اعتبارًا من أول يوليو 2026، وتزامنًا مع بداية العام المالي الجديد 2026/2027، أقرت الحكومة زيادة جديدة على أجور العاملين بالدولة، ليرتفع الحد الأدنى للدرجة السادسة (أقل الدرجات على السلم الوظيفي الحكومي) من 7 آلاف إلى 8 آلاف جنيه شهريًا، بزيادة تبلغ نحو 14.3%، فيما تدرجت الحدود الدنيا لباقي الدرجات حتى تصل إلى 14.5 ألف جنيه للدرجة الممتازة.

ورغم تقديم الزيادة باعتبارها إحدى أدوات تحسين دخول العاملين ومواجهة أعباء المعيشة، فإنها تكشف في الوقت نفسه عن فجوة قائمة داخل سوق العمل نفسه، فالموظف الحكومي الأقل على سلم الدرجات أصبح الحد الأدنى لإجمالي أجره 8 آلاف جنيه، بينما ظل الحد الأدنى المقرر للعاملين بالقطاع الخاص عند 7 آلاف جنيه، وفق آخر قرار للمجلس القومي للأجور، دخل حيز التنفيذ في مارس 2025.
ويستفيد من منظومة أجور العاملين بالدولة نحو 5.5 مليون موظف، وفق البيانات الحكومية المنشورة خلال 2026، وقد خصصت الموازنة الجديدة نحو 822.8 مليار جنيه لبند أجور وتعويضات العاملين بالدولة في العام المالي الجاري.
وحدد قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 2170 لسنة 2026، الصادر في يوليو الماضي، الحد الأدنى لإجمالي الأجر وفقًا للدرجة الوظيفية، من 8 آلاف جنيه للدرجة السادسة، و8,250 للخامسة، و8,500 للرابعة، و8,750 للثالثة، و9 آلاف للثانية، و9,500 للأولى، وصولًا إلى 11,250 لدرجة مدير عام، و12,250 للدرجة العالية، و14,500 للدرجة الممتازة، وبذلك، يتدرج الحد الأدنى الحكومي بحسب الدرجة الوظيفية، ولا يمثل راتبًا موحدًا لجميع العاملين. نص القرار الرسمي
بالإضافة إلى ذلك، لا يتعامل القرار مع الـ8 آلاف باعتبارها راتبًا أساسيًا يتقاضاه الموظف نقدًا بالضرورة، وإنما باعتبارها حدًا أدنى لـ«إجمالي الأجر»، فإذا كان إجمالي ما يحصل عليه الموظف من مكونات الأجر أقل من الحد المقرر لدرجته، يستحق حافزًا تكميليًا يمثل الفرق، مع احتساب بعض البدلات والحوافز والمزايا النقدية وفق الضوابط المحددة في القرار.
وبالتالي، فإن زيادة الحد الأدنى الحكومي لا تعني بالضرورة أن كل موظف حصل على زيادة صافية قدرها ألف جنيه، بل تختلف الزيادة الفعلية بحسب الدرجة، ومكونات الأجر، والحوافز والبدلات التي تدخل في حساب إجمالي الأجر.
ويرى رئيس المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، مالك عدلي، أن تقييم مدى كفاية الحد الأدنى للأجور لا ينبغي أن يقتصر على مقارنة الرقم المعلن بمعدلات التضخم، وإنما يجب أن يستند إلى قياس حقيقي لتكاليف المعيشة واحتياجات الأسرة، معتبرًا أن الحد الأدنى البالغ 8 آلاف جنيه لا يكفي لتوفير حياة كريمة لأسرة مكونة من أربعة أفراد بحد أدنى على سبيل المثال.
ويوضح عدلي، في تصريحات لـ«زاوية ثالثة»، أن هناك أكثر من طريقة لقياس مدى ملاءمة الحد الأدنى للأجور، من بينها احتساب «سلة الغذاء» وقياس احتياجات الأسرة الأساسية، لافتًا إلى أن قياس القدرة الشرائية يمكن أن يتم من خلال إعداد سلة للسلع والخدمات الأساسية التي تحتاجها الأسرة، ومقارنة تكلفتها بقيمة الأجر، إلى جانب الاستناد إلى مؤشرات أخرى مثل قيمة العملة ومعدلات التضخم.
ويشير إلى أن المركز سبق أن أعد دراسة اقتصادية قُدمت إلى مجلس الدولة في إحدى قضايا الحد الأدنى للأجور، وكانت تعتمد على فكرة «سلة الغذاء» واحتياجات الأسرة، موضحًا أن الدراسة افترضت أسرة مكونة من أربعة أفراد، تحتاج إلى الغذاء والتعليم والمواصلات وغيرها من الاحتياجات الأساسية لن يكفيها 8 ألاف في الوقت الراهن.
ومن جانبه يرى شعبان خليفة، رئيس نقابة العاملين بالقطاع الخاص، إن الحد الأدنى للأجور «ليس منحة من الحكومة ولا تفضلًا من صاحب العمل، وإنما حق دستوري والتزام قانوني واجب التنفيذ»، مشددًا على ضرورة أن تدرك الحكومة أن العامل المصري له حق أصيل في الحصول على أجر عادل يتناسب مع تكاليف المعيشة ويضمن له ولأسرته حياة كريمة.
ويوضح في تصريحات لـ«زاوية ثالثة»، أن المادة 12 من الدستور تنص على أن “العمل حق وواجب وشرف تكفله الدولة”، مؤكدًا أن أداء العمل يجب أن يكون بمقابل عادل، فيما تلزم المادة 13 “الدولة بالحفاظ على حقوق العمال وبناء علاقات عمل متوازنة بين طرفي العملية الإنتاجية”.
ويشير إلى أن المادة 27 جاءت أكثر وضوحًا في هذا الشأن، إذ ألزمت النظام الاقتصادي اجتماعيًا بتحقيق تكافؤ الفرص والتوزيع العادل لعوائد التنمية وتقليل الفوارق بين الدخول، وتنص على: “أن يهدف النظام الاقتصادي إلى تحقيق الرخاء في البلاد عبر التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية”.
زيادات متتالية.. هل يشعر بها المواطن؟
شهد الحد الأدنى لأجور العاملين بالدولة زيادات متتالية خلال السنوات الخمس الأخيرة، إذ ارتفع من 2400 جنيه شهريًا في 2021 إلى 8000 جنيه اعتبارًا من يوليو 2026، بزيادة قدرها 5600 جنيه، أو نحو 233% خلال خمس سنوات.
وجاءت الزيادة على مراحل، فبلغ الحد الأدنى 2700 جنيه في 2022، ثم 3000 جنيه مطلع 2023، قبل أن يرتفع إلى 4000 جنيه في أكتوبر من العام نفسه، ثم إلى 6000 جنيه في 2024، و7000 جنيه في 2025، وصولًا إلى 8000 جنيه في العام الحالي.

وبالنسبة للقطاع الخاص، بدأ الحد الأدنى في يناير 2022 عند 2400 جنيه، ثم ارتفع إلى 2700 جنيه في يناير 2023، و3000 جنيه في يوليو من العام نفسه، و3500 جنيه في يناير 2024، ثم قفز إلى 6000 جنيه في مايو 2024، قبل أن يصل إلى 7000 جنيه في مارس 2025.

وفي حين تبدو الزيادات كبيرة، لكن النظر إلى الأسعار يغير الصورة، فبحسب بيانات البنك الدولي، بلغ متوسط التضخم السنوي في مصر نحو 5.2% في 2021، ثم ارتفع إلى 13.9% في 2022، و33.9% في 2023، و28.3% في 2024، قبل أن يتراجع إلى 14.1% في 2025.
وبحساب مركب لمعدلات التضخم السنوية المذكورة، يرتفع مستوى الأسعار بنحو 135%، لا 146%، خلال الفترة 2021–2025؛ أي إن سلة قيمتها 100 جنيه في سنة الأساس السابقة للفترة تبلغ نحو 235 جنيهًا في نهايتها. وهذا حساب تقريبي باستخدام المتوسطات السنوية المقربة، وليس قياسًا لتكلفة كل سلعة أو لتحرك الأسعار بين يومين محددين.
بلغت نسبة الفقر 29.7% وفق بحث الدخل والإنفاق لعام 2019–2020. ولا يجوز عرض هذا الرقم التاريخي بوصفه قياسًا آنيًا لعام 2026؛ فقد أورد البنك الدولي في تقرير أبريل 2025 تقديرًا يبلغ 33.5% لعام 2021–2022، اعتمادًا على بيانات رسمية. وتختلف سنة القياس والمنهجية عن تصريحات سياسية تقريبية تشير إلى نحو 29%. تقرير البنك الدولي — أبريل 2025
ويتركز الفقر بشكل لافت في محافظات الصعيد، حيث سجّلت محافظات مثل أسيوط وسوهاج والمنيا نسب فقر تتجاوز 50% من السكان في بعض المناطق بحسب بيانات الإحصاء.
ويرى شعبان خليفة أن القيمة الحقيقية للأجر لا تُقاس بالرقم الاسمي، بل بقدرته الفعلية على تلبية متطلبات المعيشة الأساسية من غذاء وسكن ورعاية صحية وتعليم. ويوضح أن اضطرار العامل لشغل أكثر من وظيفة لتأمين احتياجات أسرته يعكس خللًا عميقًا في العدالة الاجتماعية، مشيرًا إلى أن النقابة دعت إلى دراسة جادة وعاجلة لرفع الحد الأدنى لأجور القطاع الخاص إلى 10 آلاف جنيه شهريًا، اتساقًا مع نص قانون العمل الجديد الذي يُلزم المجلس القومي للأجور بمراعاة تقلبات التضخم وتكاليف المعيشة.
وفيما يتعلق بآليات التقييم، يشير خليفة إلى أن المقارنات الدولية للأجور ينبغي أن تُبنى على معيار القوة الشرائية واختلاف مستويات الأسعار، لا على مجرد تحويل العملات، مستشهدًا بالتفاوت السائد بين دول الاتحاد الأوروبي واعتماد بعضها على اتفاقيات العمل الجماعية القطاعية، مطالبًا الحكومة بعدم تحميل العمال فاتورة الأزمات الاقتصادية، مؤكدًا أن خفض تكلفة الإنتاج لا يجوز أن يأتي على حساب تكلفة حياة العامل.
ومن جهته يوضح مالك عدلي في هذا السياق أن المقارنة بين قيمة الحد الأدنى للأجور في فترات زمنية مختلفة يجب أن تأخذ في الاعتبار التغير في القوة الشرائية للعملة، مشيرًا إلى أن الحد الأدنى للأجور عندما كان 1,200 جنيه كانت قيمة الدولار وقتها في حدود 5 جنيهات، أي أن المبلغ كان يعادل نحو 240 دولارًا، عند افتراض سعر صرف قدره خمسة جنيهات للدولار.
ويضيف: «إذا أردنا قياس القوة الشرائية، فلا يمكن أن ننظر إلى الرقم الاسمي وحده. يجب أن نقارن قيمة الأجر في لحظة معينة بقيمته في لحظة أخرى، سواء من خلال سعر العملة أو من خلال سلة السلع والخدمات التي يستطيع العامل شراءها»، موضحًا أن قياس الأجر بسلة الغذاء أكثر ارتباطًا باحتياجات المواطنين اليومية، إذ يمكن تحديد مكونات الغذاء الصحي لأسرة مكونة من أربعة أفراد، ثم حساب تكلفته ومقارنتها بالدخل المتاح للأسرة.
ويتابع: «إذا كانت الأسرة لديها طفلان، فمن المفترض أن يحصل أفرادها على احتياجات غذائية أساسية ومتوازنة، ومن الصعب أن تكون ميزانية الغذاء وحدها في حدود تسمح بأن يكفي إجمالي دخل الأسرة البالغ 8 آلاف جنيه لجميع احتياجاتها».
ويوضح عدلي أن افتراض عمل شخصين في الأسرة المكونة من أربعة أفراد وتحصيلهما للحد الأدنى (16 ألف جنيه إجمالًا) لا يحسم المشكلة، متسائلًا عن مدى كفاية هذا المبلغ لتغطية سلة المتطلبات الأساسية من غذاء، وسكن، وتعليم، وصحة، ومرافق، فضلاً عن الادخار أو سداد الأقساط، مؤكدًا على ضرورة ربط الأجور بمعدلات التضخم الحقيقية وتفاوت الأسعار في الأسواق.
ويشير إلى أن تراجع القدرة الشرائية يدفع الأسر نحو استهلاك سلع أرخص وأقل جودة أو مجهولة المصدر، مما ينجم عنه “تكلفة مخفية” تتمثل في تدهور صحة المواطنين وارتفاع نفقات العلاج مستقبلاً، وهي أعباء لا تظهر في حسابات الحد الأدنى الرسمية لكن تتحملها الأسرة بالكامل ما يعرف باسم «الخسائر المخفية».
ويبيّن عدلي أن كفاية الأجر ترتبط بمدى فاعلية الخدمات العامة؛ فوجود نقل عام بأسعار مناسبة، وتأمين صحي شامل، وضبط لأسعار العلاج الخاص يخفف الأعباء المالية. وأضاف أن “مجانية التعليم الرسمية” لا تعكس التكلفة الفعلية، إذ تتحمل الأسرة أعباءً باهظة تشمل المستلزمات، والملابس، والمواصلات، والدروس الخصوصية، مما يستوجب مراعاة هذه التفاصيل عند تحديد حد كفاف الأسرة.
ملايين خارج مظلة الحد الأدنى
في المقابل، يعيش الجزء الأكبر من سوق العمل المصري خارج الجهاز الحكومي، ووفق بيانات مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، بلغ عدد العاملين في القطاع الخاص نحو 24.6 مليون مشتغل من إجمالي 29.9 مليون مشتغل في 2024، بما يمثل نحو 82.3% من إجمالي المشتغلين، وتتركز نحو 45% من هذه العمالة في العمل المستقل خارج المنشآت.
وكان المجلس القومي للأجور قرر في فبراير 2025 رفع الحد الأدنى لأجر العاملين في القطاع الخاص إلى 7 آلاف جنيه اعتبارًا من أول مارس 2025، مقارنة بـ6 آلاف جنيه سابقًا، فيما حدد علاوة دورية بحد أدنى 3% من أجر الاشتراك التأميني وبما لا يقل عن 250 جنيهًا شهريًا، ووضع للمرة الأولى حدًا أدنى لأجر العمل لبعض الوقت عند 28 جنيهًا للساعة.
لكن هذا الحد لا يغطي كل من يُصنَّفون إحصائيًا ضمن «العاملين في القطاع الخاص»، فهناك العاملون داخل منشآت خاضعة لقانون العمل، وهناك العاملون خارج المنشآت، فضلًا عن العمالة غير المنتظمة والعمل لحساب النفس والعمل الأسري غير المدفوع.
وتوضح بيانات بحث القوى العاملة لعام 2024 حجم الفجوة بين «المشتغلين» و«المشتغلين بأجر»: فقد بلغ إجمالي المشتغلين 29.928 مليون شخص، بينما بلغ عدد المشتغلين بأجر 21.748 مليونًا فقط؛ أي أن ما يزيد على 8 ملايين شخص من المشتغلين لا يظهرون ضمن فئة العاملين بأجر، وإنما يتوزعون بين أصحاب الأعمال والعاملين لحسابهم والعاملين لدى الأسرة أو الغير دون أجر.
ويشمل العمل خارج المنشآت أو العمل غير الرسمي أنشطة مثل العمل اليومي والحرف والنقل والزراعة والبيع الجائل. لكن عدم انتظام العمل لا يعني تلقائيًا الاستثناء القانوني من الحد الأدنى؛ إذ تختلف الحماية باختلاف صفة العامل ووجود علاقة عمل خاضعة للقانون، بينما لا يُعامل صاحب العمل أو العامل لحسابه باعتباره أجيرًا لدى منشأة.
ولا يستفيد أصحاب المعاشات من زيادة أجور الموظفين تلقائيًا، كما تختلف أوضاع العاملين بالمنازل والمهن الحرة والعمل الأسري غير المدفوع عن أوضاع العاملين بأجر. وتظهر المشكلة حين يعمل أشخاص في علاقات عمل فعلية دون عقود أو رقابة أو حماية اجتماعية كافية.
ومن جانبه يرى مالك عدلي أن هناك اختلال هيكلي في سوق العمل المصري، يتجلى في حرمان قطاع واسع من العاملين في الاقتصاد غير الرسمي من الحماية، مثل عمال التوصيل (الدليفري) الذين يُتفق معهم عبر “عقود تقديم خدمات” بدلاً من عقود عمل رسمية.
ويشير إلى أن ضعف التنظيم العمالي يزيد من هشاشة موقف العامل أمام صاحب العمل، مشددًا على أن المعالجة الحقيقية تتطلب إصلاحًا هيكليًا لمنظومة الأجور وعلاقات العمل، لأن العامل لا يعيش بالرقم المدون في القرارات، بل بما يؤمنه هذا الرقم له ولأسرته من حياة كريمة.
مؤسسات لا تلتزم
إلى جانب الاقتصاد غير الرسمي، توجد منشآت في القطاع الخاص لا تلتزم بالحد الأدنى رغم خضوع العاملين فيها لأحكامه. ولا تجعل صعوبة الوضع الاقتصادي أو صغر حجم المنشأة العامل مستثنى تلقائيًا من الحق المقرر.
ففي يناير 2026، أعلنت وزارة العمل أن حملات التفتيش خلال أسبوع واحد شملت 1695 منشأة يعمل بها أكثر من 30 ألف عامل، وأسفرت عن تحرير 280 محضرًا لمخالفات تطبيق الحد الأدنى للأجور. وفي حملة أخرى شملت 2323 منشأة يعمل بها أكثر من 50 ألف عامل، جرى تحرير 361 محضرًا لمخالفات الحد الأدنى للأجور.
وبحسب تصريحات رئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي في ديسمبر 2025، يوجد نحو 20 مليون عامل في القطاع الخاص خارج مظلة التأمين الاجتماعي، وذكر أن أكثر من نصفهم يعملون في الاقتصاد غير الرسمي، إضافة إلى أنماط عمل جديدة مثل العمل عبر الإنترنت وخدمات التوصيل.
وفيما يتعلق بامتناع بعض المنشآت عن تطبيق الحد الأدنى، يوضح مالك عدلي أن التقاضي مكفول وتتعدد عقوباته بتعدد العمال المخالف بحقهم، إلا أن البطء القضائي يجعل التقاضي وحده غير كافٍ للحفاظ على حقوق العامل، لافتًا إلى أن الرقم المعلن للحد الأدنى ليس بالضرورة هو الأجر الصافي الذي يتسلمه العامل، نظرًا للاقتطاعات والتأمينات ومكونات الأجر.
في السياق ذاته يقول شعبان خليفة إن العامل لا يمكن أن يُترك لمواجهة صاحب العمل بمفرده، خصوصًا في ظل خشية كثير من العمال من الفصل أو فقدان مصدر رزقهم.
ويوضح أن قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 وضع منظومة واضحة لتنظيم الحد الأدنى للأجور، إذ تنظم المادة 101 تشكيل المجلس القومي للأجور، فيما تمنح المادة 102 المجلس اختصاص وضع الحد الأدنى للأجور على المستوى القومي، مع مراعاة احتياجات العمال وعائلاتهم، وتكاليف المعيشة وتغيراتها، والتوازن بين طرفي علاقة العمل، وزيادة معدلات الإنتاج.
ويوضح كذلك أن المادة 103 نصت على اجتماع المجلس القومي للأجور بدعوة من رئيسه كل ستة أشهر على الأقل، أو كلما دعت الحاجة إلى ذلك، بينما ألزمت المادة 104 المنشآت الخاضعة للقانون بتنفيذ قرارات المجلس، لافتًا إلى أن «هذه النصوص تعني أن تحديد الحد الأدنى للأجور ليس قرارًا يُتخذ مرة واحدة ثم يُترك دون مراجعة، وإنما عملية يفترض أن تواكب تغيرات تكاليف المعيشة والأسعار والظروف الاقتصادية».
وحول مراقبة التطبيق، يشدد خليفة على مسؤولية وزارة العمل ومديرياتها وأجهزة التفتيش في التحقق من التزام المنشآت، وتحرير المحاضر واتخاذ الإجراءات القانونية ضد المخالفين، مطالبًا بإعلان نتائج الحملات بشفافية ومتابعة ما تنتهي إليه.
وحول طبيعة العقوبات يقول خليفة إن “قانون العمل وضع عقوبات على المنشآت التي لا تلتزم بقرارات المجلس القومي للأجور، في المادة 287 من قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 تقرر غرامة تتراوح بين 2,000 و20 ألف جنيه، وتتعدد بتعدد العمال الذين وقعت في شأنهم الجريمة، وتضاعف في حالة العود، لافتًا إلى ضرورة التأكد من أن الغرامات لا تتحول إلى مجرد تكلفة تشغيلية تستطيع بعض المنشآت تحملها مقابل عدم الالتزام بحقوق العمال، مؤكدًا أن حماية الحد الأدنى للأجور تحتاج إلى عقوبات فعالة وسريعة التطبيق.
فجوة الأجر بين القطاعين العام والخاص
تكشف أحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن تفاوت أكثر وضوحًا من مجرد الفارق بين 8 آلاف و7 آلاف. ففي 2024، بلغ متوسط الأجر الشهري للعاملين في القطاع العام والقطاع الخاص 6336 جنيهًا، مقابل 5005 جنيهات في 2023، بزيادة 26.6%.
وبلغ متوسط الأجر الشهري في القطاع العام نحو 14,660 جنيهًا، مقابل 5,796 جنيهًا في القطاع الخاص. أي أن متوسط الأجر في القطاع العام والأعمال العام كان نحو 2.5 مثل متوسط الأجر في القطاع الخاص.
ولا تتوقف الفجوة عند القطاع، وإنما تمتد إلى النوع الاجتماعي، فقد بلغ متوسط أجر الذكور في القطاعين العام والخاص معًا 6523 جنيهًا عام 2024، مقابل 5529 جنيهًا للإناث. وفي القطاع العام والأعمال العام، بلغ متوسط أجر النساء 15,206 جنيهات، مقابل 14,540 جنيهًا للرجال، بينما انخفض متوسط أجر النساء في القطاع الخاص إلى 4928 جنيهًا مقابل 5998 جنيهًا للرجال.
وتتصدر بعض الأنشطة الاقتصادية متوسطات الأجور، إذ بلغ متوسط الأجر الشهري في الوساطة المالية والتأمين نحو 19,897 جنيهًا عام 2024، مقابل 14,994 جنيهًا في نشاط الكهرباء والغاز والبخار وتكييف الهواء، و12,897 جنيهًا في المعلومات والاتصالات، في المقابل، تعمل قطاعات واسعة من العمالة في أنشطة منخفضة الأجر، وهو ما يجعل متوسط الأجر العام أقل قدرة على التعبير عن الدخل الفعلي للعمال في أسفل السلم.
ويعقب شعبان خليفة بالقول إن المجلس القومي للأجور أقر في 9 فبراير 2025 رفع الحد الأدنى لأجور العاملين بالقطاع الخاص إلى 7 آلاف جنيه اعتبارًا من أول مارس 2025، إلى جانب علاوة دورية بحد أدنى 250 جنيهًا، لكن الأجر الذي كان يحقق قدرة شرائية معينة في مارس 2025 لا يمكن افتراض أنه ما زال يحقق القدرة نفسها بعد ارتفاع أسعار الغذاء والسكن والمواصلات والخدمات وغيرها من الاحتياجات الأساسية.
وفي السياق ينتقد خليفة عدم انعقاد المجلس القومي للأجور بصورة دورية لمراجعة سياسات الأجور، قائلًا إن قانون العمل الجديد بدأ العمل به في الأول من سبتمبر 2025، وإن المادة 103 تلزم المجلس بالاجتماع كل ستة أشهر على الأقل أو كلما دعت الحاجة.
ويشير إلى أن ارتفاع أسعار الوقود خلال مارس 2026 انعكس على مختلف بنود الإنفاق، من النقل إلى الغذاء والخدمات، فضلًا عن استمرار الضغوط التضخمية، وهو ما يستوجب إعادة تقييم الحد الأدنى للأجور، مضيفًا أن «لا نرى مراجعة دورية للحد الأدنى تواكب تغير تكاليف المعيشة».
ويلفت إلى أن وجود ممثلين للعمال داخل المجلس القومي للأجور «ليس منصبًا شرفيًا ولا مقعدًا بروتوكوليًا»، وإنما مسؤولية تتطلب التعبير عن مصالح ملايين العمال.
البطالة مأساة أخرى
بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ معدل البطالة في مصر 6% خلال الربع الأول من عام 2026، وهي الفترة التي تتناولها الأرقام هنا، بانخفاض قدره 0.2 نقطة مئوية مقارنة بالربع الرابع من عام 2025، حين سجل 6.2%. وبلغ عدد المتعطلين عن العمل نحو 2.126 مليون شخص من إجمالي قوة العمل، في مؤشر على استمرار تراجع البطالة الرسمية، وإن كان هذا التراجع لا يعكس بالضرورة تحسنًا مماثلًا في مستوى الأجور أو جودة فرص العمل.
ويكشف توزيع البطالة حسب النوع عن فجوة كبيرة بين الرجال والنساء؛ إذ بلغ معدل البطالة بين الذكور نحو 3.6%، مقابل 14.3% بين الإناث، بما يعني أن معدل البطالة لدى النساء يقترب من أربعة أمثال المعدل المسجل بين الرجال.
أما على مستوى العام السابق، فقد سجل متوسط معدل البطالة السنوي 6.3% خلال عام 2025، مقابل 6.6% في 2024، بما يعكس اتجاهًا نزوليًا تدريجيًا في البطالة خلال السنوات الأخيرة، لكن انخفاض البطالة لا يعني بالضرورة تحسنًا في الدخول أو ظروف العمل، إذ إن المؤشر لا يقيس قيمة الأجور أو مدى استقرار الوظيفة أو تمتع العامل بالتأمينات الاجتماعية، وهي عوامل تظل موضع تفاوت كبير بين العاملين في الحكومة والقطاع الخاص والاقتصاد غير الرسمي.
ويرى الخبراء أن قراءة أرقام البطالة بمعزل عن الأجور، والاستقرار الوظيفي، والحماية الاجتماعية، تُفرغ هذه الأرقام من مضمونها الاقتصادي والاجتماعي، كذلك يفرق خبراء سوق العمل بين معدل البطالة ومعدل التشغيل، وهما مؤشّران يُخلط بينهما كثيرًا في الخطاب الرسمي. فمعدل البطالة يقيس نسبة العاطلين الباحثين عن عمل داخل قوة العمل فقط، بينما يقيس معدل التشغيل نسبة من يعملون فعليًا من إجمالي السكان في سن العمل.
ويقول وائل جمال، مدير وحدة العدالة الاجتماعية والاقتصادية في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، في تصريحات سابقة لـ”زاوية ثالثة” إن أي تراجع في معدل البطالة يُفترض نظريًا أن يُعد مؤشرًا إيجابيًا، لكنه يشدد على أن قراءة هذا الرقم بمعزل عن طريقة احتسابه وسياقه الاقتصادي لا تعكس صورة كاملة لواقع سوق العمل ويوضح أن المشكلة الأساسية في مصر لا تتعلق فقط بنسبة البطالة المُعلنة، وإنما بانخفاض معدل التشغيل نفسه مقارنة بحجم قوة العمل.
ويشير جمال إلى انخفاض معدل التشغيل، الذي يقارن عدد المشتغلين بالسكان في سن العمل، وليس بقوة العمل وحدها؛ إذ إن قوة العمل تضم المشتغلين والمتعطلين الذين يبحثون عن عمل. لذلك لا تعني نسبة تشغيل قريبة من 40% أن 60% من قوة العمل عاطلون، ولا يجوز الخلط بينها وبين معدل البطالة.
ولإكمال الصورة، يجب النظر إلى معدل المشاركة في قوة العمل، وإلى أوضاع من توقفوا عن البحث عن وظيفة، إلى جانب مؤشري التشغيل والبطالة.
ويضيف أن انخفاض البطالة في بعض الفترات، خاصة في السنوات التي أعقبت جائحة كورونا، لم يكن نتيجة خلق وظائف جديدة، وإنما بسبب خروج أعداد كبيرة من الأفراد من قوة العمل نفسها، ويُقدَّر عددهم بنحو مليون ونصف شخص، معظمهم من النساء. وهو ما أدى إحصائيًا إلى تراجع معدل البطالة، رغم تدهور أوضاع التشغيل الفعلية.
ويلفت جمال إلى أن طريقة احتساب البطالة في مصر تعتمد على مسوح ميدانية تُجريها الجهات الرسمية، حيث يُعتبر الفرد “مشتغلًا” إذا مارس أي نشاط اقتصادي ولو لمدة ساعة واحدة خلال الأسبوع السابق على المسح، كما لا يُحتسب عاطلًا عن العمل إلا من يصرّح صراحة برغبته في العمل ويبحث عنه فعليًا. هذه المنهجية، بحسب جمال، تستبعد تلقائيًا ملايين القادرين على العمل ممن فقدوا الأمل أو توقفوا عن البحث، رغم امتلاكهم مؤهلات، بما في ذلك حملة الشهادات الجامعية. وهذه حدود لتعريف المؤشر، الذي يتسق مع المفاهيم الإحصائية الدولية؛ ولا يعني احتساب الشخص مشتغلًا أنه يحصل على دخل كافٍ أو عمل مستقر.
ويؤكد الباحث الاقتصادي أن النجاح الحقيقي لأي سياسة اقتصادية لا يقاس فقط بخفض معدل البطالة، وإنما برفع معدل التشغيل الإجمالي من خلال خلق وظائف مستقرة ومنتجة، تستوعب الطاقة البشرية الكبيرة الموجودة في البلاد، لا سيما أن الغالبية من هذه الطاقة تنتمي إلى فئة الشباب في ذروة قدرتهم الإنتاجية.
ويؤكد جمال أن أرقام البطالة الرسمية تعكس جانبًا جزئيًا من الصورة، ولا تعبّر عن الواقع الكامل لسوق العمل، خاصة في ظل التحديات التي يواجهها العاملون أنفسهم، مثل ضعف الأجور، وعدم الالتزام بالحد الأدنى للأجور، وغياب التأمينات الاجتماعية والتأمين الصحي ومعايير السلامة المهنية. وهي قضايا، بحسب تعبيره، لا تقل أهمية عن مسألة البطالة ذاتها عند تقييم أوضاع سوق العمل في مصر.
وأخيرًا.. تكشف أرقام الأجور والتضخم والبطالة أن أزمة سوق العمل في مصر لا تتعلق فقط بزيادة الحد الأدنى للأجور، وإنما بقدرته الفعلية على تحسين مستوى معيشة العاملين. فبينما ارتفع الحد الأدنى الحكومي إلى 8 آلاف جنيه، وظل حد القطاع الخاص عند 7 آلاف، تآكلت القوة الشرائية بفعل موجات متتالية من ارتفاع الأسعار، فيما لا يزال ملايين العاملين خارج مظلة الحد الأدنى والحماية الاجتماعية.