ما نعرفه إمبراطورية الجيش المصري الاقتصادية

ما تعرفه الصحافة والباحثون والوثائق الرسمية عن هذا الاقتصاد الذي ينفي صاحبه ضخامته ويرفض في الوقت نفسه أن يُحصى، من أول تقدير رسمي لحجمه إلى آخر وعد بطرح شركاته في البورصة، في اللحظة التي صار فيها، للمرة الأولى، بندًا في اتفاق دولي.
Picture of أحمد جمال زيادة

أحمد جمال زيادة

اقتصاد يقول الرئيس إنه لا يتجاوز اثنين في المئة من الناتج، وتقول موازنته إنه سر عسكري، ويقول صندوق النقد الدولي إنه يحتاج إلى حسابات نصف سنوية وتقرير ضريبي سنوي وإقرارات ذمة مالية لرؤسائه كي يصير اقتصادًا يمكن قياسه.

في 10 يناير الجاري نشر صندوق النقد الدولي تقرير خبرائه عن اتفاق القرض الجديد لمصر بقيمة ثلاثة مليارات دولار، وفي ملحقه مذكرة السياسات الاقتصادية والمالية التي تعهدت بها الحكومة المصرية مقابل القرض. وبين سطور المذكرة تعهد لم يسبق لحكومة مصرية أن وقّعته أمام جهة دولية: أن «تعريف الدولة» في وثيقة سياسة ملكية الدولة سيشمل كل الكيانات المملوكة كليًا أو جزئيًا لجهة مرتبطة بالدولة أيًا كان الإطار المؤسسي الذي أنشئت بموجبه، وأن الشركات المملوكة للجيش مذكورة بالاسم ضمن ما يغطيه هذا التعريف إلى جانب شركات القطاع العام وقطاع الأعمال العام والهيئات الاقتصادية، وأن الإعفاءات الضريبية لكل هذه الكيانات ستُرفع، وأنها ستقدم حسابات مالية نصف سنوية إلى وزارة المالية التي ستتيحها علنًا، وأن كبار مسؤوليها سيقدمون إقرارات ذمة مالية، بحسب قراءة يزيد صايغ، الباحث في مركز كارنيجي للشرق الأوسط، للتقرير والمذكرة. وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد اعتمد وثيقة سياسة ملكية الدولة في 29 ديسمبر، قبل أيام من نشر الاتفاق الذي يعدّها معيارًا هيكليًا لتقييم الالتزام به.

يعيد هذا التحقيق تجميع ما تعرفه الصحافة والباحثون والوثائق الرسمية عن هذا الاقتصاد الذي ينفي صاحبه ضخامته ويرفض في الوقت نفسه أن يُحصى، من أول تقدير رسمي لحجمه إلى آخر وعد بطرح شركاته في البورصة، في اللحظة التي صار فيها، للمرة الأولى، بندًا في اتفاق دولي.

 

 

الرقم الذي لا يملكه أحد

لا يوجد رقم واحد متفق عليه لحجم النشاط الاقتصادي للقوات المسلحة المصرية، وكل الأرقام المتداولة تخرج من ثلاث جهات لا يمكن التحقق من أي منها: الرئاسة، والمؤسسة العسكرية نفسها، والتقديرات الخارجية. ففي 24 ديسمبر 2016، في احتفال افتتاح توسعات شركة النصر للكيماويات الوسيطة في أبو رواش بالجيزة، وهي شركة تابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، قال السيسي إن نشاط الجيش الاقتصادي يمثل ما بين 1.5 و2 في المئة من ناتج محلي قدّره بثلاثة إلى أربعة تريليونات جنيه، وإنه قيل إن اقتصاد الجيش يساوي عشرين أو حتى خمسين في المئة من الاقتصاد، وأضاف: «يا ريت»، مؤكدًا أن الجيش يدفع الضرائب على كل مشروعاته ويخضع للرقابة. وبحساب الأرقام التي ذكرها الرئيس نفسه، كان ذلك يعني نشاطًا بين 45 و80 مليار جنيه في السنة (بين 2.4 و4.3 مليار دولار بسعر ذلك اليوم)، وهو رقم لم تصدر عن أي جهة رسمية وثيقة واحدة تدعمه أو تفككه.

وقبل ذلك بأربع سنوات، في 27 مارس 2012، أدلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة بأوضح تصريح رسمي في تاريخ هذا الملف. ففي مؤتمر صحفي عقده المجلس، قال اللواء محمود نصر، مساعد وزير الدفاع للشؤون المالية وعضو المجلس، إن القوات المسلحة قدمت لأجهزة الدولة قروضًا بلغت 2.352 مليار جنيه وساهمت في دعم الاقتصاد بـ12.199 مليار جنيه منذ فبراير 2011، ثم أضاف في الرد على مطالب إخضاع النشاط الاقتصادي للجيش للرقابة البرلمانية: «العرق الذي ظللنا 30 سنة لن نتركه لأحد آخر يدمره، ولن نسمح للغير أيًا كان بالاقتراب من مشروعات القوات المسلحة». ولم يكن وصف المشروعات بأنها «عرق وزارة الدفاع» لا «أموال الدولة» زلة لسان، بل العقيدة التي تحكم الملف حتى اليوم: إيرادات تُحقق على أرض الدولة وبعمالة مجنديها وبإعفاء من ضرائبها، ثم تُعامل بوصفها ملكًا خاصًا للمؤسسة.

 

أما التقديرات الخارجية فتتراوح بما يعكس غياب البيانات لا اختلاف المناهج. فقد نقلت قناة الجزيرة الإنجليزية عام 2013 أن التقديرات تضع نصيب الجيش بين عشرة وأربعين في المئة من الاقتصاد، وأن برقيات دبلوماسية أمريكية نشرها موقع ويكيليكس نقلت عن وزير الإنتاج الحربي الأسبق سيد مشعل أن إيرادات وزارته من القطاع الخاص وحده تبلغ نحو ملياري جنيه سنويًا وأنها توظف أربعين ألف مدني. وفي مارس 2018 قال وزير الإنتاج الحربي محمد العصار إن مبيعات شركات وزارته بلغت 8.9 مليار جنيه عام 2017 وإنها تستهدف 12 مليارًا عام 2018، وهي الوزارة التي تشرف على عشرين شركة ومصنعًا، بينما تملك الهيئة العربية للتصنيع اثنتي عشرة شركة أخرى على الأقل، وتسيطر وزارة الدفاع عبر أجهزتها على العشرات، بحسب تحقيق موسع نشرته رويترز في مايو 2018 بعنوان «من غرفة الحرب إلى غرفة الإدارة».

وحين فحص يزيد صايغ هذه الأرقام كلها في دراسته «ملاك الجمهورية» الصادرة عن كارنيجي في نوفمبر 2019، وهي أشمل ما كُتب عن تشريح الاقتصاد العسكري المصري، خلص إلى أن تقديرات الرئيس ومسؤولي الدفاع بين 1 و2 في المئة من الناتج تشير على الأرجح إلى القيمة الإجمالية لما تنتجه الأجهزة العسكرية الثلاثة، وزارة الإنتاج الحربي والهيئة العربية للتصنيع ووزارة الدفاع بأجهزتها، من سلع وخدمات، لكنها لا تقيس ما هو أهم: الدور الإداري الذي صار الجيش يؤديه في عشرات مشروعات الدولة الكبرى بوصفه مقاولًا عامًا ومديرًا للعقود وموزعًا لها على القطاع الخاص، وما تملكه أجهزته من أرض وحق فيتو على استخدامها. وكتب صايغ أن تمكين الجيش في عهد السيسي قد يصل به إلى نقطة يستحيل بعدها استخراجه من الاقتصاد. ويزيد الغموض أن موازنة القوات المسلحة لا تناقَش إلا في مجلس الدفاع الوطني وتُدرج رقمًا واحدًا في الموازنة العامة للدولة بنص المادة 203 من الدستور، فلا يعرف البرلمان ولا الجهاز المركزي للمحاسبات ولا الرأي العام ما الذي يدخل في هذا الرقم وما الذي يخرج منه.

 

ثلاثة أذرع وجهاز واحد يكبر كل عام

يتوزع الاقتصاد العسكري على ثلاثة أذرع ذات طبيعة قانونية مختلفة. الأولى وزارة الإنتاج الحربي بهيئتها القومية للإنتاج الحربي ومصانعها التي تتجاوز العشرين، والثانية الهيئة العربية للتصنيع التي أسستها مصر والسعودية وقطر والإمارات عام 1975 برأس مال تجاوز مليار دولار لبناء صناعة دفاعية عربية، ثم انسحبت منها الدول الثلاث احتجاجًا على معاهدة السلام مع إسرائيل فبقيت مصرية خالصة تدير نحو اثنتي عشرة شركة بين العسكري والمدني، من مصانع صقر وقادر وحلوان للصناعات المتطورة إلى «سيماف» لعربات السكك الحديدية ومصنع أبو زعبل للأخشاب والشركة العربية للطاقة المتجددة. أما الذراع الثالثة، وهي الأكبر والأقل شفافية، فوزارة الدفاع بأجهزتها الأربعة ذات النشاط الاقتصادي: الهيئة الهندسية التي تدير مشروعات الدولة الكبرى، وجهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة الذي يملك الأرض، وهيئة الشؤون المالية، وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية الذي يملك الشركات.

 

تأسس جهاز مشروعات الخدمة الوطنية بقرار رئيس الجمهورية رقم 32 لسنة 1979، في العام الذي وُقعت فيه معاهدة السلام، بهدف معلن هو تحقيق الاكتفاء الذاتي النسبي من احتياجات القوات المسلحة وطرح فائض الطاقات الإنتاجية في السوق المحلية. وبعد أربعة عقود، كتبت صحيفة فايننشال تايمز في يناير 2022، بحسب ما نقلته قناة الجزيرة، أن الجهاز يسيطر على اثنتين وثلاثين شركة، أُنشئ ثلثها بعد عام 2015. وتكفي قراءة ما يعلنه الجهاز عن نفسه لمعرفة إلى أي مدى ابتعد الفائض الإنتاجي عن احتياجات الجنود: شركة النصر للخدمات والصيانة «كوين سرفيس» التي يملك فيها الجهاز 75 في المئة وتعمل في الأمن والحراسة والنظافة وإدارة الفنادق والقرى السياحية والجراجات والتوريدات؛ وشركة «مكرونة كوين» بتسعة مصانع وثمانية عشر خط إنتاج وما لا يقل عن 150 ألف طن سنويًا؛ ومجمع إنتاج البيض بأربع وحدات تنتج 120 مليون بيضة في السنة؛ والشركة الوطنية للصناعات الغذائية في رفح بأربعة مصانع للمربات والعصائر وزيت الزيتون؛ وشركة «صافي» للمياه المعدنية بثلاثة مصانع وأربعة وعشرين منفذ بيع في القاهرة الكبرى؛ ومزرعة وادي الشيح في أسيوط على عشرة آلاف فدان؛ والشركة الوطنية لاستصلاح الأراضي الصحراوية في شرق العوينات على 110 آلاف فدان بخمس عشرة مزرعة أغنام وخمس مزارع أبقار وثلاثين منحلًا و612 وحدة سكنية لأفراد القوات المسلحة؛ وشركة مصر العليا للتصنيع الزراعي بمصانع الجبن والصلصة والأعلاف في أسيوط وسوهاج والوادي الجديد؛ والشركة الوطنية للتبريدات والتوريدات المنشأة عام 2015 للنقل المبرد؛ والشركة الوطنية للبترول المنشأة عام 1993 بإحدى وسبعين محطة وقود عاملة وسبع عشرة تحت الإنشاء وهدف معلن ببلوغ 125 محطة.

وفي الصناعة: شركة النصر للكيماويات الوسيطة بمجمع من تسعة مصانع في كوم أوشيم بالفيوم للشبة وحامض الكبريتيك وأسمدة السوبر فوسفات وكبريتات البوتاسيوم، ومجمع من خمسة مصانع في أبو رواش للكلور والغازات الطبية والصناعية؛ وشركة العريش للأسمنت في جبل لبني جنوب العريش بطاقة نحو 3.2 مليون طن سنويًا؛ والشركة العربية العالمية للبصريات في مدينة السلام بشراكة مجموعة «تاليس» الفرنسية التي تملك 49 في المئة؛ ومصنع المشمعات البلاستيكية في ألماظة بإنتاج 1,500 طن سنويًا؛ والشركة الوطنية للبطاريات التي افتتحها السيسي عام 2015. وفي البناء والطرق: الشركة الوطنية للمقاولات العامة والتوريدات في ألماظة التي نفذت مدارس ومراكز شباب ووحدات صحية وملاعب، والشركة الوطنية لإنشاء وتنمية وإدارة الطرق التي نفذت طريق القاهرة العين السخنة وطريق حلوان الكريمات أسيوط الغربي، وقد خصص القرار الجمهوري رقم 233 لسنة 2016 إحدى وعشرين طريقًا لصالح وزارة الدفاع، بعدما ضمّت حكومة حازم الببلاوي عام 2014 أعمال صيانة سبعة وعشرين كوبري ونفقًا بتكلفة 4.47 مليار جنيه إلى الهيئة الهندسية. وفي التعدين: قطاع في مدينة نصر يستخرج البنتونيت والرمل الزجاجي والكاولين والدولوميت، والشركة المصرية للرمال السوداء التي تأسست بشهادة الهيئة العامة للاستثمار رقم 769 في 15 فبراير 2016 لتركيز وفصل المعادن الاقتصادية من رمال الشواطئ، ويساهم فيها إلى جانب الجهاز هيئة المواد النووية ومحافظة كفر الشيخ وبنك الاستثمار القومي والشركة المصرية للثروات التعدينية.

 

وتكشف قصة الاستزراع السمكي كيف تتحول الأرض إلى شركة. ففي عام 2016 صدر القرار الجمهوري رقم 270 بإعادة تخصيص 2,815.14 فدانًا من أراضي الدولة في منطقة غليون بكفر الشيخ لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية للاستزراع السمكي، والقرار 332 بإعادة تخصيص 107.55 فدانًا في مثلث الديبة غرب بورسعيد للغرض نفسه، ثم أُنشئت الشركة الوطنية للثروة السمكية والأحياء المائية عام 2015 لتدير المشروع الذي قال رئيسها اللواء أركان حرب حمدي بدين إنه يضم في بركة غليون 453 حوضًا للأسماك البحرية و626 حوضًا للجمبري و186 حوضًا للتحصين ومعملًا للتفريخ ينتج عشرين مليون زريعة وملياري وحدة جمبري. وعلى الطريق نفسه مكّن القرار الجمهوري رقم 446 لسنة 2015 جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة، للمرة الأولى، من تأسيس الشركات بكل صورها بمفرده أو بالمشاركة مع رأس المال الوطني أو الأجنبي، فأطلق الجهاز شركة لاستزراع الأسماك بقيمة 150 مليون دولار باسم «الشركة الدولية للمنتجات البحرية» بشراكة المستثمر السعودي محمد عامر الجاري وشركة ألمانية لاستزراع التونة. وفي 2 ديسمبر 2015 أعلن الجهاز نفسه بيع وحدات سكنية وتجارية وأماكن انتظار سيارات بالمزاد العلني في زهراء مدينة نصر والحي العاشر وأبراج صفوة الميثاق والنزهة والجبل الأخضر والحلمية وامتداد رابعة العدوية والإسكندرية، بمقدم 35 في المئة وتقسيط الباقي ثلاث سنوات بفائدة 7 في المئة، أي بالأدوات نفسها التي يستخدمها أي مطور عقاري خاص، مع فارق واحد هو أن الأرض لم تُشترَ.

العاصمة التي يملكها الجيش

تمثل العاصمة الإدارية الجديدة أوضح نموذج لهذه الآلية. فبعد انسحاب رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار، رئيس «إعمار»، من خطط إقامة العاصمة لعدم التوصل إلى اتفاق يرضي الطرفين، صدر في فبراير 2016 القرار الجمهوري رقم 57 باعتبار أراضي العاصمة الإدارية الجديدة وتجمع الشيخ محمد بن زايد العمراني، وهي 16,645 فدانًا جنوب طريق القاهرة السويس، من مناطق المجتمعات العمرانية الجديدة، وبتأسيس هيئة المجتمعات العمرانية وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية وجهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة شركة مساهمة تتولى تخطيط العاصمة وإنشاءها، على أن تكون قيمة الأرض هي حصة جهاز الأراضي في رأس المال. وفي 8 مايو 2016 عقدت الجمعية التأسيسية لشركة «العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية» اجتماعها الأول برأس مال مدفوع ستة مليارات جنيه، ومجلس إدارة من ثلاثة عشر عضوًا بينهم أربعة عن القوات المسلحة: اللواء أركان حرب كامل الوزير رئيس الهيئة الهندسية، واللواء أمير سيد أحمد مستشار وزير الدفاع للمشروعات، واللواء مصطفى أمين علي مدير جهاز الخدمة الوطنية، واللواء أركان حرب محمد عبد اللطيف الذي صار عضوًا منتدبًا للشركة. وتتوزع ملكية الشركة بين هيئة المجتمعات العمرانية (49 في المئة) وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية (29.4 في المئة) وجهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة (21.6 في المئة)، أي أن الجيش يملك الأغلبية بواحد وخمسين في المئة، وقد بلغت محفظة أراضيها في يناير 2022 نحو 174 ألف فدان. فالمشروع الذي يُقدّم للرأي العام بوصفه عاصمة الدولة الجديدة هو، في سجل الهيئة العامة للاستثمار، شركة مساهمة خاضعة لقانون الاستثمار رقم 8 لسنة 1997 يملك الجيش أغلبيتها ويبيع أرضها.

 

بموجب القانون رقم 143 لسنة 1981 بشأن الأراضي الصحراوية والقرارات المكملة له، لا يجوز التصرف في أراضي الدولة الصحراوية، وهي الغالبية الساحقة من مساحة البلاد، من دون موافقة وزارة الدفاع التي تقرر ما هو «ذو أهمية استراتيجية». وقد وثّق تقرير مركز الجزيرة للدراسات في نوفمبر 2016 أن القوات المسلحة، بوصفها الجهة المسيطرة على أراضي الدولة، تحصل على الأراضي اللازمة لمشروعاتها الاقتصادية من دون سداد ثمنها للخزانة، فضلًا عن الإعفاءات الجمركية والضريبية والعمالة شبه المجانية من المجندين، وهي عوامل مجتمعة تمنحها ميزات لا تتوفر لشركات الدولة الأخرى ولا للقطاع الخاص. وتشير ورقة شانا مارشال الصادرة عن كارنيجي في أبريل 2015 إلى أن الحكومة المؤقتة التي قادها حازم الببلاوي خصصت، خلال الأشهر العشرة التي تلت إطاحة محمد مرسي، مشروعات بقيمة نحو 770 مليون دولار للجيش ومؤسساته وشركاته، وأن الجيش دخل بعد يوليو 2013 قطاعات اقتصادية جديدة واستحوذ على مشروعات كبيرة طالما امتازت بحضور رأس المال الكبير.

الامتيازات بنص القانون

لا تحتاج الميزة التنافسية لشركات الجيش إلى استنتاج، فهي مكتوبة في القوانين. فقانون الضريبة على العقارات المبنية يعفي بنص مادته الخاصة بالإعفاءات «أندية وفنادق القوات المسلحة ودور الأسلحة والمجمعات والمراكز الطبية والمستشفيات والعيادات العسكرية والعقارات المبنية في نطاقها وغيرها من الوحدات التي تقترحها هيئة عمليات القوات المسلحة»، ويضيف أن هذه الجهات لا تخضع في جميع الأحوال لأعمال لجان الحصر والتقدير «وفقًا لما تقتضيه اعتبارات شؤون الدفاع ومتطلبات الأمن القومي»، وقد أصدر وزير الدفاع صدقي صبحي في 19 أبريل 2015 القرار رقم 68 بتحديد الوحدات المعفاة. وتُعفى واردات القوات المسلحة من الجمارك بموجب القانون 186 لسنة 1986، وتُعفى مشترياتها من ضريبة القيمة المضافة. ويلخص صايغ في قراءته لاتفاق صندوق النقد أن الشركات العسكرية تمتعت بإعفاءات أوسع حتى من بقية شركات الدولة: من ضرائب الدخل والعقارات والقيمة المضافة والرسوم الجمركية والإدارية وسقوف سعر الصرف ورسوم الطرق، وأن المذكرة الحكومية تعد الآن بإزالة الإعفاءات الضريبية عنها جميعًا.

وتأتي الميزة الثانية من قانون المناقصات نفسه. فقانون تنظيم التعاقدات العامة رقم 182 لسنة 2018 يتيح التعاقد المباشر بين الجهات العامة، وهو الباب الذي تمر منه الهيئة الهندسية بوصفها متعاقدًا عامًا يتسلم المشروعات القومية بالأمر المباشر ثم يوزعها على مقاولين من الباطن. وقد وثقت رويترز في تحقيقها عام 2018 كيف يشكو مستثمرون من القطاع الخاص من منافسة لا يملكون أدواتها، فيما قال وزير الإنتاج الحربي للوكالة إن مصر تحتاج إلى الشركات الخاصة بوصفها «العمود الفقري» للصناعة والاقتصاد. أما الميزة الثالثة فبشرية: فالنسبة الأكبر من العاملين في مشروعات الجيش الاقتصادية هم من المجندين الذين يؤدون خدمة إلزامية بأجر رمزي، وهو ما يجعل كلفة الإنتاج في مصنع المكرونة أو محطة الوقود لا تقارن بكلفتها لدى منافس يدفع الحد الأدنى للأجور والتأمينات.

 

الطرح الذي لا يأتي

منذ أن قال السيسي عام 2016 إن الجيش «ليس لديه ما يخفيه»، صار طرح شركاته في البورصة الوعد الذي يتكرر كل عام من دون أن يُنفذ. ففي أكتوبر 2019 دعا الرئيس إلى طرح بعض شركات القوات المسلحة في البورصة ليتسنى للمواطنين امتلاك أسهم فيها، وفي فبراير 2020 وقّع صندوق مصر السيادي اتفاق تعاون مع جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، وفي مارس من العام نفسه قال الرئيس التنفيذي للصندوق أيمن سليمان إن الصندوق يقيّم عشر شركات مملوكة للجهاز لطرحها على المستثمرين وإن الخطة تستهدف بيع ما يقارب مئة في المئة من أسهمها، ثم أعلنت وزيرة التخطيط هالة السعيد في ديسمبر 2020 أن الصندوق اختار شركتين فقط من العشر: «صافي» للمياه و«الوطنية للبترول». وفي يناير 2022 قال سليمان لوكالة بلومبرغ إن الشركتين ستكونان جاهزتين للطرح بعد عيد الفطر، وفي يوليو 2022 وافق مجلس الوزراء على «تأهيلهما» للطرح، وفي 15 نوفمبر 2022 اجتمع السيسي مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي ورئيس هيئة الشؤون المالية للقوات المسلحة اللواء أحمد الشاذلي ومدير جهاز الخدمة الوطنية اللواء أركان حرب وليد أبو المجد ورئيسي الشركتين اللواء محمد أنور واللواء ياسر الجمل، وقال المتحدث الرئاسي بسام راضي إن الرئيس اطلع على «بدء الإجراءات» تمهيدًا لطرح حصص من الشركتين. أي أن الإجراءات التي بدأت في فبراير 2020 بدأت مرة أخرى في نوفمبر 2022، ولم تُطرح حتى اليوم ورقة واحدة.

 

ويقدم صايغ تفسيرين لهذا التعطيل: أولهما أن الجيش يرفض مستويات الإفصاح المالي التي يفرضها الطرح ولو جزئيًا، وهو ما حلله في ورقة بعنوان «هل ستُطرح شركات الجيش المصري؟» في أبريل 2020؛ وثانيهما أن شركة «الوطنية للبترول» تخضع فعليًا لتجريد من أصولها إذ تُستبدل محطاتها بمحطات «شل أوت» المملوكة للجيش أيضًا، وهو ما يقلل اهتمام أي مشترٍ خليجي بها. ويضيف أن الجيش معروف بعدائه لبيع أي أصول للدولة فضلًا عن أصوله، وأن ذلك يفسر الاعتراضات الصاخبة في البرلمان على خطط الحكومة لخصخصة شركات تابعة لهيئة قناة السويس، التي يعدّها الجيش مجاله الاقتصادي الحصري.

يختلف اتفاق هذا الشهر عن الوعود السابقة في شيء واحد: أنه مكتوب. فوثيقة سياسة ملكية الدولة، التي نُشرت مسودتها في يونيو 2022 ووعدت بخروج الدولة الكامل من 79 قطاعًا وتقليص وجودها في 45 قطاعًا، صارت المعيار الهيكلي للقرض، وصارت الشركات العسكرية داخل تعريف الدولة بالاسم، وصار على الحكومة أن تثبت كل ستة أشهر أنها تطبقه. وقد قال نائب رئيس الوزراء الأسبق زياد بهاء الدين، في مقال بالمصري اليوم، إن معظم الآليات التي تقترحها الوثيقة أُقرت رسميًا مرات عديدة على مدار السنوات من دون أثر ملموس. ويذكّر صايغ بأن مراجعة التوسع العسكري منذ يونيو 2022 وحده تناقض وعد الحكومة بألا تُنشأ شركات عامة جديدة إلا بشفافية وفي إطار سياسة الملكية، وبأن الجيش يتمسك بصناديقه الخاصة خارج الموازنة التي اعترف صندوق النقد بعجزه عن تقدير التزاماتها، وبأن مذكرة الحكومة تركت لنفسها باب «توضيح شروط التعاقد المباشر بين الجهات العامة» وفق القانون 182، وهو الباب الذي يحتاجه الجيش ليبقى على ما هو عليه.

 

وما يجعل الاختبار هذه المرة أقسى هو ثمنه. فالجنيه الذي كان يساوي 15.7 للدولار قبل عام يُتداول اليوم عند نحو ثلاثين، والقرض الذي كان في 2016 اثني عشر مليار دولار صار في 2022 ثلاثة مليارات بشروط أثقل، والشركتان اللتان أُعلن عن طرحهما في ديسمبر 2020 ما زالتا عند «بدء الإجراءات». وبين الرقم الذي ذكره الرئيس في 2016، اثنان في المئة، والالتزام الذي وقّعته حكومته في يناير 2023، تقديم الحسابات علنًا، تقف المفارقة التي يدور حولها هذا الملف كله: أن اقتصادًا لا يتجاوز اثنين في المئة من الناتج لا يحتاج إلى سبع سنوات من الوعود وقرض دولي كي يُحصى، إلا إذا كان الإحصاء نفسه هو ما يُخشى منه.

أحمد جمال زيادة
صحفي استقصائي مصري، مؤسس ورئيس تحرير زاوية ثالثة. حاصل على ماجستير في العلوم السياسية والعلاقات الدولية من جامعة Free University of Brussels (ULB)، وماجستير في الإعلام الرقمي من جامعة Vrije Universiteit Brussel (VUB).

Search