النفقة مقابل الخدمات: هل تدفع الدولة الآباء للسداد أم تدفعهم خارج سوق العمل؟

حرمان غير المسددين للنفقة من 34 خدمة حكومية بينها التموين ورخص العمل قد يضغط عليهم للسداد، لكنه قد يعطل قدرتهم على كسب الدخل نفسه.
Picture of آية ياسر

آية ياسر

أثار قرار وزارة العدل المصرية الخاص بتعليق الاستفادة من الدعم وعدد كبير من الخدمات الحكومية للمحكوم عليهم في قضايا الامتناع عن سداد النفقة، مؤخرًا، جدلًا واسعًا. ففي حين يراه مراقبون خطوة ضرورية لتعزيز تنفيذ الأحكام القضائية وحماية حقوق النساء والأبناء في النفقات، يعتبره آخرون توسعًا في العقوبات الإدارية، بشكل قد يمس مبادئ دستورية أساسية، وسط تخوفات من تحول الخدمات العامة إلى أدوات عقابية.

القرار الذي نُشر في الجريدة الرسمية في 15 مارس الجاري، يقضي بتعليق الاستفادة من 34 خدمة حكومية تقدمها 11 وزارة، ترتبط بالنشاط المهني أو الاقتصادي للمحكوم عليهم، إلى حين سداد ما تجمد في ذمتهم من دين نفقة، مستندًا إلى نص المادة 293 من القانون رقم 6 لسنة 2020 بتعديل بعض أحكام قانون العقوبات الصادر بالقانون رقم 58 لسنة 1937، والذي أصدره الرئيس عبد الفتاح السيسي، ونُشر في الجريدة الرسمية، مطلع فبراير 2020.

وتنص المادة (293) على أن “كل من صدر عليه حكم قضائي واجب النفاذ بدفع نفقة لزوجه أو أقاربه أو أصهاره أو أجرة حضانة أو رضاعة أو مسكن، وامتنع عن الدفع مع قدرته عليه لمدة ثلاثة أشهر بعد التنبيه عليه بالدفع، يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تتجاوز خمسة آلاف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين. ويترتب على الحكم الصادر بالإدانة تعليق استفادة المحكوم عليه من الخدمات المطلوب الحصول عليها بمناسبة ممارسته نشاطه المهني والتي تقدمها الجهات الحكومية، والهيئات العامة، ووحدات القطاع العام وقطاع الأعمال العام، والجهات التي تؤدي خدمات مرافق عامة، حتى أدائه ما تجمد في ذمته لصالح المحكوم له وبنك ناصر الاجتماعي حسب الأحوال”.

ويشمل التعليق: بوزارة التضامن الاجتماعي وقف إصدار أو تجديد بطاقة الخدمات المتكاملة لذوي الإعاقة؛ وبوزارة الزراعة كارت الفلاح، وصرف الأسمدة، وتسجيل الحصر الزراعي؛ وبوزارة المالية (مصلحة الجمارك) إصدار أو تجديد رخصة التخليص الجمركي.

ويمتد إلى وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة (تركيب العدادات، تغيير اسم المشترك، تصاريح الحفر)، ووزارة التموين (إصدار البطاقات، بدل الفاقد أو التالف، إضافة المواليد)، ووزارة التنمية المحلية (رخص القيادة المهنية، تشغيل المحال، إشغال الطريق، والتراخيص التجارية).

ويطال القرار كذلك وزارة الإسكان وأجهزة المدن الجديدة (تراخيص البناء والتشغيل، المحال والمرافق، التصالح، تخصيص الأراضي، تقنين الأوضاع، وتراخيص الإعلانات والخدمات الإلكترونية)، ووزارة العدل (خدمات الشهر العقاري والتوثيق)، ووزارة السياحة (تراخيص المنشآت ومزاولة النشاط)، ووزارة القوى العاملة (تصاريح العمل بما فيها للأجانب)، إضافة إلى خدمات هيئة المجتمعات العمرانية المرتبطة بالأراضي والمرافق.

ويرى مؤيدو القرار، أنه يمثل أداة جديدة لكسر دائرة التهرب من تنفيذ أحكام النفقة، التي يعاني منها آلاف الأطفال والنساء، كون كثيرًا من الأحكام تظل دون تنفيذ لسنوات، ما يتركهم فريسة لأوضاع اقتصادية صعبة.

 يصف المجلس القومي للمرأة، القرار بالخطوة المهمة لدعم العدالة الأسرية، ويعزز حماية حقوق المرأة والأطفال وضمان حصولهم على النفقة المستحقة، ويحفّز المحكوم عليهم على الوفاء بالتزاماتهم القانونية، مشيدًا في الوقت نفسه بدور بنك ناصر الاجتماعي وصندوق تأمين الأسرة في تسهيل تنفيذ الأحكام.

وتؤكد داليا السنهوري، عضو المجلس القومي للمرأة فرع القاهرة، أن أي حكم قضائي، بما في ذلك أحكام النفقة، يجب تنفيذه وفق القانون، مشيرة إلى أن التحول الرقمي والميكنة يسهلان متابعة الأحكام، ويمكن التحقق من الرخص والخدمات المرتبطة بالفرد، حتى لو كان قد صدر بحقه حكمًا غيابيًا، مما يتيح للطرف المتضرر فرصة للاعتراض أو النقض.

وتوضح لـ”زاوية ثالثة” أن النفقة تُحسب وفقًا للدخل والإيرادات المملوكة للزوج، ويتم تحديد نسبة محددة للنفقة دون المساس بالأساس المالي، مشيرة إلى أن الهدف هو حماية الأطفال وضمان حصولهم على حقوقهم، مشددًة على أهمية أن يرافق تنفيذ القرار حملة توعية وإجراءات تنفيذية واضحة، لافتة إلى أن المجلس القومي للمرأة يقدم دورًا استشاري ويتركز على التوعية والدعم القانوني للنساء.

من جهتها، اعتبرت الدكتورة مايا مرسي، وزيرة التضامن الاجتماعي أن القرار يأتي تنفيذاً لنتائج اللقاء الذي جمعها مع وزير العدل قبل شهر رمضان، والذي ناقش عدة موضوعات منها صندوق نظام تأمين الأسرة التابع لبنك ناصر الاجتماعي، مؤكدة أن ذلك يعكس التنسيق والتكامل بين وزارات الدولة بما يخدم مصلحة المواطن والأسرة.

وأكدت التزام وزارتها بتنفيذ القرار، من خلال وقف إصدار وتجديد بطاقة الخدمات المتكاملة للأشخاص ذوي الإعاقة، وإلزام بنك ناصر الاجتماعي بإبلاغ الجهات المعنية بأسماء الأشخاص الصادر ضدهم أحكام في قضايا النفقة والذين لم يسددوا مستحقاتهم، وكذلك إخطار الجهات بالمُسددين لرفع وقف الخدمات عنهم.

من جانبه يوضح أحمد حنفي، استشاري حماية الطفل بالمجلس القومي للأمومة والطفولة، أن القرار يستهدف بالأساس الأب الذي يتعمد الامتناع عن دفع النفقة، بعد صدور حكم قضائي نهائي ضده، بهدف حماية الأطفال وضمان حصولهم على احتياجاتهم الأساسية، لافتًا إلى أن تأخر حصول الأم على النفقة يمكن أن يستغرق سنوات بسبب الإجراءات القضائية، خاصة إذا حاول الأب التلاعب بالمستندات، مشيرًا إلى تقديم بنك ناصر نفقة تقديرية، توفر مصدر دخل مؤقت للأم حتى انتهاء الإجراءات القضائية النهائية.

ويؤكد “حنفي” على أهمية تنفيذ القرار بشكل دقيق لتجنب الثغرات، مع مراعاة ظروف الأسر المختلفة ووجود آليات لضمان وصول النفقة للأم بطريقة عادلة وسريعة.

النائبة فاطمة عادل، عضو مجلس النواب المصري عن حزب العدل، تقدمت بطلب إحاطة موجّه إلى وزير العدل بشأن القرار، وفي حين اعتبرت أنه يستهدف تعزيز تنفيذ الأحكام وضمان وصول الحقوق المالية للمستحقين، خاصة النساء والأطفال، عبر ربط الحصول على بعض الخدمات العامة بسداد دين النفقة أو تسوية المديونية. تساءلت حول اتساق السياسات التشريعية في ملفات الأحوال الشخصية، لافتة إلى تحديات مشابهة في تنفيذ أحكام الرؤية أو الاستضافة والولاية التعليمية. 

وطالبت النائبة بإحالة طلبها إلى لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية لدراسة الملف وضمان حماية مصلحة الطفل واستقرار الأسرة.

من جهتها تعتبر الدكتورة راندا مصطفى، رئيس لجنة التضامن الاجتماعي والأسرة والأشخاص ذوي الإعاقة في مجلس النواب المصري وأمينة المرأة في حزب حماة الوطن، أن القرار يثير نقاشًا مشروعًا، نظرًا لوجود جانبين مختلفين في تقييمه، أحدهما إنساني يتعلق بحماية حقوق النساء والأطفال؛ باعتباره وسيلة ضغط على بعض الآباء المتهربين من تنفيذ أحكام النفقة وقد يساعد في دفعهم نحو الوفاء بالتزاماتهم المالية تجاه أسرهم، بينما الشق الآخر قانوني يرتبط بمدى دستورية وقانونية هذه الإجراءات وهو ما يختص به خبراء القانون، بحد تعبيرها.

تقول لـ”زاوية ثالثة”: “هناك حالات كثيرة تظل فيها الأسر معلّقة رغم صدور أحكام قضائية بالنفقة، بينما تحصل النساء في بعض الأحيان على مبالغ محدودة من بنك ناصر الاجتماعي لا تتجاوز بضع مئات من الجنيهات شهريًا، وقد يؤدي تعليق بعض الخدمات إلى دفع الآباء نحو الالتزام بمسؤولياتهم الأسرية، ويرتبط إنهاء هذه الإجراءات بسداد الأب النفقة المستحقة عليه”.

وتأمل رئيسة لجنة التضامن في أن تسهم جهود التحول نحو الحكومة الرقمية في ربط الجهات الحكومية المعنية لتسهيل تنفيذ القرار، بما يضمن تطبيقه بصورة أكثر كفاءة، لكنها أبدت في الوقت ذاته تخوفًا بشأن الحالات الاجتماعية الأكثر هشاشة من الآباء، مثل الأشخاص من ذوي الإعاقة أو المستفيدين من برامج الدعم الاجتماعي، الذين قد يكونون غير قادرين فعليًا على السداد، مؤكدة أن هذه الحالات قد تتطلب تدخلًا إنسانيًا من الجهات المختصة عبر إجراء بحث اجتماعي لتقييم ظروفهم.

 

نوصي للقراءة: معاشات منهوبة باسم القانون: أطفال ذوو الإعاقة ضحايا الولاية في مصر


فلسفة عقابية آخذة في التوسع

في المقابل، أثار القرار جدل حقوقي وبرلماني حول آلية تنفيذه وتأثيراته المحتملة؛ إذ يرى معارضوه أن توسيع نطاق الحرمان من الخدمات يثير مخاوف من تحوله إلى عقوبة إدارية إضافية إلى جانب العقوبة القضائية المنصوص عليها في القانون، كما يطرح إشكاليات تتعلق بمبدأ شخصية العقوبة إذا امتد أثر التعليق إلى أفراد الأسرة أنفسهم.

وتنص المادة (95) من الدستور المصري على أن: “العقوبة شخصية، ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا توقع عقوبة إلا بحكم قضائي، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون”، ما يطرح تساؤلًا حول ما إذا كان تعليق الخدمات سيؤدي بالفعل إلى ضمان وصول النفقة إلى النساء والأطفال، أم يخلق إشكالات جديدة إذا أثّر على قدرة المدين على العمل أو استخراج أوراق لازمة لكسب رزقه؟.

في السياق ذاته يعتبر المحامي الحقوقي والمرشح الرئاسي السابق، خالد علي، أن القرار الأخير يكرّس لفلسفة عقابية آخذة في التوسع داخل التشريع المصري منذ سنوات، كذلك يُثير نقاشًا واسعًا لا يتعلق فقط بجدواه، بل بطبيعته القانونية وآثاره الاجتماعية والسياسية، ومدى ترسيخه لنمط من العقوبات الإدارية التي تتجاوز الإطار التقليدي لتنفيذ الأحكام القضائية، مُبيّنًا أن القرار لم يصدر في فراغ تشريعي، إذ يستند إلى تعديل سابق على قانون العقوبات المصري بموجب القانون رقم 6 لسنة 2020، الذي عدّل المادة 293 الخاصة بجريمة الامتناع عن سداد النفقة، وشدد العقوبة وأجاز وقف بعض الخدمات الحكومية عن الممتنع عن السداد كوسيلة ضغط لتنفيذ الحكم.

ويقول، في تدوينة عبر حسابه على موقع فيسبوك، إن “وجود أساس تشريعي لا يعني أن التطبيق الإداري يصبح بمنأى عن النقد، والنقاش الحقيقي يتعلق بحدود هذا السند القانوني وطبيعة الخدمات التي يشملها الوقف، ومدى التزام القرار بمبادئ التناسب والضرورة ومنع التعسف واحترام الحقوق الدستورية”.

وبينما يؤكد أن النفقة تمثل في كثير من الحالات موردًا أساسيًا للمعيشة بالنسبة للزوجة أو الأبناء، ومن ثم يمكن تفهّم تشديد وسائل إلزام المدين بالسداد لحماية الطرف الأضعف ومنع التحايل على الأحكام القضائية؛ فإنه يُحذّر في الوقت نفسه من أن تتحول وسائل التنفيذ إلى آلية عقابية ممتدة قد تعوق قدرة المدين على العمل أو الكسب، بما قد يؤدي عمليًا إلى تعثره في سداد الدين بدلًا من إلزامه به.

ويعتبر أن وقف بعض الخدمات غير الأساسية قد يندرج ضمن وسائل الضغط المقبولة، لكن التوسع في تعليق عدد كبير من الخدمات دون تمييز قد يثير شبهة الإخلال بمبدأ التناسب، خاصة إذا مسّ خدمات ضرورية للحياة اليومية أو للعمل أو العلاج، داعيًا لمراعاة حالات العجز الحقيقي عن السداد، والتمييز بينها وبين حالات الامتناع المتعمد، وتوفير آليات واضحة وسريعة للتظلم، ومراجعة دورية لقرارات وقف الخدمات، كي لا يفتح الباب لتكريس نموذج إداري يقوم على استخدام الخدمات العامة كوسيلة ضغط.

ويشرح حمدي أحمد رزق، المحامي بالاستئناف ومجلس الدولة المصري، أن قرار وزير العدل يستند في الأصل إلى التعديل الذي أُدخل على المادة 293 عام 2020، بينما تفعيل هذه الآلية جاء متأخرًا نحو ست سنوات منذ صدور التعديل، والذي استهدف تشديد الإجراءات بحق الممتنعين عن تنفيذ أحكام النفقة، مُبينًا أن القرار حظي بترحيب من الأمهات اللاتي يواجهن صعوبات كبيرة في تحصيل نفقات الأطفال، إذ قد تستغرق إجراءات التنفيذ سنوات، ما يدفعهن للاعتماد على ما يصرفه بنك ناصر الاجتماعي من نفقات مؤقتة.

رغم ذلك يتحفظ على تعليق ببعض الخدمات التي قد تمس أشخاصًا آخرين غير المدين بالنفقة، مثل: بطاقة التموين، إذ قد يؤدي وقف الدعم إلى تضرر باقي أفراد الأسرة المستفيدين من البطاقة، بجانب تركيز القرار على الخدمات المتعلقة بأنشطة مهنية أو اقتصادية، متسائلًا عن كيفية التعامل مع باقي الفئات التي قد تمتنع عن سداد نفقات أطفالها دون أن يشملها نطاق الخدمات الموقوفة.

ويتوقع أن يواجه القرار تحديات عملية في التنفيذ، موضحًا أن تطبيقه يتطلب ثبوت الامتناع عن السداد لمدة ثلاثة أشهر، إضافة إلى عدم وضوح الآليات الإجرائية لإبلاغ الجهات المختلفة بالأحكام الصادرة، مضيفًا أن “النصوص القانونية قد تبدو جيدة على الورق، لكنها كثيرًا ما تصطدم بتحديات التطبيق الفعلي على أرض الواقع، ومعالجة أزمة النفقة تتطلب إصلاحات أوسع في منظومة التقاضي والتنفيذ، لأن العدالة البطيئة في حد ذاتها شكل من أشكال الظلم”.

ويعتبر المحامي هاني سامح، عضو لجنة الحريات بنقابة المحامين، أن تعليق استفادة المحكوم عليهم في قضايا الامتناع عن سداد النفقة من بعض الخدمات الحكومية قد يتعارض مع الضمانات الدستورية، حتى لو كان الهدف منه حماية حق الطفل في النفقة، لأنه يمس حقوقًا وخدمات أساسية للمواطنين، مشيرًا إلى أن النظم القانونية في معظم الدول المتقدمة تعتمد في قضايا المديونيات على إجراءات تنفيذية مباشرة لضمان السداد، مثل الحجز على الأرصدة البنكية أو اقتطاع جزء من الرواتب، بما يتسق مع مبادئ العدالة.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “حماية حقوق الأطفال في النفقة هدف مشروع، لكن ينبغي تحقيقه من خلال آليات قانونية متوازنة تضمن تحصيل الحقوق دون المساس بالحقوق الدستورية الأساسية للمواطنين”

ويُبيّن أن إنهاء آثار التعليق في حال سداد النفقات يتطلب إجراءات رسمية، إذ يجب تقديم شهادة قضائية تثبت الصلح، إلى جانب شهادة براءة ذمة من بنك ناصر الاجتماعي، حتى يتم رفع التعليق واستعادة الاستفادة من الخدمات.

وبحسب قرار وزير العدل يخطر بنك ناصر الاجتماعي الجهات فورًا بأسماء المحكوم عليهم المدينين، ويستمر التعليق حتى تقديم شهادة براءة ذمة من الدين، كما يجوز لوزير العدل إضافة أو حذف خدمات/جهات مستقبلًا.

 

نوصي للقراءة: معاشات “تكافل وكرامة” بين وعود التوسع وواقع التعليق: من يحمي الأشد فقرًا؟


لا يضمن نفقة مستقرة للطفل

بحسب  انتصار السعيد، المحامية الحقوقية ورئيسة مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، يمكن فهم قرار وزير العدل في سياق محاولة الدولة معالجة مشكلة مزمنة تعاني منها آلاف النساء والأطفال، تتمثل في صعوبة تنفيذ أحكام النفقة والتهرب من سدادها، الأمر الذي يوقعهم في أوضاع اقتصادية صعبة، لكنه يثير في الوقت نفسه تساؤلاتٍ قانونية مهمة، إذ قد يتحول تعليق بعض الخدمات الحكومية كوسيلة ضغط إلى إجراء إداري ذي طابع عقابي إذا لم يكن مرتبطًا بضمانات قانونية واضحة وإجراءات تحقق دقيقة.

 وتؤكد أن الأصل في دولة القانون أن تكون العقوبات محددةً بنصوص تشريعية واضحة وأن تصدر عبر القضاء، لا من خلال قرارات إدارية عامة قد تُطبق على حالاتٍ متفاوتة الظروف، مشيرة إلى أن الهدف المعلن من القرار هو حماية حقوق الطفل، وهو هدفٌ مشروع ومهم، لكن فعاليته في تحقيق هذا الهدف تعتمد بدرجةٍ كبيرة على كيفية تطبيقه عمليًا.

تقول لـ”زاوية ثالثة”: ” تعليق الخدمات قد يدفع بعض الممتنعين عن السداد إلى الالتزام بالنفقة، لكنه لا يمثل ضمانًا كافيًا بمفرده لوصول النفقة بانتظام، لأن المشكلة الأساسية في مصر لا تقتصر على الامتناع عن الدفع فقط، بل تمتد أيضًا إلى بطء إجراءات التنفيذ وضعف آليات التحصيل، وحماية الطفل تتطلب منظومةً أوسع تشمل سرعة تنفيذ الأحكام، ودورًا أكثر فاعليةً لصندوق تأمين الأسرة، وآليات متابعةٍ مالية تضمن الاستمرارية”.

وتوضح أن حكم النفقة العادي هو حكمٌ يصدر من محكمة الأسرة ويلزم الأب أو الملزم قانونًا بالنفقة بدفع مبلغٍ محددٍ لصالح الزوجة أو الأطفال؛ أما المادة 293 من قانون العقوبات فتتعامل مع حالةٍ مختلفة، وهي الامتناع عن تنفيذ حكم النفقة رغم القدرة على الدفع، إذ يتحول الأمر في هذه الحالة من نزاعٍ مدني إلى جريمة جنائية يعاقب عليها القانون بالحبس أو الغرامة، لكنها تحذر في الوقت ذاته من أن التطبيق غير الدقيق قد يؤدي إلى آثار اجتماعية غير مقصودة، مثل تعطيل قدرة الشخص على العمل أو استخراج أوراق لازمة لكسب الرزق، وهو ما قد يفاقم المشكلة بدلًا من حلها، ما لم يكن الإجراء متدرجًا ومقترنًا بتقييم دقيق لكل حالة.

وترى المحامية الحقوقية أن تحقيق التوازن بين حماية حقوق الأطفال وتجنب العقوبات المفرطة يمكن أن يتم عبر التحقق من القدرة الفعلية على الدفع قبل فرض أي إجراءٍ تقييدي، وتطبيق الإجراءات بشكلٍ تدريجي، وإتاحة مسارات واضحة للتسوية أو تقسيط المديونية؛ بحيث يكون تحصيل النفقة لصالح الطفل، وليس مجرد معاقبة المدين.

وتضيف: “نجاح القرار يعتمد على شفافية آليات التنفيذ والتحقق من الملاءة المالية، عبر مراجعة مصادر الدخل أو الممتلكات أو النشاط الاقتصادي، ووجود قواعد واضحة تحدد الجهة المسؤولة عن تحديد حالات الامتناع، وكيفية إدراج الأسماء في قوائم تعليق الخدمات، وتوضيح المدة الزمنية والإجراءات اللازمة لرفع التعليق بعد السداد، مع وجود آلية واضحة للطعن، وغياب هذه الضوابط قد يفتح الباب أمام أخطاء إدارية أو تطبيق غير عادل”.

وتشير إلى أن مصر طرفٌ في اتفاقية حقوق الطفل، التي تلزم الدول باتخاذ التدابير اللازمة لضمان حصول الأطفال على النفقة من والديهم، مؤكدة أن تحسين منظومة النفقة يتطلب حلولًا أوسع من مجرد العقوبات، من بينها تعزيز دور بنك ناصر الاجتماعي وصندوق تأمين الأسرة في صرف النفقة فورًا للأطفال، وإنشاء نظامٍ فعالٍ لتتبع الدخل والتحصيل المباشر من الأجور، وتسريع إجراءات محاكم الأسرة وتنفيذ الأحكام، إضافةً إلى توفير آلياتٍ للتسوية وجدولة الديون، بما يضمن حياة كريمة ومستقرة للأطفال بعد الطلاق.

من جانبه، يبدي المحامي والباحث الحقوقي عبد الرازق مصطفى، تحفظه على طريقة تطبيق القرار، بسبب حرمان المواطنين من بعض أشكال الدعم الاجتماعي، ما يمثل عبئًا إضافيًا على الفئات الأكثر هشاشة اقتصاديًا، محذرًا من التوسع في استخدام العقوبات الإدارية دون توافر بنية مؤسسية وتقنية قادرة على إدارة هذه الإجراءات بكفاءة،  حتى لا يحدث ارتباك إداري واسع، يؤثر على قدرة المواطنين على إنجاز معاملاتهم الأساسية، مشيرًا إلى أن التجارب الدولية التي طبقت مثل هذه الآليات سبقتها مراحل طويلة من التوعية المجتمعية وتجهيز البنية التحتية الرقمية وربط قواعد البيانات بين الجهات الحكومية.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: ” توقيع أكثر من عقوبة على الفعل نفسه للشخص الصادر بحقه حكمًا قضائيًا،  يثير إشكالية تتعلق بمبدأ عدم جواز المعاقبة مرتين على الفعل ذاته، وهو مبدأ مستقر في الفقه القانوني”

ويؤكد أن حماية حقوق الأطفال وضمان حصولهم على النفقة تظل هدفًا مشروعًا يتسق مع التزامات مصر الدولية، خاصة في ضوء اتفاقية حقوق الطفل، إلا أن تحقيق هذا الهدف يتطلب تصميم سياسات متوازنة تضمن تنفيذ الأحكام القضائية دون التوسع في إجراءات قد تُفاقم الأعباء الاقتصادية على بعض الأسر.

وتعتبر مديرة برنامج الوصول إلى العدالة في مؤسسة قضايا المرأة المصرية، جواهر الطاهر، أن أي إجراء يهدف إلى ضمان حصول الأطفال والنساء على النفقة يُعد خطوة إيجابية، لأن الامتناع عن سداد النفقة يمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه تنفيذ الأحكام القضائية في مصر، لكن هذه الإجراءات ينبغي أن تأتي ضمن منظومة متكاملة لضمان تنفيذ الأحكام، لا تقتصر على فرض عقوبات إدارية فقط، دون وجود ضوابط واضحة لتحديد ما إذا كان المدين يمتنع عن السداد رغم قدرته المالية، أو أنه غير قادر فعليًا على الدفع.

تقول لـ”زاوية ثالثة”: ” القرار وحده لن يضمن حصول الأطفال على نفقة مستقرة، وحماية حقوقهم تتطلب تسريع إجراءات التقاضي، وتفعيل دور صندوق تأمين الأسرة، ومراجعة قيمة المبلغ الذي يصرفه بنك ناصر الاجتماعي في حالات صرف النفقة، والذي لا يتجاوز في الوقت الحالي 500 جنيه مهما كان مقدار النفقة المحكوم بها”.

وبحسب بيانات رسمية هناك 245 ألف حكم نفقة بداية من 2004 وحتى 30 يونيو 2020، ويتجاوز إجمالي ما تم صرفه من صندوق تأمين الأسرة التابع لبنك ناصر الاجتماعي، للمستفيدين من النفقات، بأحكام قضائية، نحو 7.8 مليار جنيه مصري حتى عام 2025، لتغطية أحكام النفقة لإجمالي 409 آلاف مستفيدة، إذ يقوم البنك بدفع مبلغ 500 جنيه شهريًا، كحد أقصى، لحين تحصيل المبلغ كاملًا من المحكوم ضده.

وسبق أن أطلق بنك ناصر، مبادرة بتوجيهات من نيفين القباج وزيرة التضامن الاجتماعي السابقة، لتعديل الموقف الإئتماني  وإلغاء القائمة السوداء ورفع حظر التعامل عن مديني النفقة، وتسهيل حرية تعاملهم مع القطاع المصرفي والتصالح في جميع القضايا الجنائية المرفوعة ضدهم في حالة سداد المديونية والانتظام في دفع النفقة.

وترى مديرة برنامج الوصول إلى العدالة في مؤسسة قضايا المرأة المصرية أن حرمان المدين بالنفقة من بعض الخدمات الحكومية قد يكون وسيلة فعالة مع الأشخاص القادرين ماليًا الذين يتعمدون المماطلة في السداد، لكنها تحذر من أن تطبيق هذه الإجراءات بشكل واسع دون تقييم دقيق للحالة الاقتصادية قد يؤدي إلى نتائج عكسية، عبر تقييد قدرة الشخص على العمل أو استخراج التراخيص اللازمة لكسب الدخل.

وتعتقد جواهر أن تحقيق التوازن بين حماية حقوق الأطفال وتجنب العقوبات المفرطة يمكن أن يتم من خلال التحقق من القدرة الفعلية على الدفع، والتدرج في الإجراءات من التنبيه إلى الجزاءات، مع ضمان ألا تؤثر العقوبات على قدرة الشخص على العمل وكسب الدخل، وإتاحة آليات للتقسيط أو التسوية في حال وجود صعوبات مالية، بما يضمن وصول النفقة إلى الطفل، وليس مجرد معاقبة المدين، شريطة وجود قواعد واضحة لتبادل البيانات بين المحاكم والجهات الحكومية، وإجراءات مراجعة ورقابة تضمن عدم وقوع أخطاء أو تطبيق تعسفي للقرار.

وتدعو “جواهر” إلى إصلاحات أوسع، تشمل زيادة المبلغ الذي يصرفه بنك ناصر الاجتماعي، وتفعيل دور صندوق تأمين الأسرة ليصبح قادرًا على صرف النفقة فورًا ثم استردادها من المدين، إلى جانب تسريع إجراءات تنفيذ الأحكام، وتطوير نظامٍ لتتبع الدخل الحقيقي للملزم بالنفقة، وتقديم خدمات دعم اجتماعي وقانوني للأسر لضمان استقرار حياة الأطفال.

وختامًا يكشف قرار وزارة العدل عن معادلة شائكة بين هدف مشروع يتمثل في حماية حقوق الأطفال وضمان حصولهم على النفقة، وبين مخاوف حقيقية تتعلق بحدود العقاب الإداري ومدى اتساقه مع المبادئ الدستورية، خاصة مبدأ التناسب وشخصية العقوبة وعدم ازدواجها. 

وبينما يراهن صانع القرار على فاعلية الضغط الإداري في كسر دائرة التهرب من تنفيذ الأحكام، يظل نجاح هذه الآلية مرهونًا بوجود بنية تنفيذية دقيقة، وضوابط واضحة تميّز بين المتعمدين في الامتناع وغير القادرين على السداد، إلى جانب إتاحة مسارات عادلة للتظلم والتسوية، حتى لا يفاقم القرار معاناة بعض الأسر.

آية ياسر
صحافية وكاتبة وروائية مصرية حاصلة على بكالوريوس الإعلام- جامعة القاهرة.

Search