جيل الوسط يدخل المشهد.. هل تنجح إعادة هيكلة الحركة المدنية في استعادة دور المعارضة؟

وجدت الحركة المدنية الديمقراطية نفسها في مواجهة أعمق أزماتها حين دافعت عن قصر رئيس حزب المحافظين أكمل قرطام على ضفاف النيل في بيان اضطرت لسحبه والاعتذار عنه، ليتحول الحرج اللحظي إلى كاشف لخلافات متراكمة حول هوية التحالف ومن يحق له العضوية وكيف تُتخذ قراراته
Picture of شيماء حمدي

شيماء حمدي

في فبراير الماضي، نشر رئيس حزب المحافظين أكمل قرطام مقطعًا مصورًا تحدث فيه عما وصفه بـ”التعدي على أملاكه” في منطقة أبو النمرس بالجيزة، مستندًا إلى مستندات قال إنها تثبت ملكيته للأرض والقصر المقام عليها على ضفاف نهر النيل. نفت وزارة الري ذلك، مؤكدةً أن القصر مبني على أراضٍ مملوكة للوزارة، وأن إجراءات الإزالة تأتي في إطار التعامل مع التعديات على حرم النهر.

في مايو، أصدرت الحركة المدنية الديمقراطية بيانًا تحت عنوان “الخروج على الدستور وتجاهل أحكام القانون”، ساوت فيه بين هدم مبنى قرطام وقضايا أهالي جزر الوراق والقرصاية والمقابر التاريخية. البيان قوبل بانتقادات واسعة من أحزاب وشخصيات بارزة، رأت أن الحركة تحولت من الدفاع عن القضايا العامة إلى الانتصار لمظلمة شخصية لأحد قياداتها. اعتذرت الحركة وسحبت البيان في غضون يومين، معلنةً أنها “لم تتحول يومًا إلى منصة لعرض المظالم الشخصية لقياداتها”.

أفضت الأزمة إلى انسحاب حزب العدل نهائيًا من الحركة، وتنصّل أحزاب أخرى من البيان. وفي اجتماعها الموسع الذي أعقب الأزمة، أقرّت الحركة إعادة هيكلة شاملة وشرعت في مناقشة ملامح المرحلة المقبلة والتصور المقترح للهيكل التنظيمي الجديد، في محاولة لإعادة ترتيب أوضاعها الداخلية بعد واحدة من أعمق أزماتها منذ تأسيسها عام 2017.

وتأتي إعادة الهيكلة بوصفها خيارًا لصون تماسك هذا التكتل الذي يضم حاليًا تسعة أحزاب معارضة إلى جانب عدد من الشخصيات العامة، عبر معالجة ما تعرض له من انقسامات وترهل تنظيمي، بما يمهد لاستعادة فاعليته قبل مرحلة سياسية يُتوقع أن تشهد تطورات مهمة، في مقدمتها تجدد الحديث عن إدخال تعديلات دستورية.

وكشف مصدر داخل الحركة لـ”زاوية ثالثة”، أن الحركة لم تحسم حتى الآن موقفها من الأحزاب التي جمّدت مشاركتها، وفي مقدمتها حزبا المصري الديمقراطي الاجتماعي والإصلاح والتنمية. كما أن موقف حزب المحافظين لا يزال معلقًا؛ إذ غادر رئيسه أكمل قرطام مجموعة الرسائل الخاصة بمجلس أمناء الحركة، ولم يشارك الحزب في الاجتماع الموسع، غير أنه لم يُخطر الحركة رسميًا بقرار الانسحاب.

وتلقّت الحركة ثلاثة مقترحات لإعادة الهيكلة: مقترح الكاتب السياسي خالد تليمة، ومقترح القيادي علاء الخيام، ومقترح أمانة الشباب الذي يشمل توسيع قاعدة العضوية وإدماج شخصيات عامة وقيادات من جيل الوسط، مع إعادة تعريف مفهوم الشخصية العامة وربط العضوية بالمشاركة الفعلية وإسقاطها عن المتقاعسين، وإنشاء مكتب تنفيذي بصلاحيات حقيقية، ووضع ضوابط للخطاب السياسي باعتبار الحركة تحالفًا مدنيًا لا أيديولوجيًا. وأشار المصدر إلى أن هذه التصورات لا تزال قيد المناقشة ولم يُحسم أي منها بعد.

وفي اجتماعه المنعقد في 14 يونيو بمقر حزب العيش والحرية، أقرّ مجلس الأمناء تكليف أكرم إسماعيل برئاسة لجنة مصغرة تتولى إعداد تصور متكامل لتجديد الحركة، استنادًا إلى المقترحات المقدمة، على أن تُنهي أعمالها خلال 21 يومًا تمهيدًا لعرضه على الأحزاب الأعضاء قبل اعتماده النهائي.

كانت الحركة المدنية الديمقراطية قد شهدت، في يونيو الماضي، واحدة من أعمق الأزمات التي واجهتها منذ تأسيسها، بعدما أثار بيان أصدرته تضامنًا مع رئيس حزب المحافظين، المهندس أكمل قرطام، موجة واسعة من الجدل والانتقادات داخل الأوساط السياسية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، قبل أن تتراجع عنه، وتعتذر، وتحذفه من صفحتها الرسمية.

وجاء البيان على خلفية أزمة هدم قصر يملكه قرطام على ضفاف النيل، قال إنه تعرض لإزالة تمثل اعتداءً على حقوقه، في حين أكدت وزارة الموارد المائية والري أن المبنى مقام بالمخالفة للقانون ومتعدٍ على حرم نهر النيل.

وأثارت الواقعة خلافات حادة داخل الحركة، دفعت عددًا من الأحزاب والشخصيات المنضوية تحت مظلتها إلى إعلان اعتراضها على البيان أو التنصل منه، كما أعلن حزب المحافظين، الذي يرأسه قرطام، انسحابه من الحركة، في تطور كشف عن خلافات أعمق تتعلق بآليات اتخاذ القرار، وطبيعة أولويات الحركة، وحدود التوافق بين مكوناتها.

 

نوصي للقراءة: الحركة المدنية في أزمتها الأعمق: بيان واحد كشف ما تراكم منذ 2017


وجوه جديدة داخل الحركة المدنية 

في إطار بدء الحركة العمل على إعادة الهيكلة، يقول أكرم إسماعيل، ممثل حزب العيش والحرية (تحت التأسيس) وعضو مجلس أمناء الحركة المدنية الديمقراطية، إن الهدف الرئيسي من إعادة الهيكلة هو “إحياء الحركة ككيان سياسي أكثر نشاطًا وحيوية من الفترة السابقة”، من خلال تطوير بنيتها التنظيمية وتعزيز قدرتها على الفعل السياسي.

ويوضح في حديثه لـ”زاوية ثالثة” أن المقترحات المطروحة تتضمن إعادة النظر في الهيكل التنظيمي للحركة، عبر إنشاء مكتب تنفيذي أصغر وأكثر فاعلية إلى جانب الأمانة العامة، فضلًا عن تبادل استضافة اجتماعات الحركة بين مقرات الأحزاب الأعضاء بدلًا من الاعتماد على مقر واحد، بما يعزز المشاركة بين مكوناتها.

ويضيف إسماعيل، أن التصورات المطروحة تستهدف أيضًا استقطاب وجوه جديدة، لا سيما من الأجيال الشابة وجيل الوسط، بما يسهم في تجديد دماء الحركة وتوسيع قاعدة المشاركين في أنشطتها.

وحول تمثيل المرأة داخل الهيكل الجديد، أشار إسماعيل إلى أن زيادة مشاركة النساء، إلى جانب تمثيل الأجيال الأصغر، تُعد من بين الأفكار المطروحة للنقاش، إلا أن الحركة لا تزال تبحث عن صيغة تحقق التوازن بين التمثيل النوعي والجيلي من جهة، وطبيعة الحركة بوصفها تحالفًا يضم أحزابًا سياسية من جهة أخرى، بما يضمن الحفاظ على الآليات الديمقراطية في اختيار ممثليها.

وفيما يتعلق بموقف حزب العيش والحرية من عملية إعادة الهيكلة، يوضح إسماعيل أن الحزب لم يتقدم بورقة مستقلة تتضمن تصورًا متكاملًا للإصلاح، لكنه يشارك بصورة جماعية في مناقشات تطوير الحركة، ويدعم كل ما من شأنه أن يجعلها أكثر حيوية وقدرة على العمل.

ويوضح إسماعيل أن النقاشات داخل الأحزاب المنضوية في الحركة تعكس وجود اتجاهين؛ الأول يؤيد تطوير الحركة وإعادة هيكلتها لاستعادة دورها السياسي، فيما يرى الاتجاه الآخر أن الحركة أدت الدور الذي أُنشئت من أجله ولم تعد هناك حاجة إلى استمرارها بالشكل الحالي. وأضاف أن هذا التباين في الآراء موجود داخل أكثر من حزب، من بينها الكرامة، والتحالف الشعبي الاشتراكي، والدستور، والمحافظين، والعيش والحرية، معتبرًا أن نجاح عملية إعادة الهيكلة سيكون العامل الحاسم في ترجيح كفة الداعمين لاستمرار الحركة.

وبشأن موقف حزب المحافظين، يؤكد القيادي بالحركة المدنية أن الحزب أبلغ الحركة بأنه لم يجمّد عضويته، وأنه لا يزال، من الناحية الرسمية، ضمن مكوناتها، رغم غياب ممثليه عن الاجتماع الأخير.

كان السياسي أحمد الطنطاوي، البرلماني السابق والمرشح السابق لرئاسة الجمهورية، قد وجّه انتقادات إلى آليات عمل الحركة المدنية الديمقراطية، معتبرًا أن تجاوز أزمتها الحالية يتطلب حسم سؤالين أساسيين: من هم أعضاء الحركة؟ وكيف تُتخذ قراراتها؟

وقال الطنطاوي، في حوار سابق مع “زاوية ثالثة”، إن استمرار إدارة الحركة بمنطق الإجماع أو ما يُعرف بـ”التوافق” يجعل الوصول إلى قرارات حاسمة أمرًا بالغ الصعوبة، مشيرًا إلى أن تجارب سياسية عديدة أظهرت أن الاعتماد على الإجماع قد يؤدي إلى تعطيل المؤسسات بدلًا من تعزيز فاعليتها.

وأضاف أن الوقوع في الأخطاء أمر طبيعي بالنسبة لأي كيان سياسي يمارس عملًا عامًا، سواء تعلق الأمر ببيان أو موقف سياسي، إلا أن المشكلة الحقيقية، بحسب تعبيره، تكمن في تحول الجمود إلى حالة دائمة، بدلًا من أن تكون الأخطاء نتاجًا لحركة سياسية نشطة وقابلة للمراجعة والتصحيح.

ورأى الطنطاوي أن الحركة المدنية تمثل اليوم أبرز مظلة تضم قطاعًا من المعارضة المصرية، لكنها تضم أيضًا أطرافًا لا تُعرّف نفسها باعتبارها معارضة بالمعنى الكامل، وهو ما يخلق حالة من الالتباس بشأن هويتها السياسية. وشدد على أن الحركة لا تحتكر تمثيل المعارضة، مستشهدًا بكونه، وكذلك “تيار الأمل”، خارج إطارها التنظيمي.

وأكد أنه لا يتمنى فشل الحركة المدنية وأن المعارضة، من وجهة نظره، يجب أن تقدم بدائل وسياسات مختلفة، لا أن تراهن على إخفاق الدولة، لأن المواطن هو من يتحمل كلفة أي فشل، بينما تعود فوائد أي إصلاح حقيقي على المجتمع بأكمله.

وتساءل الطنطاوي في حديثه عما إذا كانت الحركة المدنية مستعدة لإجراء مراجعة شاملة لتجربتها، واستخلاص الدروس منها، والاستفادة من خبرات وتجارب دول أخرى في الإصلاح السياسي وبناء المؤسسات، محذرًا من أن استمرار الأوضاع على حالها سيُبقي الحركة في دائرة الجمود، وهو ما لا يخدم تاريخ الشخصيات المنضوية فيها ولا مستقبل العمل السياسي المعارض في مصر.

 

نوصي للقراءة : أحمد الطنطاوي: السلطة في مصر لا تخاف المعارضة.. تخاف البديل


استمرار الحركة مرهون باستعادة دورها 

في السياق ذاته، يرى الكاتب الصحفي والسياسي خالد تليمة،  أن إعادة هيكلة الحركة المدنية الديمقراطية أصبحت ضرورة لا يمكن تأجيلها، معتبرًا أن الأزمة التي تمر بها تتجاوز الخلافات التنظيمية، وتمتد إلى طبيعة المجال العام في مصر، الذي يرى أنه تعرض، على مدار سنوات، إلى ما وصفه بـ”التأميم والمحاصرة”، الأمر الذي انعكس على الحياة الحزبية والانتخابية، وأفقدها قدرتها على إنتاج قيادات سياسية جديدة.

ويرى أن  هذا الواقع خلق شعورًا بوجود فراغ في المجال العام وندرة في الوجوه السياسية القادرة على التعبير عن المجتمع وخوض المنافسة السياسية، محذرًا من أن استمرار هذا الوضع قد تكون له تداعيات خطيرة إذا واجهت البلاد أي تحولات مفاجئة، في ظل غياب كوادر سياسية جاهزة وقادرة على تحمل المسؤولية.

فيما يؤكد تليمة على تمسكه باستمرار الحركة المدنية، رافضًا الدعوات المطالبة بحلها، لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن استمرارها يجب أن يرتبط بإعادة هيكلتها بصورة واضحة وحاسمة. ويرى أن أولى خطوات الإصلاح تتمثل في حسم هوية الحركة باعتبارها إطارًا للمعارضة، من خلال استبعاد الأحزاب التي شاركت ضمن القوائم المدعومة من السلطة في انتخابات مجلسي النواب والشيوخ الأخيرة، معتبرًا أن الجمع بين أحزاب معارضة وأخرى شاركت في تلك القوائم يخلق تناقضًا يضعف مصداقية الحركة ويشوّش رسالتها السياسية.

وفي هذا السياق، وجّه تليمة انتقادًا لحزب المحافظين، معتبرًا أنه من أكثر الأحزاب التي استفادت من وجوده داخل الحركة المدنية، وأن تأثيره ووجوده كان سيظل محدودًا لولا موقعه داخل المدنية، مطالبًا بحسم موقف الحزب وإعلان عدم استمراره ضمن مكونات الحركة إذا كانت إعادة الهيكلة تستهدف بالفعل إعادة تعريف هويتها السياسية.

كما يدعو تليمة إلى مراجعة أسلوب إدارة الحركة، مؤكدًا أن المطلوب ليس إقصاء القيادات الحالية، وإنما ضخ دماء جديدة وتشكيل قيادة أكثر تجانسًا وقدرة على العمل الجماعي وتقديم أفكار مختلفة، بما يسمح باستعادة فاعلية الحركة ودورها في الحياة السياسية.

وينتقد تليمة كذلك ما وصفه بغياب الممارسات الديمقراطية داخل بعض الأحزاب المنضوية في الحركة حتى وإن جمدت عضويتها، مشيرًا إلى أن بعض هذه الأحزاب تتبنى خطابًا ديمقراطيًا في المجال العام، بينما لا تطبق مبادئ تداول السلطة داخل هياكلها التنظيمية، بل تشهد، بحسب تعبيره، حالات لـ”توريث” المواقع القيادية وهو ما يجب أن يكون للحركة المدنية موقفًًا منه. ويعتبر أن إعادة الهيكلة تمثل “مفترق طرق” يفرض على الحركة أن تكون أكثر اتساقًا مع خطابها، بحيث يلتزم كل حزب عضو فيها بممارسات ديمقراطية حقيقية داخل إطاره التنظيمي.

ويشير تليمة، في ختام حديثه، إلى تقدم بورقة تتضمن مقترحات لإعادة هيكلة الحركة قدمها إلى عضو مجلس الأمناء، أكرم إسماعيل، تمهيدًا لطرحها للنقاش خلال الأيام المقبلة. ويرى أن تبني خطوات جادة لتنفيذ هذه المقترحات من شأنه أن يعيد الثقة في الحركة، ويشجع مجموعات وشخصيات جديدة على الانضمام إليها، أما إذا تعثرت عملية الإصلاح، فإن مستقبل الحركة سيظل مفتوحًا على جميع الاحتمالات، وهو ما لا يتمناه.

في المقابل، يوضح مصدر داخل حزب المحافظين، فضل عدم ذكر اسمه، أن الحزب لا يزال يشهد نقاشات داخلية لم تُحسم بعد بشأن استمراره ضمن الحركة المدنية الديمقراطية. 

ويشير في حديثه لـــــ”زاوية ثالثة”،  إلى وجود اتجاهين داخل الحزب؛ الأول يرى أهمية استمرار الحزب داخل الحركة والمشاركة في عملية إعادة هيكلتها، انطلاقًا من أن الإصلاح الداخلي قد يسهم في استعادة فاعليتها، فيما يدعو الاتجاه الآخر إلى الانسحاب النهائي من الحركة، والتوجه نحو بناء تحالفات سياسية جديدة خارج إطارها، وهو ما جعل الحزب لم يعلن انسحابه رسميًا ولم يحضر ممثليه اجتماعات الحركة المدنية أيضًا نظرا لعدم حسم الحزب موقفه النهائي. 

في حواره مع زاية ثالثة اعتبر المحامي زياد العليمي عضو البرلمان سابقًا، أن  المعارضة ظلت، على مدار سنوات، في موقع رد الفعل أكثر من كونها طرفًا قادرًا على المبادرة وصناعة الفعل السياسي، مشيرًا إلى أن بعض المحاولات التي تبنت رؤى أكثر استقلالًا لم تتمكن من الاستمرار.

ودعا العليمي المعارضة إلى تجاوز الاكتفاء بمعارضة السياسات بعد وقوعها، والعمل بدلًا من ذلك على صياغة رؤية للمستقبل تقدم تصورًا واضحًا للدولة التي تسعى إلى بنائها، وبرنامجًا سياسيًا يمكن أن يلتف حوله المواطنون، بحيث تصبح المنافسة قائمة بين مشروعات ورؤى مختلفة، لا بين ردود أفعال متأخرة على السياسات القائمة.

 

نوصي للقراءة: زياد العليمي: لا معارضة حقيقية بلا نظام حكم واضح المعالم.. ومصر لا تملك الاثنين

إلغاء مجلس الأمناء 

علمت “زاوية ثالثة” من مصادرها أن قيادات داخل مجلس أمناء الحركة المدنية الديمقراطية بدأت مشاورات واجتماعات مع عدد من السياسيين البارزين من جيل الوسط، المعروف إعلاميًا بـ”جيل يناير”، لبحث انضمامهم إلى الحركة، وذلك في إطار خطة إعادة الهيكلة الهادفة إلى ضخ دماء جديدة في صفوفها، وتوسيع دائرة المشاركة في قياداتها وأنشطتها.

وبحسب المصادر، تستهدف هذه المشاورات إفساح المجال أمام قيادات سياسية لم تلعب أدوارًا تنظيمية بارزة خلال السنوات الأخيرة، بما يسهم في تجديد النخبة القيادية للحركة وتعزيز حضور جيل الوسط داخل هياكلها التنظيمية.

من جانبه، يقول القيادي السياسي علاء الخيام، إنه وعددًا من المهتمين بالشأن العام تقدموا بورقة تتضمن تصورًا لتجديد وتطوير أداء الحركة المدنية الديمقراطية، انطلاقًا من قناعة بضرورة استمرارها، رغم ما شاب أدائها خلال السنوات الأخيرة من أخطاء وتحديات. و

يرفض الخيام في حديثه لـ”زاوية ثالثة” الدعوات المطالبة بحل الحركة وتأسيس كيان جديد، معتبرًا أن الظروف السياسية الراهنة لا تسمح بإنشاء أطر سياسية جديدة، وأن الخيار الأكثر واقعية يتمثل في إصلاح الحركة من الداخل وتجديدها، مشيرًا إلى أن الاجتماع الأخير لرؤساء الأحزاب انتهى إلى توافق على الاستمرار والعمل على معالجة أوجه القصور.

ويوضح الخيام أن ورقة الإصلاح تتضمن عددًا من المقترحات التنظيمية، من بينها إلغاء مجلس الأمناء والعودة إلى نظام الأمانة العامة، بما يسمح بعودة الشخصيات العامة إلى المشاركة في إدارة الحركة، إلى جانب إلغاء منصب رئيس مجلس الأمناء، الذي يرى أنه لم يعد يؤدي دورًا حقيقيًا. كما تشمل المقترحات عقد الاجتماعات بصورة دورية داخل مقرات الأحزاب المختلفة، بدلًا من الاقتصار على مقر واحد، في محاولة لتجاوز الإشكاليات التي ظهرت خلال الفترة الماضية.

يضيف الخيام أن أكرم إسماعيل القيادي بمجلس أمناء الحركة المدنية، كُلِّف بجمع المقترحات وإعادة صياغة الورقة التأسيسية للحركة، بما يحدد هويتها بصورة أوضح باعتبارها إطارًا يجمع القوى السياسية المؤمنة بالدولة المدنية الحديثة، رغم اختلاف مرجعياتها الفكرية والأيديولوجية.

يشدد الخيام على ضرورة وضع معايير واضحة لعضوية الحركة، سواء فيما يتعلق بالأحزاب أو الشخصيات العامة، بحيث تعكس هوية الحركة بوصفها تكتلًا معارضًا، كما دعا إلى مراجعة آلية التصويت داخلها، بحيث تراعي الوزن التنظيمي للأحزاب، بدلًا من المساواة بين صوت الحزب وصوت الشخصية العامة.

وفي ما يتعلق بتجديد القيادات، أكد الخيام أهمية إفساح المجال أمام جيل الوسط والقيادات الشابة لتولي أدوار أكبر داخل الحركة، مشيرًا إلى أن شخصيات ذو تاريخ سياسي داخل الحركة المدنية، من بينها القيادي السياسي حمدين صباحي، أبدت استعدادها لإفساح المجال أمام أجيال جديدة لقيادة العمل السياسي. واعتبر أن المرحلة الحالية تتطلب الاستفادة من كفاءات جيل الوسط، في ظل المتغيرات التي شهدتها الحياة السياسية خلال السنوات الأخيرة.

ويشير الخيام إلى أن الأزمة لم تكن في غياب هيكل تنظيمي للحركة، وإنما في عدم تفعيله، وهو ما تسبب، بحسب قوله، في غياب وضوح الأدوار وآليات اتخاذ القرار خلال السنوات الماضية. وأوضح أن عملية التطوير تستهدف تفعيل هذا الهيكل، عبر تنظيم الاجتماعات بصورة دورية، وإعداد جداول أعمال ومحاضر رسمية، وتحديد مسؤوليات واضحة للمتحدثين والمنسقين.

وحول أولويات الحركة خلال المرحلة المقبلة، يقول الخيام إن ملف الحريات سيظل في صدارة اهتماماتها، من خلال المطالبة بالإفراج عن سجناء الرأي وإجراء تعديلات على قانون الحبس الاحتياطي، إلى جانب تقديم رؤى بديلة لمعالجة الأزمة الاقتصادية. معتبرًا أن الأولوية السياسية الراهنة تتمثل في مواجهة أي تعديلات دستورية قد تفضي إلى تمديد فترات الحكم، بالتوازي مع الإعداد المبكر لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة بمرشح توافقي يمثل قوى المعارضة.

تأسست الحركة المدنية الديمقراطية في ديسمبر 2017، بوصفها تحالفًا سياسيًا ضم في بدايته 12 حزبًا سياسيًا، إلى جانب عدد من الشخصيات العامة، بهدف توحيد جهود قوى المعارضة المدنية، والدفاع عن مبادئ الدولة المدنية الديمقراطية، وسيادة القانون، وتقديم بديل سياسي يقوم على التعددية والتداول السلمي للسلطة. إلا أن عدد الأحزاب المنضوية تحت مظلتها تقلص لاحقًا إلى تسعة أحزاب، بعد تجميد ثلاثة أحزاب مشاركتها في الحركة، لتأتي الأزمة الأخيرة وتفتح الباب أمام أكبر مراجعة تنظيمية وسياسية تشهدها منذ تأسيسها.

وتبدو إعادة هيكلة الحركة المدنية أكثر من مجرد تعديل تنظيمي؛ إذ تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة أكبر تجمع للمعارضة المدنية في مصر على مراجعة تجربته، وحسم هويته السياسية، وتجديد أدواته وقياداته. إذ يرى سياسيون أن نجاح  هذه المراجعة قد يمنح الحركة فرصة لاستعادة حضورها في المجال العام، بينما قد يؤدي تعثرها إلى تعميق الانقسامات الداخلية والتي قد تنتهي بحل الحركة نهائيًا.

شيماء حمدي
صحفية مصرية، تغطي الملفات السياسية والحقوقية، وتهتم بقضايا المرأة. باحثة في حرية الصحافة والإعلام والحريات الرقمية.

Search