEOSINT على منصة إكس في 11 أكتوبر الساعة 17:55 بتوقيت غرينتش، وأعاد حساب Lastkombo نشره في اليوم التالي (اللقطات من نسخة Lastkombo): صفوف أجساد ملفوفة وبقعة محترقة على الأرض. الأصل الأول ومكان التصوير غير محددين.
لقطات من مقطع مدته 23 ثانية نشره حساب AfriMEOSINT على منصة إكس في 11 أكتوبر الساعة 17:55 بتوقيت غرينتش، وأعاد حساب Lastkombo نشره في اليوم التالي (اللقطات من نسخة Lastkombo): صفوف أجساد ملفوفة وبقعة محترقة على الأرض. الأصل الأول ومكان التصوير غير محددين.

الطائرة والذخيرة

أقدم نسبة وجدناها للغارة إلى مقاتلات «إف-16» وردت في منشور للمحلل فيصل الشيخ على منصة إكس في 11 أكتوبر، أرفق به لقطة مقتطعة وضبابية لطائرة بعيدة من مقطع متداول، ثم كرّرها تحقيق «عاين» المنشور في 15 أكتوبر دون أن يذكر الإطار أو الأساس. ولم نعثر على تحليل منشور يدعم تحديد الطراز. ونقلت نيويورك تايمز، بحسب نسخة معاد نشرها من تقريرها، أنها تحققت من أن المقاطع لم تظهر على الإنترنت قبل السبت، وأنها تُظهر مقاتلات تحلّق فوق المنطقة وذخائر تصيب الأرض، دون تحديد الطراز.

أما الذخيرة، فالخبير الوحيد المسمّى هو تريفور بول، الفني السابق في التخلص من الذخائر المتفجرة بالجيش الأمريكي، الذي رأى في أحد المقاطع، بحسب الصحيفة نفسها، ما بدا قنبلة مصرية غير منفجرة من طراز «نصر 400». وظهرت قنبلة غير منفجرة في مقطع نشرته منظمة مناصرة ضحايا دارفور (DVSorg) في 12 أكتوبر، ووصفت ما فيه بأنه «صواريخ» وقدّرت وزنه بنحو 450 كيلوغرامًا، وبقايا ذيل وزعانف قنبلة في مقطع آخر عنوانه «شمال الوادي ينزف». وكتب فيصل الشيخ صباح 12 أكتوبر أنه لم يحدد الذخيرة بعد، ثم وصفها مساء اليوم نفسه بأنها «الذخيرة المستخدمة»، مرفقًا صورة مرجعية لقنبلة «نصر 400» من قاعدة بيانات CAT-UXO.

ونشرت «عاين» الصورة المرجعية نفسها، لقنبلة سليمة على خلفية بيضاء، مع شرح «الذخيرة نصر ٤٠٠ كيلوغرام»، دون الإشارة إلى أنها صورة مرجعية. ونشرت على غلاف نسختها العربية صورة لمقاتلات «إف-16» تحمل أعلامًا عراقية وأرقامًا تسلسلية لسلاح الجو العراقي، تحت عبارة «مقاتلات F-16 مصرية»، دون الإشارة إلى أنها توضيحية. ولا يعني ذلك مشاركة طائرات عراقية، لكنه يُسقط الصورتين من عداد الأدلة على الواقعة.

وفي كل الأحوال، فإن بلد صنع القنبلة، إن ثبت، لا يحدد المنصة التي حملتها ولا الجهة التي ألقتها. ولم تنشر أي جهة دليلًا على استخدام الذخيرة نفسها في حنجلية، رغم أن «عاين» قالت إنها استُخدمت «في الضربتين». ويبقى تحديد الطائرة والذخيرة منسوبًا إلى أصحابه حتى يفحص خبير مستقل صورًا أصلية للبقايا.

لا تحديد مستقلًا للطائرة، وتحديد الذخيرة يقوم على تقدير خبير واحد لمقطع واحد.

ما قالته القاهرة وما لم تقله

لم تعلن السلطات المصرية مسؤوليتها عن الغارة، ولم تنفها. وبعد يومين منها، نشر المتحدث العسكري العميد أركان حرب أحمد عتمان علي بيانًا أعلن فيه تنفيذ «المرحلة الثالثة من الحملة المكبرة» لمجابهة أعمال التنقيب غير المشروع عن خام الذهب بالصحراء الشرقية، بمشاركة القوات المسلحة والشرطة المدنية، بعد «إلقاء المنشورات التحذيرية على العناصر الإجرامية»، لفرض السيادة «داخل حدود الدولة المصرية»، بحسب ما نقلته بوابة الأهرام. ولم يذكر البيان طائرات أو ضربات أو قتلى أو أماكن محددة، وتضمّن تأكيدًا على العلاقات مع السودان، ودعوة إلى عدم الانسياق خلف «الشائعات المغرضة». وشدد البيان، بحسب نيويورك تايمز، على أن القوات عملت داخل الحدود المصرية لا في الأراضي السودانية.

غير أن مسؤولين مصريين تحدثوا خارج البيانات. ففي 12 أكتوبر نقلت رويترز عن مسؤولَين أمنيين مصريين أن الضربة استهدفت إنهاء حالة «فوضى» على الحدود ومحاولات مجموعات مصرية وسودانية السيطرة على مناطق التعدين. وقبل ذلك بنحو شهر، في 16 سبتمبر، قال قائد قوات حرس الحدود اللواء أسامة عبد الحميد داود لقناة الحدث، بحسب مصراوي، إن ملف التعدين غير القانوني عولج بحزم بالتعاون مع سلاح الجو والأجهزة الاستخباراتية. وفي يونيو، قال مسؤولان مصريان رفيعان لمدى مصر إن مصر نفذت ضربات جوية ضد مجموعات سودانية عبرت إلى الأراضي المصرية.

وفي 14 أكتوبر التقى حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي السفير المصري ياسر علي سرور في مقر السفارة ببورتسودان. وأفادت سودان تربيون، دون أن تحدد مصدر الرواية، بأن الجانب المصري أبدى أسفه لسقوط الضحايا وقدّم التعازي لأسرهم، وأكد التزامه بكشف الحقائق عبر التحقيق الجاري بالتعاون مع السلطات السودانية. ولم يصدر عن السفارة أو الخارجية المصرية ما يؤكد ذلك أو ينفيه. وفي اليوم الذي صدر فيه البيان العسكري، تحدث وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوداني محيي الدين سالم هاتفيًا، وأكدا احترام سيادة كل من البلدين وحدوده، بحسب إيجيبت توداي، دون إشارة معلنة إلى الغارة.

لم تعلن مصر مسؤوليتها عن الغارة ولم تنفها، ونقلت رويترز عن مسؤولَين أمنيين مصريين هدفها.

ولا يحسم البيان العسكري مسألة المنشورات التحذيرية. فقد قال منقّب لعاين إن الطائرات ألقت منشورات قرب منجم «صلاح»، ولم يُرَ إلقاء منشورات في شمال الوادي نفسه، وقال ناجون لسودان تربيون إن دورية مصرية حذّرت العمال قبل ذلك. ولم يحدد الجيش مكان التوزيع ولا تاريخه.

الخرطوم بين لجنتين

في 12 أكتوبر قرر رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول عبد الفتاح البرهان تشكيل لجنة لتقصي الحقائق تضم ممثلين للنيابة العامة والأجهزة العدلية والأمنية، دون أن يحمّل أحدًا المسؤولية، بحسب سودان تربيون، ووصف المجلس ما جرى بـ«الحادث الأليم» بحسب بي بي سي عربي. وكان البرهان قد وعد بتحقيق مماثل بعد غارات يونيو على المنطقة نفسها، التي قُتل فيها 23 منقّبًا بحسب مصدر طبي سوداني تحدث إلى مدى مصر، ولم تُنشر نتائجه حتى وقوع الغارة الثانية. ووصف مستشاره للشؤون الخارجية أمجد فريد غارة أكتوبر، بحسب فرانس برس، بأنها جريمة غير مبررة وغير مقبولة، وطالب مناوي في 14 أكتوبر حكومتي البلدين بتبادل نتائج التحقيق.

وفي 21 أكتوبر طالبت ثماني منظمات حقوقية مصرية، هي المنتدى المصري لحقوق الإنسان ومركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان والجبهة المصرية لحقوق الإنسان ومؤسسة دعم القانون والديمقراطية وإيجيبت وايد لحقوق الإنسان ومركز النديم ومؤسسة حرية الفكر والتعبير ومؤسسة سيناء لحقوق الإنسان، في بيان مشترك بتحقيق مستقل، ورأت أن وجود عناصر مسلحة مزعومة في مناطق التنقيب لا يجعل المنقّبين أهدافًا مشروعة. ويستند البيان إلى التحليلات المنشورة، ولا يقدّم تحقيقًا تقنيًا جديدًا.

ما تسمح الأدلة بقوله عن المسؤولية

تتدرج الأدلة في قوتها. تدعم شهادات متعددة نقلتها وسائل إعلام مختلفة وقوع قتلى وجرحى بين المنقّبين في موقع للتنقيب قرب الحدود يوم 10 أكتوبر، وتتسق مع ذلك الصور الفضائية التي سجّلت تغيّرًا في الموقعين في النافذة نفسها، ومقطع للضحايا لم يُحدَّد مكان تصويره بعد. وتتفق الشهادات على أن الهجوم جاء من الجو، ولم تقدّم أي جهة رواية بديلة.

أما نسبة الطائرة إلى مصر فتقوم على اتهام صريح من منظمة محامو الطوارئ، وشهادتي ناجيين، لفرانس برس وشبكة أتر، قالا إنهما رأيا علمًا مصريًا على الطائرة، وتصريح مسؤولَين أمنيين مصريين لرويترز يفترض وقوع الضربة ويقدّم سببها، وتصريح قائد حرس الحدود عن دور سلاح الجو في الحملة، وأسف نسبته سودان تربيون إلى الجانب المصري دون تسمية مصدره. وفي المقابل، قال عبد العزيز يوسف لأسوشيتد برس إن «طائرة مجهولة» ضربت المنجم. وهي قرائن متطابقة الاتجاه، لكنها لا تتضمن تحديدًا مستقلًا للطائرة ولا إقرارًا رسميًا معلنًا.

وإذا ثبتت المسؤولية، فإن المعيار الذي استند إليه البيان الحقوقي يقارب المبدأ التاسع من المبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية، الذي لا يجيز القوة المميتة عمدًا إلا حين يتعذر تجنبها لحماية الأرواح. ويتوقف التكييف القانوني على وقائع لم تُعلن بعد: من كان في الموقع، وهل وُجد تهديد مسلح، وهل وصل التحذير، وأين يقع الموقع من حدود يتنازع عليها البلدان.

القرائن على المسؤولية المصرية متطابقة الاتجاه، ولا تتضمن إقرارًا رسميًا معلنًا ولا تحديدًا مستقلًا للطائرة.

ما نعرفه وما يبقى مفتوحًا

تُظهر نتائج القياس تغيّرًا غير معتاد عند الإحداثيين المنشورين خلال نافذة 8 إلى 10 أكتوبر، وتضع مطابقة الوثائق موضع حنجلية داخل حدود الامتياز. وتدعم الشهادات المنشورة رواية هجوم جوي على منقّبين في منطقة إيقاد أو العقيدات، بينما لا تتوافر شهادة ميدانية منشورة مماثلة عن حنجلية.

وترجّح القرائن المعروضة صلة مصر بالهجوم المروي في الشهادات، لكنها لا تحسم هوية الطائرة بصورة مستقلة. ولا يحدد التحليل الفضائي وحده سبب الإعتام، ولا يثبت أن الموقعين تعرّضا للعملية نفسها، ولا يحسم عدد الضحايا أو هوية كل منهم.

عن المنهج

حلّلت «زاوية ثالثة» 31 مشهدًا فضائيًا خامًا من أرشيف Sentinel-2 المفتوح، وحسبت المسافات على مجسم الأرض، واختبرت مواقع النقاط على حدود Natural Earth وعلى إحداثيات ملحق القانون 167 لسنة 2021، وراجعت سجلات تعديل الخرائط المفتوحة، ونزّلت ثلاثة مقاطع مصورة وحفظت بصماتها الرقمية، وحاولت تتبع كل رقم وشهادة إلى أقدم مصدر متاح، وتعذّر الوصول إلى بعض المنابع الأصلية. ولم تُجرِ مقابلات مباشرة مع ناجين أو مسؤولين. ولم تطلب «زاوية ثالثة» تعليقًا من القوات المسلحة المصرية أو وزارة الخارجية أو شركة شلاتين للثروة المعدنية لاعتبارات تتعلق بسلامة العاملين معها، واعتمدت في عرض مواقفها على البيانات والتصريحات والوثائق المنشورة. والسكربتات والبيانات والبصمات محفوظة لدى «زاوية ثالثة» ومتاحة للمراجعة.

تفاصيل القياس وحدود إعادة التحقق

تضم السلسلة 12 مشهدًا لإيقاد بين 3 سبتمبر و18 أكتوبر، و19 مشهدًا لحنجلية بين 1 سبتمبر و18 أكتوبر. ويعتمد خط الأساس السابق ليوم 10 أكتوبر على تسعة مشاهد لإيقاد و14 مشهدًا لحنجلية. وقيس متوسط الانعكاس في دائرة نصف قطرها 35 مترًا حول موضع التغيّر، نسبةً إلى متوسطه في حلقة محيطة بين 100 و300 متر.

في نطاق الضوء الأحمر B04، بلغ متوسط النسبة قبل الحدث نحو 1.033 في إيقاد و0.9566 في حنجلية، مقابل 0.9069 و0.8552 في مشهد 10 أكتوبر. وحُسب الهبوط النسبي بقسمة قيمة يوم الحدث على متوسط الفترة السابقة، ثم طرح واحد وضرب الناتج في مئة، فبلغ نحو 12.2% و10.6% على الترتيب. وهذه نسب لتغيّر القياس الطيفي، وليست نسبًا للدمار أو أعداد الضحايا.

يقارن سكربت كشف التغيّر نطاقات B02 وB03 وB04 وB08 وB11 وB12 بعد مواءمة وسيط قيم كل نطاق بين الصورتين، ويستخدم تشتت الفروق في زوج صور ضابط لتحديد عتبة التغيّر. وفي ملفي النتائج الخاصين بنافذة 8 إلى 10 أكتوبر، تتكون البقعتان القريبتان من الإحداثيين من 44 و28 خلية على شبكة قياس طول ضلع خليتها عشرة أمتار، بما يعادل نحو 4400 و2800 متر مربع. وتعتمد هذه المساحات على العتبة والشبكة المختارتين، ولا تمثل حدودًا ميدانية مؤكدة لأثر انفجار.

أُعيدت معاينة النطاقات الأقل دقة إلى شبكة العشرة أمتار داخل السكربت؛ ولا تضيف هذه الخطوة تفاصيل مكانية لم تكن موجودة في بياناتها الأصلية. كما يفحص السكربت تصنيف السحب وظلالها، لكن ذلك لا يعادل استبعاد جميع الظلال المحلية أو اختبار كل تفسير بديل للتغيّر.

مشاهد المقارنة الأساسية في سجل العمل:

  • إيقاد، 8 أكتوبر: S2C_36QXK_20261008_0_L2A، الساعة 08:24:02 UTC.
  • إيقاد، 10 أكتوبر: S2A_36QXK_20261010_0_L2A، الساعة 08:24:13 UTC.
  • حنجلية، 8 أكتوبر: S2C_36RXN_20261008_0_L2A، الساعة 08:23:19 UTC.
  • حنجلية، 10 أكتوبر: S2A_36RXN_20261010_0_L2A، الساعة 08:23:29 UTC.

تحتوي حزمة التحقق المحفوظة على السكربتات وسجل المشاهد والسلاسل الرقمية ونتائج كشف التغيّر والبصمات الرقمية. وأمكن إعادة حساب نسب الهبوط من السلاسل المحفوظة ومطابقتها مع النص. ولا تتضمن الحزمة نفسها نوافذ الصور الخام المستخدمة في الحساب؛ لذلك تظل إعادة تشغيل التحليل من بيانات الأرشيف خطوة منفصلة عن مراجعة اتساق الملفات المحفوظة، ولا تُعد الأخيرة تحققًا مستقلًا من سبب الأثر.

أضف زاوية ثالثة إلى مصادرك المفضلة على جوجل

Search