شُرطة في كل لجنة: هل تكفي إجراءات 2026 لردع غش الثانوية؟

ميزانية امتحانات الثانوية العامة تجاوزت المليار جنيه عام 2022 حين كان عدد الطلاب 650 ألفًا، وترتفع هذا العام مع 921 ألف طالب، فيما تُباع سماعات الغش علنًا على الإنترنت وتسجل كليات الطب نسب رسوب تصل إلى 70% بين طلاب التحقوا بها دون استحقاق.
Picture of ياسمين علي

ياسمين علي

قبيل انطلاق امتحانات الثانوية العامة هذا العام، ‎أعلنت وزارة التربية والتعليم، تطبيق نظام “المجمعات الامتحانية” للمرة الأولى، في خطوة قالت إنها تستهدف إحكام الرقابة على اللجان التي ارتبط بعضها خلال السنوات الماضية بوقائع غش جماعي أو ضعف في التأمين.

‎وبحسب خالد عبد الحكم، رئيس امتحانات الثانوية العامة، يعتمد النظام على تجميع اللجان داخل “مربع امتحاني” بكل إدارة تعليمية، مع تمركز قوة شرطية لكل مربع لتأمينه ومتابعة حركة الدخول والخروج، بينما يؤدي الطلاب الامتحانات داخل إداراتهم التعليمية ولكن في المقار المحددة ضمن هذه المربعات.

‎كذلك قررت الوزارة لأول مرة الاستعانة بالمدارس القومية كلجان امتحانية، مستفيدة من مساحاتها الواسعة وقدرتها على استيعاب أعداد كبيرة من الطلاب في موقع واحد، بما يسهل عمليات المتابعة والتأمين.

‎وأكد عبد الحكم أن هذه الإجراءات لا تمثل سوى جزء من خطة الوزارة لمواجهة الغش، مشيرًا إلى وجود تدابير أخرى لن يُكشف عنها قبل الامتحانات حتى لا يتمكن الطلاب من الاستعداد للتحايل عليها. 

وتستهدف الفكرة كذلك، وفق التصريحات الرسمية، ما يُعرف بـ”لجان أولاد الأكابر”، التي لطالما أثارت الجدل بسبب وقوعها في مناطق يصعب إحكام الرقابة عليها مقارنة باللجان المجمعة داخل نطاق أمني واحد.

من جانبه، يصف الدكتور عاصم حجازي، الخبير التربوي وأستاذ علم النفس التربوي بكلية التربية جامعة القاهرة، إجراءات الوزارة بأنها عادة ما تكون “رد فعل” لا يجاري تفوق الطلاب التكنولوجي، لكن “المجمعات الامتحانية” يمكن اعتبارها فكرة استباقية قد تكون فعالة في مواجهة ظاهرة “أولاد الأكابر” الذين كانوا يركزون على أداء الامتحان في لجان معزولة بعيدة عن الأعين، لممارسة الغش بفرض السيطرة من خلال أولياء أمورهم.

وينتقد في حديثه لـ”زاوية ثالثة” فكرة المجمعات بسبب بعدها عن بعض الطلاب الذين يسكنون في ذات الإدارة التعليمية لكن بعيدًا عن مكان المجمع، مقترحًا التنسيق مع المحليات لتوفير وسائل نقل مخصصة للطلاب لتسهيل وصولهم.

وتنطلق امتحانات الثانوية العامة للعام الدراسي 2025/2026، الأحد الموافق 21 يونيو الجاري، ووفقًا لتصريحات رسمية، يخوض امتحانات الثانوية العامة بنظاميها القديم والجديد، 921 ألفًا و 709 طلاب، منهم 3403 طلابًا فقط مقيدين بالنظام القديم، بينما العدد المتبقي فيؤدي الامتحان وفقًا للنظام الجديد. وتستمر الامتحانات على مدى 26 يومًا حيث تنتهي في 16 يوليو المقبل.

 

نوصي للقراءة: عجز 400 ألف مُعلم في مصر.. عامًا دراسيًا جديدًا بأزمة لم تحل


10 أعوام من ملاحقة الغش

كانت البداية في 2016، الذي عُرف فيما بعد بـ”عام التسريب”، إذ فوجئت وزارة التربية والتعليم بتسريب عدد من مواد الامتحان قبل موعد دخول الطلاب للجان، ومواد أخرى جرى تداولها عبر صفحات التواصل الاجتماعي بعد بدء الامتحان مباشرة، ليستطيع الطلاب الذين تمكنوا من الدخول بالهواتف المحمولة، من الحصول على الإجابات من خلال مجموعات خاصة على “فيسبوك” و”واتس آب” و”تيلجرام”.

في العام التالي مباشرة، تعمدت الوزارة تغيير شكل الاختبار من ورقة أسئلة وكراسة إجابة، إلى “بوكليت” أي كراسة امتحانية تتضمن الأسئلة ومساحات للإجابة، لتصعيب أمر التصوير والتداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي على كل من يحاول.

وأضافت الوزارة لاحقًا إجراءات أخرى مثل، تركيب بوابات إلكترونية أمام اللجان لكشف المعادن والأجهزة الإلكترونية، واستخدام عصا للكشف عن الهواتف المحمولة عند دخول المدارس والفصول وأثناء الامتحان، وتركيب كاميرات مراقبة داخل اللجان الامتحانية، وطباعة أكواد خاصة بكل طالب على الكراسات لتحديد مصدر التصوير حال تسربه، ثم تغيير شكل الامتحان للمرة الثانية إلى “بابل شيت” في عام 2021، فضلًا عن تشديد عقوبات الغش. 

لكن الإجراءات المتراكمة، لم تمنع الظاهرة، لأنها دائمًا تكون “رد فعل” على الأساليب غير التقليدية للغش التي يبتكرها الطلاب في كل عام، فالبداية كانت باستخدام الهاتف المحمول للتواصل مع من يسهل الغش خارج اللجان الامتحانية، لكن هذا الأمر تطور فيما بعد وأصبح الطلاب يحملون أدوات لا تُكتشف بسهولة ومنها: كروت الفيزا التي تحمل شريحة محمول متصلة بسماعة، وساعات ذكية، وسماعات تزرع داخل الأذن تتصل بجهاز صغير الحجم مثبت في الملابس يجري اتصالات، ونظارات إلكترونية تحمل كاميرات.

وإلى جانب الأدوات التكنولوجية، كشفت وزارة التربية والتعليم أن بعض الموظفين والعمال، يساعدون في تصوير وتداول الامتحانات، فعلى سبيل المثال، كشفت التحقيقات في عام 2016 عن تورط مسؤول بالمطابع السرية بالوزارة، وزوجته وشقيقتها، في تسريب الامتحانات بعدما حصل  على نماذج أسئلة امتحان اللغة العربية من جهاز زميله بالمطابع السرية، ونسخها على “فلاشة” وسلمها لزوجته لتسلمها لمسؤولي صفحات التسريب على مواقع التواصل الاجتماعي مقابل الحصول على مبالغ مالية. 

على إثر ذلك، أصدرت الحكومة القانون رقم 205 لسنة 2020، لمكافحة أعمال الإخلال بالامتحانات، والذي تضمن عقوبات تصل للحبس مدد تصل إلى 7 سنوات، وغرامات تصل إلى 200 ألف جنيه. 

أما الطلاب فيحاسبون وفقًا للقرار الوزاري رقم 34 لسنة 2018، بشأن تنظيم أحوال إلغاء الامتحان أو الحرمان منه، والذي يجيز حرمان الطالب الذي شرع في الغش أو تمكن منه، من الامتحان لمدة عام أو عامين.

وفي عام 2022، تورط معلم لغة عربية بإدارة بلبيس التعليمية في واقعة تداول أسئلة امتحان مادة الفيزياء للثانوية العامة عبر صفحات التواصل الاجتماعي بعد بدء الامتحان، من خلال موقعه كرئيس لجنة أبو زعبل الثانوية المشتركة، التابعة لإدارة الخانكة التعليمية بالقليوبية.

كل هذا في جانب، وما يُعرف بـ”لجان أولاد الأكابر” في جانب آخر، فهذا المصطلح يقصد به لجان الغش الجماعي، التي تقع في مناطق محددة يقطنها عائلات كبرى خاصة في المناطق الريفية، يمارسون ترهيبًا على المدرسين، لتسهيل الغش لأبنائهم.

 

نوصي للقراءة: الفقر يقتل الأسر.. ظاهرة الانتحار الجماعي تتصاعد في مصر

لماذا تتفاقم الظاهرة؟

يرجع الدكتور عاصم حجازي، انتشار الغش في الثانوية العامة للعديد من الأسباب منها، مجموع الثانوية العامة المصيري في تحديد مستقبل الطلاب بالكلية التي يلتحقون بها، ومحدودية أعداد مقاعد الجامعات الحكومية الأقل تكلفة، وأعداد الطلاب التي تلامس المليون، إلى جانب ثقافة كليات القمة وغياب الضمير والوازع الديني.

ويضيف لـ”زاوية ثالثة”، أنه إلى جانب الأسباب التي تدفع الطلاب للبحث عن درجات إضافية بأي طريقة، هناك ثقافة اجتماعية تدعم الغش بالامتحانات وتبرره بأسباب مثل غياب الشرح داخل المدارس، أو صعوبة الامتحانات، أو تشديد الإجراءات الذي يضغط على أعصاب الطلاب، وغير ذلك، مشيرًا إلى أن الغش لا يحدث إلا بإرادة من الطالب وتسهيل أو جهل من المراقب، وهذا لن تتمكن الإجراءات من مواجهته بنسبة 100%، فكل ما تفعله الوزارة هو محاولة الحد من الظاهرة وليس محوها.

مسؤول سابق بوزارة التربية والتعليم، فضل عدم ذكر اسمه، يؤكد أن ظاهرة الغش مستمرة وتتصاعد، وأن من يقول إنه سيقضي على الغش بنسبة 100% واهم، وكل جهود الوزارة تتمثل في تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين الطلاب بنسبة مرضية، لكنه لن يتحقق بنسبة 100%.

ويشير في حديثه لـ”زاوية ثالثة” إلى أنه إلى جانب الأسباب المجتمعية الداعمة للغش، هناك أسباب فنية في الامتحانات جعلت الغش أكثر سهولة وفاعلية، على رأسها نظام “البابل شيت” الذي تم تطبيقه اعتبارًا من العام 2021، والقائم على أسئلة الاختيار من متعدد التي يجيب الطالب عليها من خلال تظليل الاختيار الصحيح في ورقة مستقلة.

ويوضح المصدر أنه بمجرد وصول أسئلة الامتحان لأي معلم يستطيع الإجابة عليها في دقائق وإرسالها للطلاب داخل اللجان فيجيبون على الأسئلة في وقت قصير للغاية، خلاف ما كان يحدث بنظام الأسئلة المقالية إذ كانت كتابة الإجابة تحتاج وقتًا معتبرًا من وقت الامتحان خلاف الوقت اللازم للتفكير.

وكانت وزارة التربية والتعليم طبقت نظام “البابل شيت”  بدءًا من العام الدراسي 2020/2021، ويعتمد على أسئلة الاختيار من متعدد والتصحيح الإلكتروني السريع والدقيق. وطرح بدائل متقاربة لا يستطيع تمييز الإجابة الصحيحة بينها إلا الطالب الذي استعد جيدًا للامتحان. 

غير أن وقائع الغش أظهرت أن هذه الآلية قد تفقد فاعليتها حال تسريب الأسئلة إلى معلمي المادة أو الجهات القادرة على حلها، ما يتيح للطلاب الحصول على الإجابات الصحيحة بسهولة.

وقبيل امتحانات هذا العام، خرجت تجارة “سماعات الغش” إلى العلن عبر صفحات الإنترنت، بعدما كانت تُدار في الخفاء، وانتشرت إعلانات تروّج لسماعات الأذن المصغّرة، مصحوبة بشروحات لطرق إخفائها داخل الملابس أو توكات الشعر أو الشعر المستعار. 

في السياق، ضبطت السلطات، مسؤولين عن إحدى الصفحات الإلكترونية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تخصصت في تسويق وبيع السماعات متناهية الصغر، وقالت إنها تُباع خصيصًا لطلاب المدارس والجامعات لاستغلالها في أعمال الغش.

 

نوصي للقراءة: خارج حسابات الحكومة.. كيف يضاعف القانون معاناة “أصحاب المعاشات”؟


لجان أولاد الأكابر..

ويطلق مصطلح “أولاد الأكابر” على لجان بالثانوية العامة، يتعمد بعض الطلاب الذين ينتمون لعائلات تمتلك سيطرة في بعض المناطق، التحويل إليها بالمرحلة الثانوية، لأداء الامتحان في مكان معزول يسيطر عليه الأهالي، الذين يرهبون القائمين على أعمال الامتحانات، لتسهيل مهمة الغش لأبنائهم.

وبدأت هذه اللجان وكانت تعرف بلجان الشغب، في بعض المناطق المحدودة  في محافظات سوهاج وكفر الشيخ، لكن مع السنوات، تمددت وانتشرت على مستوى جميع المحافظات.

من جانبها وضعت الوزارة، قيودًا على إجراءات النقل إلى بعض المدارس في المحافظات التي سجلت معدلات غش مرتفعة أو شهدت وقائع تتعلق بترهيب المعلمين. 

وفي السنوات الأخيرة، سجلت لجان كاملة في عدة محافظات درجات مرتفعة متقاربة، والكثير من طلاب هذه اللجان ينتمون لعائلات معروفة.

وفي مؤشر آخر على انتشار الغش، كشفت نتائج الفرقة الأولى بعدد من كليات الطب، نسب رسوب مرتفعة بين الطلاب، ما يشير إلى التحاقهم بهذه الكليات دون استحقاق وضيعوا الفرصة على المتفوقين للالتحاق، وعلى المجتمع بتخريج طبيب جيد يخدم المواطنين.

وشهد عام 2023، نسبة رسوب مرتفعة بين طلاب كليات الطب في ثلاث جامعات، ففي جامعة قنا أعلن عميد كلية الطب الدكتور علي عبد الرحمن، أن 70% من طلاب الفرقة الأولى رسبوا، بينما بلغت نسبة الناجحين 28% فقط، مشيرًا إلى عدم تغيير المناهج وطرق التقييم عن السنوات السابقة التي كانت نسبة النجاح فيها لا تقل عن 90%.

كذلك بلغت نسبة النجاح في كلية الطب بجامعة جنوب الوادي، 28.5% فقط، وفق تصريحات رئيس الجامعة الدكتور يوسف الغرباوي، موضحًا أن عدد كبير من الملتحقين بكلية الطب جاءوا من مدارس كانت نتائج طلابها محجوبة بسبب الغش الجماعي، ولافتًا إلى أن الطلاب الذين رسبوا في الفرقة الأولى لا يجيدون اللغة الإنجليزية قراءةً أو كتابةً.

وفي جامعة أسيوط، بلغت نسبة الرسوب بين طلاب الفرقة الأولى بكلية الطب 60%، بعضهم من المصريين والبعض الآخر من السودانيين، وفق تصريحات الدكتور علاء عطية، عميد كلية طب أسيوط، فيما وصف عميد الكلية ما حدث بأنه الحصاد الطبيعي لانتشار الغش بامتحانات الثانوية العامة لعام 2022.

بدوره أكد محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، على عادة كل وزراء التعليم، أنه لن يكون هناك أي لجنة لأولاد الأكابر هذا العام، وإذا انتشرت أي معلومات عن لجنة سيكون داخلها بنفسه.

وتعقيبًا يقول الخبير التربوي عاصم حجازي، إن نتائج الطلاب بكليات الطب تشير إلى بداية حصاد نتائج الغش بالثانوية العامة، مشيرًا إلى أن ثقافة الالتحاق بكليات الطب لا بد من مواجهتها، من خلال حملة قومية متعددة التخصصات يقدمها ممثلين عن كل فئات المجتمع، قانونيين ورجال دين وفنانين وغيرهم، وتستمر فترة طويلة عبر مختلف الوسائل لتحقيق هدف الإقناع بأن كل المجالات مطلوبة للمجتمع، والأفضل للطالب أن يلتحق بالكلية التي تناسب ميوله وقدراته، وليس إرضاء أهله بالالتحاق بكلية ذات قيمة اجتماعية مرتفعة.

ويضيف “حجازي” أن صعوبة الامتحانات وضغطها على الطلاب أحيانًا يكون مقصود وصحي لفرز الطلاب المؤهلين للالتحاق بكل مجال فما ينتظر الطلاب بعد الثانوية العامة أصعب كثيرًا منها، معلقًا: “كيف لطالب ينهار من صعوبة سؤال بالثانوية العامة، أن يصمد في وسط الحالات الطارئة داخل المستشفيات وهو طبيب؟”.

ويقول المسؤول السابق بالوزارة، إن أكبر درس لأهالي طلاب الثانوية العامة الذين يحرضونهم على الغش، أن أبنائهم لن يمروا من أول سنة بكلية الطب، فلماذا لا يشجعونهم على الالتحاق بالكليات التي تناسب قدراتهم.

جدير بالذكر أنه في العام 2025، تقدم للامتحان بشعبة علمي علوم المؤهلة لمجموعة الكليات الطبية، أكثر من 451 ألف طالب وطالبة، من إجمالي 785 ألف طالب متقدم لامتحانات الثانوية العامة في هذا العام، بنسبة تتجاوز الـ57%، ما يفسر صعوبة امتحانات شعبة العلوم، لفرز الطلاب وفقًا لمتطلبات تنسيق القبول بالجامعات.

أرقام “التعليم” لا تعبر عن الحقيقة

وفي كل عام مع إعلان نتيجة الثانوية العامة، تعلن وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني أعداد حالات الغش التي تم ضبطها رسميًا طوال فترة الامتحانات، وتتراوح هذه الأعداد عادة بين العشرات والمئات، لكنها في الواقع لا تكون معبرة عن حقيقة الحالات التي تمكنت من الغش.

فعلى سبيل المثال، كشف التقرير الإحصائي لوزارة التربية والتعليم، الذي أعلنته مع نتيجة الثانوية العامة للعام الدراسي 2024، أنه تم التحقيق في 1061 حالة غش، وكانت محافظتي الدقهلية والجيزة على رأس المحافظات التي ضبطت فيها الحالات.

أما في العام 2025، فلم تعلن وزارة التربية والتعليم الإحصاءات الخاصة بأعداد الحالات التي تم تحويلها للشؤون القانونية بسبب الغش لوسائل الإعلام. لكن التحليل الإحصائي لنتيجة الثانوية العامة، التي يجري تداولها سنويًا متضمنة لجانًا كاملة حصل طلابها على درجات مرتفعة، كشف أن الأعداد التي تقدمها الوزارة بعيدة كثيرًا على الواقع.

وتعاون العديد من الوزارات، مثل الداخلية والاتصالات، وزارة التربية والتعليم فيما يتعلق بتأمين لجان الامتحانات، وتوزيع الأسئلة، وتتبع مجموعات الغش السرية على تطبيقات التواصل، لكن هناك مقترحًا يتم تقديمه كل عام، يتعلق بقيام وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بقطع الإنترنت عن اللجان الامتحانية خلال فترة الامتحانات، وهو ما يلاقي رفضًا مستمرًا.

وفي مايو الماضي، أكد الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات أنه لن يتم قطع خدمة الإنترنت خلال فترة انعقاد امتحانات الثانوية العامة، مشيرًا إلى أن انتظام خدمات الإنترنت يمثل أولوية خاصة في ظل الاعتماد المتزايد على الخدمات الرقمية، وأن أي تعطيل للخدمة قد يؤثر على مصالح المواطنين والمؤسسات.

وهاجم الخبير التربوي، الدكتور محمد كمال، رئيس هيئة الاتصالات بعد تصريحه بعدم قطع الإنترنت خلال امتحانات الثانوية العامة، مطالبًا بإقالته.

وأشار كمال إلى أن وزارة الاتصالات فشلت خلال سنوات في مواجهة الجانب التقني من الغش بالامتحانات، ولم تستطع إغلاق صفحات ومجموعات الغش الإلكتروني، وفي النهاية تطمئن الطلاب الراغبين في الغش بتوفير الشبكة.

وفي يونيو الجاري، أعاد النائب عماد الغنيمي، عضو مجلس النواب، الطلب بالتقدم ببيان عاجل إلى المستشار هشام بدوي رئيس مجلس النواب، بشأن ما وصفه بعدم وجود تنسيق وتعاون كاف بين وزارة الاتصالات ووزارة التربية والتعليم، مطالبًا باتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من ظاهرة الغش الإلكتروني خلال امتحانات الثانوية العامة.

وأكد الغنيمي أن مواجهة الغش الإلكتروني تتطلب إجراءات تقنية استثنائية خلال فترة انعقاد الامتحانات، من بينها التشويش أو حجب خدمات الإنترنت في محيط المدارس التي تضم لجان امتحان ثانوية العامة، وذلك خلال ساعات الامتحان فقط، بما يضمن تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين الطلاب.

ولفت إلى انتشار وسائل الغش الحديثة تمثل تحديًا حقيقيًا أمام منظومة الامتحانات، مشيرًا إلى ارتفاع مبيعات هذه الأجهزة، خلال الأسبوع الأول من الشهر الجاري، ما يستدعي تحركًا حاسمًا للحد من استخدامها داخل اللجان.

في المقابل، يقول الدكتور تامر شوقي، الخبير التربوي وأستاذ علم النفس التربوي بكلية التربية جامعة عين شمس، إن مقترح قطع الإنترنت عن اللجان الامتحانية قد يبدو الأمثل لمواجهة الغش الإلكتروني لكن من الناحية الظاهرية، أما في الواقع هو حل لا يتوافق من الناحية التشريعية والعملية، لأن المدارس متناثرة على مستوى الجمهورية، وملتصقة بالمباني السكنية والشركات، وبالتالي فإن قطع الإنترنت يحرم الأفراد من حقهم في استخدام الأجهزة الرقمية، ويعطل مصالح الشركات.

ويضيف شوقي لـ”زاوية ثالثة”، أن هناك مقترحًا آخر في ذات السياق يتمثل في  تخصيص يومي الجمعة والسبت لامتحانات الثانوية العامة، مشيرًا إلى أنه أيضًا حل غير عملي، لأنه سيؤدي إلى إطالة زمن الامتحانات لمدة شهرين، كما أنه إذا كان يومي الجمعة والسبت إجازة في مصر، فإنهما ليسا إجازة في الدول الأخرى، ما يؤثر على الأعمال المتعلقة بالإنترنت.

ويلفت إلى أن هناك حل وسط يتمثل في استخدام أجهزة تشويش محدود النطاق داخل اللجان الامتحانية، مؤكدًا أن وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات قادرة على تنفيذ هذا الحل، إضافة إلى استخدام أجهزة عالية الدقة في تتبع مصادر الأجهزة التي تنشر أسئلة الامتحانات من داخل لجان الثانوية العامة والوصول إليها في أسرع وقت.

ويقدم الخبير التربوي حل ثالث تمثل في سرعة إغلاق صفحات الغش الإلكتروني التي تظهر على الإنترنت بشكل مستمر، مشيرًا إلى أن الذكاء الاصطناعي سهل هذا الأمر كثيرًا.

البكالوريا: حل مساعد لن يمنع الغش

واعتبارًا من العام الدراسي الماضي 2025/2026، بدأت وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني تطبيق نظام البكالوريا المصرية، كبديل اختياري لنظام الثانوية العامة، ويتميز هذا النظام بالامتحان متعدد الفرص “التحسين”، بدلًا من نظام الفرصة الواحدة الذي تمثله الثانوية العامة.

وروج وزير التربية والتعليم لنظام البكالوريا، باعتباره نظامًا يخفف العبء عن الطلاب وأولياء الأمور، ما يسهم في التقليل من الغش بالامتحانات، لأن الطالب يعلم أن فرصة الامتحان في أي مادة لو فاتته سيكون أمامه فرصة أخرى خلال شهرين، مع الحصول على درجة الامتحان كاملة، وفرصتين أخريين بالعام التالي، مع إمكانية إعادة الامتحان في المواد التي نجح لكن بمجموع أقل من المطلوب.

ووفقًا لنظام الثانوية العامة يدخل الطلاب امتحان الدور الأول بالدرجة الكاملة، وفي حالة الرسوب ودخول امتحان الدور الثاني يكون النجاح في الامتحان بدرجة النجاح فقط، ولا يحق له إعادة السنة بالدرجة الكلية للمادة إلا في مواد الرسوب فقط دون فرصة للتحسين.

في هذا الصدد، يقول المسؤول السابق بوزارة التربية والتعليم، إن أفضل ما في نظام البكالوريا المصرية هو نظام التحسين، لأن نظام الفرصة الواحدة ضاغط للغاية على الطلاب، فأي ظرف طارئ في وقت الامتحانات قد يقضي على مستقبلهم، والكثير من الطلبة المتفوقين ظلموا بسبب نظام الفرصة الواحدة.

وعن تسبب نظام التحسين في ارتفاع مجاميع الطلاب وبالتالي تنسيق القبول بالجامعات، قال المصدر إن التنسيق معيار ثابت، والثانوية العامة ماراثون، صاحب الدرجة الأعلى تكون فرصته أكبر، وبالتالي لا يضر الطلاب أن تقبل كلية الطب مجموع 90% أو 80% ففي النهاية الطلاب الأوائل هم الذين سيتم قبولهم بهذه الكلية.

أما الدكتور عاصم حجازي، يرى إن نظام البكالوريا قد يساهم في التقليل من نسبة الغش لكنه لن يمنعه، لأن ثقافة الغش موجودة، كما أن مجتمعنا مغرم بالمقارنات، وبالتالي سيكون هناك أفضلية للطالب الذي حصل على مجموع مرتفع من المحاولة الأولى، مؤكدًا أن دخول امتحان ثانوية عامة مرتين خلال شهرين أمر شاق للغاية على الطلاب ولن يلجأوا إليه إلا في حالات خاصة.

ويلفت “حجازي” إلى أن تكافؤ الفرص لن يتحقق والغش لن يتم مواجهته إلا إذا تم تطبيق اختبارات إلكترونية، من خلال بنوك أسئلة، تقدم للطلاب امتحانات مختلفة من حيث الأسئلة ومتكافئة في مستوى الصعوبة، مثل امتحانات التحول الرقمي، لكن هذا الأمر يتطلب استعدادات كبيرة ووقت.

ويؤكد أنه طالما وجدت وسيلة تفتح باب الغش سيستمر، وكل الجهود هدفها فقط الحد منه، رغم تكلفتها الكبيرة على الدولة، إلى جانب تكلفة التنظيم الأساسية، معقبًا: “رغم وجود عقوبة الإعدام ضد جريمة القتل، لا يزال المجتمع يشهد مثل هذه الجرائم، فالمخالفات جزء من طبيعة أي مجتمع بشري”.

ورغم عدم الإعلان عن ميزانية امتحانات الثانوية العامة في السنوات الأخيرة، لكنها تجاوزت حاجز المليار جنيه في العام الدراسي 2021/2022، في سبيل التنظيم والتأمين، بينما كان عدد الطلاب 650 ألف طالب فقط، وليس 900 ألف كما هو الحال العام الحالي.

ويقترح الخبير التربوي فرض غرامات مالية كبيرة على أولياء الأمور الذين يضبط أبنائهم في حالة غش، إلى جانب تطبيق القانون الذي يحرم الطالب من الامتحان في مادة أو أكثر، ويعاقب بالسجن والغرامة على كل من يساهم أو يسهل الغش.

ومن جانبه يؤمد المسؤول السابق بوزارة التربية والتعليم، أن امتحانات الثانوية العامة، صراع بين وزارة التربية والتعليم من جهة، والفئة التي ترغب في الغش وتبرره من جهة أخرى، والنجاح في تنظيمها يتمثل في تحقيق نسبة مرتفعة من الانضباط وتكافؤ الفرص بين الطلاب، لكن نسبة 100% لن تتحقق.

ياسمين علي
صحفية مصرية، متخصصة في ملفي التعليم والاقتصاد، عملت في مواقع محلية وإقليمية ودولية.

Search