أعادت جرائم اتُّهم فيها قاصرون خلال العامين الأخيرين النقاش حول سن الطفولة وحدود المسؤولية الجنائية في مصر. وبين مطالب بتشديد العقوبات ومخاوف من تقويض الحماية القانونية، يدور الخلاف حول ما إذا كان الرد على الجرائم الجسيمة يقتضي تغيير سن الطفولة، أم تطوير منظومة عدالة الأحداث. ويخضع المتهمون الذين لم يبلغوا الثامنة عشرة وقت الجريمة لقواعد خاصة في قانون الطفل، تختلف عن العقوبات المقررة للبالغين، لكنها لا تعني إعفاء جميع القاصرين من المساءلة.
ومن الوقائع التي أعادت الجدل إلى الواجهة قضية قتل أم في بورسعيد عام 2022؛ إذ أكدت محامية المدانة تنفيذ حكم الإعدام بحق ابنتها في 22 يونيو 2026، بينما خضع شريكها الحدث لتدبير الإيداع في مؤسسة رعاية، لأنه لم يكن قد بلغ الخامسة عشرة وقت الجريمة. ويعود اختلاف المعاملة القانونية هنا إلى سن كل متهم وقت ارتكاب الفعل، لا إلى عمره عند صدور الحكم أو تنفيذه.
هذه الواقعة فتحت جدالًا حول المطالبة بتخفيض سن الطفولة بقانون الطفل، بما يسمح بتطبيق قانون العقوبات على من يرتكب جرائم خطيرة وعمره لم يتجاوز سن الـ18 عامًا، استنادًا إلى رأي مؤيدي التعديل بأن تحولات اجتماعية تقتضي هذا الإجراء. وفي المقابل يعارض البعض هذا المطلب حرصًا على حقوق الأطفال، باعتبار أنهم قبل سن الـ18 في حاجة إلى التأهيل والتقويم وإعادة الدمج في المجتمع، أكثر من العقاب والانتقام.
جرائم أثارت الجدل حول عدالة الأحداث
في أبريل 2024، حرض حدث مصري عمره 15 عامًا، يعيش في دولة الكويت، رجلًا لاستدراج طفل من جيرانه بشبرا الخيمة في محافظة القليوبية، وإزهاق روحه والتمثيل بجثمانه مقابل المال، قاصدًا الاحتفاظ بالمقاطع المرئية لعملية القتل والتمثيل لبيعها عبر مواقع “الدارك ويب” لتحقيق أرباح.
وفي 8 فبراير 2026، أيدت محكمة جنايات مستأنف شبرا الخيمة حكم الإعدام بحق المتهم البالغ، والحكم بالسجن لمدة 15 عامًا على المتهم الحدث. وتختلف عقوبة السجن المقررة للأحداث في القانون عن السجن المشدد الذي تحظر المادة 111 توقيعه على من لم يبلغ الثامنة عشرة وقت الجريمة.
وفي واقعة أخرى بكفر الشيخ في 27 أبريل 2025، أُصيب الطفل أدهم حلمي، 12 عامًا، بطلق ناري خرج بالخطأ من سلاح غير مرخص أثناء وجوده مع ثلاثة أطفال في منزل أحدهم. ونقلت التحقيقات أن السلاح يخص والد أحد الأطفال، وأنهم سحبوا المصاب إلى خارج المنزل بعد إصابته. وتوفي أدهم في 7 مايو بعد عشرة أيام في العناية المركزة. وبذلك لا يصح تقديم الواقعة بوصفها إدانة جماعية للأطفال الثلاثة بالقتل، خصوصًا في ضوء الحكم اللاحق ببراءة اثنين منهم.
وفي 27 يوليو 2025، قضت محكمة جنايات الطفل، بإيداع الطفل الذي أطلق الرصاص على المجني عليه بإحدى دور الرعاية، بعد تحميله المسؤولية الجنائية عن وفاة أدهم، بينما قررت براءة الطفلين الآخرين.
وفي أكتوبر 2025، شهدت محافظة الإسماعيلية واقعة مؤسفة، حين أقدم طالب لم يبلغ الخامسة عشرة، على قتل زميله بعد استدراجه إلى شقته في غياب أهله، وتقطيع جثمانه بمنشار كهربائي وتوزيع 6 أجزاء منه بأماكن متفرقة.
وفي فبراير 2026، حكمت محكمة أول درجة بإيداع المتهم الحدث إحدى دور الرعاية، ثم أيدت محكمة الاستئناف الإيداع المفتوح غير محدد المدة في يونيو، وفق التغطية المنشورة للحكم في 13 يونيو. وكان والد المتهم قد صدر ضده، في قضية منفصلة أمام محكمة جنح أول الإسماعيلية، حكم أول درجة في 5 فبراير بالحبس أربع سنوات وغرامة 100 ألف جنيه، على خلفية اتهامات مرتبطة بالتستر على الجريمة وإخفاء أدلتها. والإيداع غير محدد المدة عند الحكم لا يعني أنه بلا حدود قانونية أو بلا مراجعة قضائية.
وفي أكتوبر 2025، شهدت قرية الحصص بمركز شربين في الدقهلية وفاة طالب بالمرحلة الإعدادية بعد اعتداء زميل عليه بمفك أثناء مشاجرة. ورغم تداول الواقعة باعتبارها حادثًا مدرسيًا، قال وكيل وزارة التربية والتعليم بالمحافظة إن الاعتداء وقع خارج المدرسة ومواعيد الدراسة. وباشرت النيابة التحقيق وأمرت بحبس المتهم حينها؛ ولا تتضمن المصادر التي راجعناها حكمًا نهائيًا في القضية، لذلك لا تُعرض هنا بوصفها إدانة باتة.
وفي أبريل الماضي، أقدم شقيقان، طالبة بالمرحلة الثانوية 17 عامًا، وطالب بالإعدادية 15 عامًا، على استدراج طفلة 14 عامًا، بقرية مشتول القاضي بمركز الزقازيق في الشرقية، وقتلها خنقًا بقصد سرقة هاتفها المحمول وقرطها الذهبي.
وفي 12 مايو 2026، أصدرت محكمة جنايات وجنح الطفل بمحافظة الشرقية، حكمًا بالسجن لمدة 15 عامًا لكلا المتهمين، وهو حكم قابل للطعن، ولا تتضمن المادة حكمًا نهائيًا في الاستئناف.
قانون الطفل وفلسفته
ينص القانون رقم 12 لسنة 1996، وتعديله بالقانون رقم 126 لسنة 2008، على أنه يقصد بالطفل كل من لم يتجاوز سنه الثامنة عشرة سنة ميلادية كاملة. ومن أبرز أحكام القانون أنه لا يُحكم بالإعدام ولا بالسجن المؤبد ولا المشدد على المتهم الذي لم يجاوز سنه الـ18عامًا وقت ارتكاب الجريمة.
الأصل أن تنظر محكمة الطفل قضايا المتهمين الأحداث، ولا يحضر المحاكمة إلا الأقارب والشهود والمحامون والمراقبون الاجتماعيون ومن تأذن لهم المحكمة. لكن المادة 122 تضع استثناءً في الجنايات التي يُتهم فيها طفل جاوز الخامسة عشرة مع متهم بالغ، إذا اقتضى الأمر رفع الدعوى عليهما معًا؛ عندها ينعقد الاختصاص لمحكمة الجنايات أو محكمة أمن الدولة العليا بحسب الأحوال، مع وجوب بحث ظروف الطفل. لذلك لا يصح القول إن محاكمة الطفل أمام هذه المحاكم ممنوعة في جميع الأحوال.
ويُدرّج القانون العقوبات التي تطبق على الطفل بحسب سن ارتكاب الجريمة، فقبل سن السابعة إذا ارتكب طفل واقعة تشكل جناية أو جنحة، فإنه يُعتبر معرضًا للخطر وتهديد سلامة التنشئة الواجب توافرها له، وبين السابعة والثانية عشرة، تمتنع عنه المسؤولية الجنائية، وتتولى محكمة الطفل دون غيرها الاختصاص بالنظر في أمره.
ومن سن الثانية عشرة حتى قبل إتمام الخامسة عشرة، إذا ارتكب الطفل جريمة يُحكم عليه بأحد التدابير الآتية: التوبيخ، التسليم، الإلحاق بالتدريب والتأهيل، الإلزام بواجبات معينة، العمل للمنفعة العامة بما لا يضر صحة الطفل أو نفسيته، الاختبار القضائي، الإيداع في إحدى المستشفيات المتخصصة، وأقصى هذه التدابير هي الإيداع في إحدى مؤسسات الرعاية الاجتماعية دون تحديد مدة للإيداع.
وتتابع المحكمة أمر الحدث عن طريق تقرير تقدمه المؤسسة التي أودع بها كل شهرين على الأكثر لتقرر إنهاء التدبير فورًا أو إبداله حسب الاقتضاء، على أن تراعي أن يكون الإيداع لأقصر فترة ممكنة، وفي جميع الأحوال يجب ألا تزيد مدة الإيداع على 10 سنوات في الجنايات و5 سنوات في الجنح.
وتنص المادة 110 من قانون الطفل وتعديلها بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 7 لسنة 2015 بتعديل بعض أحكام قانون الطفل، على انتهاء التدبير حتمًا ببلوغ المحكوم سن الـ18 عامًا، ومع ذلك يجوز للمحكمة في مواد الجنايات بناءً على طلب النيابة العامة وأخذ رأي المراقب الاجتماعي، الحكم بوضع المحكوم عليه تحت الاختبار القضائي، وذلك لمدة لا تزيد على سنتين. وإذا استدعت حالة المحكوم بإيداعه مستشفى متخصصًا استمرار العلاج، تنص المادة كذلك على نقله إلى مستشفى يناسب حالته.
أما الطفل الذي تجاوز سن الخامسة عشرة وحتى قبل الثامنة عشرة، إذا ارتكب جريمة عقوبتها الإعدام أو السجن المؤبد أو المشدد، يُعاقب بالحكم عليه بالسجن، وإذا كانت الجريمة عقوبتها السجن يحكم عليه بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر، وفقًا لنص المادة رقم 111 من قانون الطفل المعدل بالقانون رقم 126 لسنة 2008.
واستقر في التطبيق القضائي أن أقصى مدة للسجن بالنسبة للطفل الذي يقع عمره بين الـ15 والـ18 عامًا، هي 15 عامًا، تفسيرًا للمادة 16 من قانون العقوبات التي تحدد عقوبة السجن بين 3 و15 سنة.
وتمنع المادة 112 من القانون احتجاز الأطفال أو حبسهم أو سجنهم مع غيرهم من البالغين في مكان واحد، كما توجه بمراعاة تصنيف الأطفال بحسب السن والجنس ونوع الجريمة عند تنفيذ الاحتجاز.
يقول محمد عبد الحليم المحامي بالنقض، إن قانون الطفل وتعديلاته، يقوم على فلسفة الحماية والإصلاح والتأهيل، انطلاقًا من أن الطفل أو الحدث لا يزال في مرحلة النمو والتكوين النفسي والعقلي والاجتماعي، بما يقتضي معاملته وفق قواعد خاصة تختلف عن تلك المطبقة على البالغين.
وأشار إلى أن هذه الفلسفة تتفق مع الدستور المصري، الذي نص في المادة 80 على أن الطفل هو كل من لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره، كما ألزم الدولة بكفالة حقوقه وحمايته من كافة أشكال العنف والاستغلال، والعمل على تحقيق مصلحته الفضلى في جميع الإجراءات والقرارات التي تتعلق به.
وأوضح أنه بناء على ذلك فإن سن الثامنة عشرة لم يعد مجرد اختيار تشريعي عادي، وإنما معيار دستوري ملزم يتعين على المشرع احترامه عند تنظيم منظومة عدالة الأحداث.
وأضاف أن السياسة الجنائية الحديثة لم تعد تنظر إلى الحدث باعتباره مجرمًا صغيرًا يستحق العقاب، وإنما شخص لم يكتمل نضجه بعد ويحتاج إلى توجيه وإصلاح وإعادة تأهيل.
ويستند عبد الحليم إلى الدراسات الجنائية المقارنة في قوله إن التوسع في معاملة الأحداث معاملة البالغين قد يزيد العودة إلى الجريمة، بينما يرى أن برامج التأهيل والتدريب والرعاية النفسية والاجتماعية أكثر فاعلية في حماية المجتمع على المدى الطويل.
وأكد عبد الحليم أن الغاية من عدالة الأحداث ليست حماية الحدث وحده، وإنما حماية المجتمع أيضًا من خلال منع تكرار السلوك الإجرامي وإعادة دمج الحدث في محيطه الاجتماعي بصورة سليمة.
السيسي يقول إنها أزمة مجتمع
وخلال حضور الرئيس عبد الفتاح السيسي كشف الهيئة للطلبة المتقدمين للالتحاق بالأكاديمية العسكرية المصرية والكليات العسكرية، في نوفمبر 2025، وجهت إحدى المتقدمات سؤالًا له حول مدى إمكانية إعادة النظر في قانون الطفل، بشكل يحقق الرحمة بالسن الصغير والعدالة لأسرة الضحية.
وعلق الرئيس على السؤال قائلًا إن هذا الأمر مجتمعي وليس قانوني فقط، ففي الواقع هناك الكثير من القوانين، لكن الأزمة أزمة مجتمع.
وأضاف أنه بإمكاننا التآزر والتأخي إذا كان وعينا جميعًا يليق بهذه الفكرة، فعلى سبيل المثال الدولة قادرة على مراقبة المدارس بشكل كامل، لكن ماذا عن الأسرة؟ هل كل أسرنا على كافة المستويات تفكر بهذه الطريقة؟ وإذا فكرت هل تأخذ القرار الذي يخدم الفكرة؟، معقبًا: “الحديث هنا عن تحضر مجتمع وانضباطه، لا يمكننا وضع مراقب على كل شخص، لكن بإمكاننا جميعًا من خلال تطورنا ووعينا تحقيق نتائج”.
وطالب الرئيس المجتمع بالتآزر والحفاظ على الأطفال، مؤكدًا أن الموضوع ليس قانون فقط ولكن المجتمع كافة مسؤول من الإعلام إلى الجامع والكنيسة إلى الأسرة، والدولة بالقانون.
مؤيدو التغيير يستندون إلى التحولات الاجتماعية
يقول الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، إنه مع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، والتطورات التكنولوجية والتعليمية المتسارعة التي يشهدها العالم أجمع، والخبرات الزائدة التي اكتسبها أفراد المجتمع وأثرت على سلوكهم، بات هناك حاجة لتقليل سن الطفولة.
وأضاف فرويز لـ”زاوية ثالثة” إنه من الممكن اعتبار الطفل مسؤولًا بداية من سن 14 أو 15 سنة ويمكن محاسبته إذا ارتكب جريمة، لكن الاتفاقات الدولية التي تلتزم بها مصر تقف حائلًا أمام مثل هذا التغيير.
وأوضح المحامي بالنقض محمد عبد الحليم، أن هناك العديد من الالتزامات الدولية الملقاة على عاتق الدولة المصرية بشأن حقوق الطفل، إذ انضمت مصر إلى اتفاقية حقوق الطفل الصادرة عام 1989، والتي نصت في مادتها الأولى على أن: “الطفل هو كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة ما لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المنطبق عليه”، وألزمت الاتفاقية الدول الأطراف بإنشاء نظام خاص بعدالة الأطفال يراعي سنهم ودرجة نضجهم ويهدف إلى إصلاحهم وإعادة دمجهم في المجتمع.
كما أكدت قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لإدارة شؤون قضاء الأحداث “قواعد بكين”، ضرورة توفير معاملة قانونية خاصة بالأحداث تتناسب مع أوضاعهم النفسية والاجتماعية والعمرية.
وأوضحت لجنة حقوق الطفل بالأمم المتحدة في تعليقها العام رقم 24 لسنة 2019، أن الاتجاه الدولي الحديث يسير نحو تعزيز الضمانات المقررة للأطفال داخل منظومة العدالة الجنائية وعدم الانتقاص منها. ويميز التعليق بين الحد الأدنى للمسؤولية الجنائية وبين سن انتهاء الطفولة؛ فهما ليسا سنًا واحدة، ووجود مساءلة قبل الثامنة عشرة لا يستلزم تطبيق عقوبات البالغين على الطفل.
ويرجع الدكتور سعيد صادق، الباحث في علم الاجتماع السياسي، سبب ازدياد العنف في المجتمع إلى إهمال التربية مع كثرة الإنجاب، مشيرًا إلى أن مصر لا يزال ينتشر فيها ثقافة كثرة الإنجاب دون وجود قدرات للتربية من الإنفاق والتعليم وغير ذلك.
وأضاف لـ”زاوية ثالثة”، أن البعض يتعمد إنجاب الكثير من الأطفال وعندما يعجز عن تربيتهم يخرجهم للعمل في سن صغيرة، أو يتركهم في الشوارع، أو يزوج الفتيات القاصرات للتخلص من تكلفة إعاشتهم، وكلها ممارسات تؤدي لما نراه اليوم من عنف لدى الأطفال.
وأكد صادق أننا في حاجة للنزول بسن العقاب على الجريمة من 18 إلى 15 سنة، فلا يمكن أن يرتكب شخص جريمة قتل، ثم نقدم له العذر لأنه طفل، فالجريمة هي الجريمة، لافتًا إلى أن المجتمع المصري مشكلته القوانين الضعيفة التي تناسب مجتمعًا مثاليًا، وليس مجتمع يواجه إجرام عنيف. وهذا مطلب بتغيير المعاملة العقابية، لا وصف للقانون القائم؛ فالقانون يجيز بالفعل مساءلة من تجاوز الخامسة عشرة بعقوبات مقيدة للحرية ضمن نظام الأحداث.
ولفت إلى أن هناك من يستغل قانون الطفل لتحريض أطفال، ربما من أطفال الشوارع، على ارتكاب جرائم جنائية، بحجة أنهم سيفلتون من العقاب بسبب حداثة سنهم، مطالبًا بتشريع قوانين رادعة تناسب المجتمع سواء بشأن الطفل، أو الأسر التي تتعمد الإنجاب دون القدرة على التربية.
وفي أكتوبر 2025، طالبت النائبة أميرة أبو شقة، عضو مجلس النواب سابقًا، بتعديل سن الطفل في القانون المصري تعديلًا دستوريًا، يتناسب مع طبيعة الجريمة ومستوى الإدراك حماية لأمن الوطن والمواطنين، وردعًا لكل من يتستر خلف قناع الطفولة ليعبث بدماء الأبرياء، في ظل تزايد أعداد الجرائم ونوعياتها وطرق ارتكابها البشعة خلال الفترة الأخيرة، لكن هذا الطلب لم يجد استجابة حتى الآن.
تغيير سن الطفولة يحتاج لأبحاث
وعلق الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوي بكلية التربية جامعة عين شمس، على مطالب تخفيض سن الطفولة بقانون الطفل، قائلًا إن تحديد الأعمار لا يخضع للقوانين، فالأصل أن القوانين مشتقة من الأبحاث النفسية والفسيولوجية التي يجريها العلماء على الإنسان في كل مرحلة، موضحًا أن كل مرحلة نمائية يكون لها تطور في النواحي الجسدية والفسيولوجية وتطور في الوظائف النفسية، وبناء على ذلك يتم تحديد بداية ونهاية كل مرحلة.
وأشار شوقي لـ”زاوية ثالثة” أن تبكير مرحلة النمو لا بد أن يخضع لمقاييس علمية، فليس من السهل تغيير نهاية مرحلة الطفولة عند سن الـ15 عامًا بدلاً من 18 على سبيل المثال، لأن تحديد سن الـ18 عامًا تم بناءً على أبحاث عالمية أجريت على ملايين البشر في كل مرحلة عمرية عبر العالم.
وفي ذات الوقت، قال شوقي إن المجتمع المصري يشهد تغيرات اجتماعية أدت لتزايد معدلات الجريمة، نتيجة دخول العديد من المتغيرات مثل: وسائل التواصل الاجتماعي والـ”دارك ويب” الذي يعيش الأطفال عليهم بعيدًا عن رقابة الأهل.
ومن بين أسباب ازدياد معدلات الجريمة، غياب القدوة الأخلاقية بالنسبة للأطفال والمراهقين، وغياب الأنشطة الترفيهية، وأوضح شوقي أن الطفل يعيش في كبت ولا يجد وسيلة لتفريغه سوى بالعنف، فالعنف معناه وجود طاقة سلبية انفعالية وجدانية داخل الإنسان، يمكن تصريفها بشكل سلبي كالاعتداء على الآخرين، أو إيجابي من خلال ممارسة الأنشطة.
وأكد أستاذ علم النفس التربوي، أن تقليل حالات العنف الصادرة عن الشباب والمراهقين، لا يكون عن طريق خفض السن، ولكن من خلال أساليب تربوية ونفسية بالترغيب تارة والترهيب تارة أخرى، فبالنسبة للترغيب علينا أن نبحث مشكلات الشباب والمراهقين، ونتيح لهم المجال لممارسة الأنشطة، ونقدم قدوات إيجابية في المجتمع تركز على القيم والأخلاق، أما على مستوى الترهيب فيمكن تغليظ العقوبات المقررة على المراهقين.
وأوضح أن الإنسان في مرحلة المراهقة يزداد وعيه بشكل يمكّنه من التمييز بين الصواب والخطأ، فعلى الرغم من تميز هذه المرحلة بالتهور والاندفاع، لكن الإنسان فيها قادر على التمييز، وهذا هو رأي الدين، وبالتالي فيمكن تغليظ العقوبة على الحدث الذي يزداد عمره عن 15 عامًا، فلا يفلت من العقاب الحقيقي بحكم سنه.
وبالنسبة لارتكاب الأحداث لجرائم القتل، قال شوقي إن العقوبة في هذه الحالة لا يجب أن تصل للإعدام، خاصة أنها عقوبة أُلغيت في العديد من الدول للبالغين، لكن يمكن وضع عقوبات رادعة تمنع الحدث من العودة لارتكاب الجريمة بعد الإفراج عنه، وهو أمر متروك للقانونيين.
بين التعديل التشريعي وتطوير منظومة العدالة
ويتفق المحامي هيثم سعد، مع المطالبات الخاصة بتخفيض سن الطفل في الدستور والقانون، بعد انتشار العديد من الجرائم التي تم تخفيض العقوبة فيها لأن المتهم طفل، مشيرًا إلى أن هناك تحولًا في نمط الجريمة يستدعي تدخل تشريعي لتخفيض سن الطفل في القانون، أو على الأقل تطبيق قانون العقوبات على من تجاوز 14 عامًا خاصة في جرائم النفس.
وأشار سعد لـ”زاوية ثالثة”، إلى أنه يجوز بقرار من المحافظ وموافقة وزير التعليم تشغيل الأطفال في أعمال موسمية، ويحدد القانون سن التدريب المهني من 14 عامًا وسن العمل من 15 عامًا، وكذلك أهلية التقاضي في مسائل الولاية على النفس في قضايا الأسرة عند سن 15 عامًا، وبالقياس على ما سبق يمكن تخفيض سن الطفولة فيما يتعلق بارتكاب الجرائم للأعمار المذكورة. ويظل هذا قياسًا يقترحه المحامي، لا حكمًا قائمًا يسمح باستبدال قواعد عدالة الأحداث؛ فتنظيم سن العمل أو الأهلية في مسألة معينة لا يغير تلقائيًا الحماية الدستورية للطفل.
وبالنسبة للتعارض مع الدستور والاتفاقات الدولية، قال سعد إنه يمكن تفادي هذا الأمر إذا نص التشريع على: “مع مراعاة سن الطفولة، يعاقب على جرائم القتل من جاوز سن الخامسة عشرة بالعقوبات المقررة للبالغين”، وفي هذه الحالة نكون خرجنا من إشكالية التعارض مع المادة 80 من الدستور، والاتفاقات الدولية التي تم التصادق عليها، وراعينا الوضع الراهن الذي يشهد تعدد الجرائم. ويعرض سعد هنا تفسيره القانوني للمقترح، بينما يعارضه الرأي التالي استنادًا إلى الحماية الدستورية والاتفاقيات الدولية؛ فلا تمثل هذه الصياغة تشريعًا نافذًا أو ضمانًا لسلامتها دستوريًا.
وفي المقابل يقول محمد عبد الحليم المحامي بالنقض، إن إخراج الفئة العمرية من 14 إلى 18 سنة من نطاق الحماية المقررة للأحداث يمثل خروجًا على الفلسفة التي قام عليها قانون الطفل ذاته.
وأضاف أنه إذا كان المقصود من المقترحات استبعاد من تتراوح أعمارهم بين 14 و18 سنة من نظام الأحداث أو معاملتهم معاملة البالغين، فإن ذلك يثير شبهة قوية بعدم الدستورية لمخالفته المادة 80 من الدستور، كما يضع التشريع المصري في مواجهة مباشرة مع الالتزامات الدولية الناشئة عن اتفاقية حقوق الطفل وغيرها من المواثيق الدولية ذات الصلة.
أما إذا كان المقصود مجرد تشديد بعض التدابير أو تطوير آليات التعامل مع الجرائم الجسيمة التي يرتكبها الأحداث، فإن ذلك يمكن تحقيقه دون المساس بسن الحدث أو الضمانات الدستورية المقررة له، مؤكدًا أن مواجهة الجرائم الخطيرة التي قد يرتكبها بعض الأحداث لا تستلزم بالضرورة تخفيض سن الحدث أو الانتقاص من الحماية القانونية المقررة للأطفال، وإنما يمكن تحقيق الردع المطلوب من خلال تطوير منظومة عدالة الأحداث ذاتها، ومن بين المقترحات التي يمكن تقديمها ما يلي:
واقترح عبد الحليم الإبقاء على سن الحدث عند 18 عامًا التزامًا بأحكام الدستور المصري وقانون الطفل والاتفاقيات الدولية، واستحداث نظام للتدرج في التدابير المقررة للأحداث بحسب جسامة الجريمة وخطورة السلوك الإجرامي، وتشديد التدابير المطبقة على مرتكبي الجرائم الجسيمة من الأحداث مثل جرائم القتل العمد والاغتصاب والإتجار بالمخدرات والانضمام للتشكيلات الإجرامية، دون إخضاعهم لقواعد محاكمة البالغين.
كما اقترح إنشاء مؤسسات إصلاح وتأهيل متخصصة تعتمد على العلاج النفسي والتأهيل السلوكي والتعليم والتدريب المهني بدلًا من الاقتصار على الإيداع التقليدي، وإلزام الحدث المحكوم عليه بالالتحاق ببرامج إعادة التأهيل والعلاج النفسي والتدريب المهني وبرامج مكافحة الإدمان متى اقتضت حالته ذلك، ومنح محاكم الطفل صلاحيات أوسع لمتابعة تنفيذ التدابير الإصلاحية وتقييم مدى استجابة الحدث لها بصورة دورية.
واقترح المحامي بالنقض كذلك بحث مساءلة الولي أو المسؤول عن الرعاية في حالات التقصير الجسيم الذي يثبت ارتباطه المباشر بانحراف الحدث وارتكابه الجريمة، ودعم الأسرة والمدرسة ومؤسسات الرعاية الاجتماعية باعتبارها خط الدفاع الأول في الوقاية من الجنوح قبل الوصول إلى مرحلة التدخل الجنائي، وتطوير آليات الرعاية اللاحقة للأحداث بعد انتهاء التدبير لضمان إعادة دمجهم في المجتمع ومنع العودة إلى الجريمة.
وفي النهاية أكد عبد الحليم أن سن الثامنة عشرة ليس مجرد رقم اختاره المشرع، بل معيار دستوري ودولي مستقر لحماية الطفولة، ومن ثم فإن أي اتجاه لتخفيضه إلى أربعة عشر عامًا يثير إشكاليات دستورية وقانونية جدية، وقد يؤدي إلى الانتقاص من الضمانات المقررة للأطفال دون أن يحقق بالضرورة النتائج المرجوة في مكافحة الجريمة.
