تحولت حوادث عقر المواطنين من الكلاب الضالة في مصر إلى ظاهرة متكررة تثير القلق، مع تسجيل مئات الآلاف من الإصابات سنويًا وتكرار البلاغات الواردة من مختلف المحافظات، إذ تشير بيانات رسمية لوزارة الصحة إلى تسجيل نحو 1.4 مليون حالة عقر خلال عام 2025.
وخلال الأشهر الماضية، شهدت محافظات عدة حوادث متفرقة أسفرت عن إصابة أطفال ونساء وكبار سن، في وقائع أعادت إلى الواجهة المخاوف المرتبطة بانتشار الكلاب الضالة بالقرب من التجمعات السكنية والمدارس والمناطق الريفية، وفي أحدث هذه الوقائع، شهدت محافظة سوهاج، في السابع من يونيو الجاري، إصابة ستة أشخاص، بينهم أطفال وسيدة مُسنة، إثر تعرضهم للعقر من كلب ضال.
وفي السياق، حذرت الدكتورة نسرين عمر، عضو مجلس النواب، من ارتفاع تكلفة علاج المصابين بحالات العقر، مشيرة إلى تسجيل نحو 200 إصابة يوميًا. وأوضحت، خلال جلسة برلمانية لمناقشة الأزمة، أن بروتوكول العلاج يتضمن حصول المصاب على خمس جرعات من المصل المضاد للسعار، بتكلفة تبلغ نحو 600 جنيه للحالة الواحدة.
في المقابل، تتصاعد المخاوف من وجود الكلاب بالشوارع، ما يدفع بعض المواطنين إلى قتلهم، وفي هذا السياق، عُثر على 15 كلبًا ضالًا نافقًا في مناطق متفرقة بإحدى القرى السياحية بمحافظة الإسماعيلية، مطلع الشهر الجاري، وسط اشتباه في تعرضها للتسمم.
وتعكس الواقعتان الجدل المزمن حول ملف الكلاب الضالة في مصر، الذي يتجدد مع كل حادثة عقر جديدة، ففي حين يرى البعض أن تكرار الاعتداءات على المواطنين يفرض إجراءات حاسمة للحد من أعدادها، يعتبر آخرون أن الأزمة هي نتاج سنوات من غياب الإدارة المنظمة للكلاب الضالة، بما يشمل التعقيم والتطعيم والإيواء، فضلًا عن ممارسات الإطعام العشوائي وسوء المعاملة التي قد تسهم في زيادة السلوك العدواني لدى بعضها.
هجر الحيوانات الأليفة في مصر: ظاهرة تتزايد بسبب الأوضاع الاقتصادية

ماذا تقول الأرقام؟
تشير الأرقام إلى فجوة كبيرة بين الحصر الرسمي وغير الرسمي فيما يتعلق بالأزمة، ففي ديسمبر 2025، قال علاء فاروق، وزير الزراعة، في مداخلة تليفزيونية، إنه وفقًا لدراسة مشتركة بين الوزارة ومنظمة الفاو، شملت نماذج من الحضر والريف، كانت أعداد الكلاب الضالة تتراوح بين 7 و8 مليون كلب، مع توقع زيادة العدد بنسبة 25% بعد مرور عامين على الدراسة، أي أن هناك نحو 10 إلى 11 مليون كلب ضال كحد أقصى، وفي تصريحات أخرى في يناير 2026، قال وزير الزراعة، إن أعداد الكلاب الضالة في مصر تتراوح بين 12 و14 مليون كلب.
في المقابل، يستند بعض المناهضين لانتشار الكلاب الضالة في الشوارع إلى تقديرات تشير إلى تضخم أعدادها على مستوى الجمهورية.
وفي هذا السياق، قال الدكتور شهاب عبد الحميد، رئيس جمعية الرفق بالحيوان، في تصريحات سابقة، إن دراسة قُدمت إلى وزارة الزراعة عام 2014 قدرت أعداد الكلاب بنحو 15 مليون كلب، معتبرًا أن هذه الأعداد شهدت زيادة كبيرة خلال السنوات اللاحقة لتتجاوز 40 مليون كلب حاليًا. غير أن الدراسة المشار إليها لم تُنشر للعلن، كما لا تتوافر بيانات رسمية محدثة يمكن الاستناد إليها للتحقق من هذه التقدير.
بدوره يقول الدكتور محمد يوسف، الخبير بالطب البيطري، وعضو سابق بنقابة الأطباء البيطريين، لـ”زاوية ثالثة”، إن الإحصاءات المعلنة اليوم كلها اجتهادات حسابية غير دقيقة، خاصة أن إحصاء الكلاب لا يكون بعدهم، بل من خلال ملاحظة الأعداد في الشوارع مع الوضع في الاعتبار للتكاثر، وإذا وضعنا في الاعتبار أن أنثى الكلب تلد مرتين في السنة من 8 إلى 13 جروًا فإن المجمل على مستوى الجمهورية سيكون أعلى بكثير من الأرقام المعلنة، مشيرًا إلى أن أعداد الكلاب الضالة في مصر لا تقل عن 30 مليونًا.
ومن الإحصاءات التي أثارت جدلًا بإعلانها، ما صرح به الدكتور حسام عبد الغفار، المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة والسكان، الذي أعلن أن عام 2025 شهد مليون و400 ألف حالة عقر، غالبيتها من الكلاب، وتكلف علاج الحالات 1.7 مليار جنيه، مشيرًا إلى أن الأعوام السابقة كانت تشهد نحو مليون و200 ألف حالة عقر، وهو ما أكده ثانية لـ”زاوية ثالثة”، مشيرًا إلى أن دور وزارة الصحة في هذه الأزمة، يتمثل في مواجهة مرض السعار، وتوعية المواطنين بالتحصين ضده في حالات العقر أو الخدش من الحيوانات الأليفة.
ويرى الدكتور محمد يوسف أن انخفاض الأرقام، ناتج عن زيادة الوعي لدى المواطنين بأهمية الحصول على المصل حال العقر من الكلاب الضالة، لكنها في الوقت نفسه لا تعبر عن إجمالي حالات العقر، فلا يزال العديد من المواطنين لا يلقوا بالًا حال تعرضهم للعقر من قط أو كلب.
ومن جانبها، انتقدت منى خليل، رئيس اتحاد جمعيات الرفق بالحيوان، في تصريحات تليفزيونية، تداول المعلومات المتعلقة بالكلاب الضالة من أكثر من جهة، دون تولي جهة رسمية بشكل واضح الرد على الأكاذيب والشائعات المتعلقة بالموضوع، إضافة إلى عدم وجود أرقام وإحصاءات وخطط رسمية واضحة للتعامل مع هذا الملف، مشيرة إلى أنه مهما قدمت منظمات المجتمع المدني معلومات أو أرقام لن تكون بالدقة التي تستطيع الدولة تقديمها.
ويتقاسم ملف الكلاب الضالة الهيئة العامة للخدمات البيطرية التابعة لوزارة الزراعة، مع وزارة البيئة والتنمية المحلية، وتشاركهم منظمات المجتمع المدني المهتمة.
نوصي للقراءة: مجزرة أبنوب: 9 قتلى والجاني كان معروفًا للأمن وعضوًا في لجان المصالحات

مصر عالية الخطورة بداء الكلب
ومؤخرًا أصدر مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها الأمريكي CDC، تقريرًا أعلن فيه 111 دولة، من بينها مصر، تعتبر عالية الخطورة لانتقال داء الكلب إلى الكلاب في الولايات المتحدة الأمريكية، داعيًا إلى تطعيم الكلاب التي كانت في أي من هذه الدول خلال الستة أشهر الماضية ضد داء الكلب لدخول الولايات المتحدة، بالإضافة إلى استيفاء متطلبات إضافية مثل العمر ووجود شريحة تعريفية ومستوى الأجسام المضادة لداء الكلب والحالة الصحة ومتطلبات التوثيق. جدير بالذكر أن مصر مدرجة بشكل مستمر في قوائم مركز CDC كدولة عالية الخطورة لانتشار داء الكلب المستوطن في الكلاب الضالة.
وفي عام 2019 علقت الولايات المتحدة الأمريكية استيراد الكلاب من مصر بعد ظهور ثلاث حالات مصابة بداء الكلب وصلت من خلالها خلال أربع سنوات؛ وذلك قبل إدخال قواعد تنظيمية صارمة لاستيراد الكلاب من مصر.
وبالنسبة لتعليمات السفر إلى مصر، لفت المركز إلى انتشار الكلاب المصابة بداء الكلب في مصر، فضلًا عن بعض أنواع الحيوانات البرية، بالإضافة إلى أنه في حالة التعرض لعقر أثناء التواجد في مصر، قد لا تتوافر اللقاحات إلا في المراكز الطبية الكبيرة في الضواحي والمدن.
ووجه المركز المسافرين إلى مصر باستشارة مقدم الرعاية الصحية لتحديد ما إذا كان ينبغي عليهم تلقي التطعيم الوقائي ضد داء الكلب قبل السفر، خاصة إذا كان المسافر سيمارس أنشطة مهنية أو ترفيهية تزيد من خطر التعرض لحيوانات قد تكون مصابة بداء الكلب.
بدوره يقول محمد كارم، الخبير السياحي، لـ”زاوية ثالثة”، إن انتشار مثل هذا الخبر عن مصر، لن يؤثر على قطاع السياحة، خاصة أنه لم يحدث حتى الآن أزمة بسبب انتشار الكلاب الضالة بين السائحين، كما أن الكلاب لا تنتشر في معظم المدن السياحية مثل شرم الشيخ، والغردقة والأقصر وأسوان، وغيرها من المدن الأكثر استقبالًا للسائحين.
وعن انتشار الكلاب الضالة في منطقة الأهرامات، يقول “كارم” إنه في بعض الأحيان كانت الكلاب سببًا في الترويج للسياحة المصرية، ذاكرًا واقعة الكلب الذي صعد إلى قمة هرم خوفو، لكنه أكد من ناحية أخرى أن بعض الأماكن تواجه مشكلات بسبب انتشار الكلاب الضالة، ولعل جهود الحكومة في تحصينها وتعقيمها وإنشاء ملاجئ لها، تحد من وقوع أزمة مستقبلية.
نوصي للقراءة: الحرب تهدد الدواء في مصر: 90% من المواد الخام مستوردة وسلاسل الإمداد تحت الضغط

داء الكلب واستراتيجية وطنية لمكافحته
يقول خبير الطب البيطري محمد يوسف، إن الكلاب تنقل العديد من الأمراض للإنسان منها: الجرب، والدودة الشريطية، لكن أخطر الفيروسات التي يحملها الكلب هو فيروس السعار أو ما يُعرف بداء الكلب، لانه فيروس قاتل، ولا يمكن للمتخصصين اكتشاف الكلاب المصابة به إلا بعد العقر، إذ تظهر الأعراض المؤدية لوفاة الكلب بعد ممارسته العقر، وبالنسبة للإنسان فيمكن إنقاذه إذا حصل على مصل داء الكلب بمجرد العقر وحتى قبل ظهور الأعراض عليه، لكن مع ظهور أول عرض للسعار يكون في عداد الموتى.
وفي هذا الصدد، أطلقت وزارة الزراعة استراتيجية مصر خالية من السعار 2030، وبدأت أولى فعالياتها في يناير الماضي، من خلال تحصين 4517 كلب حر، وتعقيم 445 كلب، وبدأت من منطقة عين شمس في محافظة القاهرة، باعتبارها أكثر النقاط الساخنة التي تعددت منها مطالب المواطنين بالتدخل ضد الكلاب الحرة.
وقال وزير الزراعة إن خطة الوزارة للتغلب على أزمة الكلاب الضالة لن تقل عن 5 سنوات، مشيرًا إلى اتخاذ عدة إجراءات من بينها تحصين وتعقيم الكلاب من خلال الوزارة أو المحافظات، وإنشاء ملاجئ لها، مشيرًا إلى تجهيز 4 ملاجئ على مستوى محافظتي القاهرة والجيزة، وتعيين 4500 طبيب بيطري من خلال الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، لمتابعة الكلاب الضالة وتنفيذ أهداف الخطة.
وأكد الوزير أن الدولة لن تذهب أبدًا إلى مقترحات قتل أو تسميم الكلاب الضالة، لكنها قد توافق على تصديرها بغرض الاقتناء، وهو ما تقوم به بالفعل بعض منظمات المجتمع المدني لكن بشكل محدود للغاية، مشيرًا إلى أن الكلاب الحرة أرواح لها من يدافع عنها ولا بد من الحفاظ على التوازن البيئي.
ولم يكشف الوزير عن التكلفة المتوقعة لحل أزمة الكلاب الضالة، لكنه أكد أن التكلفة تتشاركها الدولة والمجتمع المدني مع بعض المؤسسات الدولية، بالإضافة مع التنسيق مع المحافظين.
وفي بيان للاتحاد النوعي لجمعيات الرفق بالحيوان، الذي تتعاون معه الحكومة في ملف الكلاب الضالة، أكد رفضه الكامل لمواجهة الظواهر المتعلقة بالحيوانات الضالة من خلال التحريض والكراهية، ولكن بالعلم والتوعية والتعقيم والتطعيم والحلول الإنسانية المستدامة.
ووفقًا لمقال منشور على موقع التحالف الدولي لإدارة الحيوانات الأليفة، فإن أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية مارستا على مدى عقود عمليات إعدام للكلاب والقطط الضالة، لكنهما لم تحرزا تقدمًا في هذا الملف، إلا من خلال تبني استراتيجية قائمة على التعقيم، وتشجيع سلوكيات الملكية المسؤولة، وتقدير قيمة كل حيوان على حدة، والالتزام بالملكية مدى الحياة، وفرض ضوابط على التكاثر التجاري والبيع، وتحديد هوية الحيوانات وتسجيلها.
وتنص المادة 45 من الدستور المصري على النحو الذي ينظمه القانون، الرفق بالحيوان، كذلك تنص المادة 357 من قانون العقوبات لسنة 2003، بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر أو بغرامة لا تتجاوز مائتي جنيه كل من قتل عمدًا بدون مقتض أو سم حيوانًا من الحيوانات المستأنسة أو أضر به ضررًا كبيرًا.
لكن منى خليل، رئيس اتحاد جمعيات الرفق بالحيوان، قالت إن هناك غياب حقيقي للتشريعات الخاصة بحقوق الحيوانات في مصر، رغم نص الدستور على ذلك، لكنه لم يُفعل بقانون حقيقي، ما يترك مجالًا واسعًا للتعامل بأشكال فردية مع الحيوانات تؤدي إلى تعذيبها أو قتلها.

جدل حول تصدير الكلاب
ودخل مجلس النواب المصري على خط الأزمة، إذا تقدمت النائبة، سحر عتمان، عضو مجلس النواب، بمقترح لحل الأزمة من خلال تصدير الكلاب بعد تطعيمها. وأثار هذا المقترح جدلًا واسعًا، بسبب فكرة تصدير الكلاب لدول تتناولها كغذاء مثل دول شرق آسيا، ما يمثل خطرًا على حياتها.
لكن النائبة أصدرت بيانًا عبر صفحتها الرسمية، أكدت فيه أن مقترحها لا علاقة له بتعذيب الكلاب أو تصديرها لدول عُرف عنها الإساءة إليها أو استخدامها كغذاء، لكنها تقصد دراسة تجارب الدول التي تمتلك نظمًا متقدمة في رعاية الحيوانات وتبينها، وبحث إمكانية التعاون معها في التعامل مع الأعداد المتزايدة من الكلاب الضالة، بما يضمن لها الرعاية والحياة الآمنة، أو الاستفادة منها في الأبحاث العلمية وفقًا للضوابط والمعايير الإنسانية والقانونية، وبما يحفظ في الوقت نفسه سلامة المواطنين وأمنهم.
وتعقيبًا يقول أستاذ الطب البيطري بجامعة بنها، فهيم شلتوت، إن الكلاب الحرة ثروة ونعمة يمكن التفكير في الاستفادة منها بدلًا من النظر إليها كعبء على المجتمع، مشيرًا إلى أن الدولة تسمح باستيراد الكلاب من الخارج بالعملة الصعبة، في حين أن لديها الكثير منها في الداخل، فلماذا لا يتم العناية بها وتطعيمها وتدريبها والاستفادة منها في المجالات المختلفة، مثل الأمن والحراسة وإجراء التجارب العلمية وأيضًا الاقتناء؟!.
ويوضح لـ”زاوية ثالثة”، أنه على عكس ما يدعي البعض أن الكلاب ليس لها أهمية في التوازن البيئي، هي جزء من التنوع البيولوجي في البيئة، وهي متكيفة مع البيئة المصرية منذ آلاف السنين.
ويلفت إلى أن الكلاب تحمل “البصمة البيئية” لمجتمعها، وتصديرها للخارج قد يمنح البعض القدرة على الحصول على معلومات عن المجتمع المصري من خلال سلوكيات الكلاب والبكتيريا التي يحملونها ونوعية الأمراض المصابة بها.
ويتابع أن استيراد الكلاب من الخارج إضافة إلى مستلزماتها من طعام ولقاحات، مكلف للغاية على الدولة ويحتاج إلى عملة صعبة نحن في حاجة إليها، في حين أن لدينا الكلاب البلدي التي تتميز بذكاء حاد يمكنها من القيام بالمهام المختلفة إذا تمت العناية بها وتدريبها، وعلى عكس الأنواع المستوردة، فهذه الكلاب لا تتطلب أنواع باهظة الثمن من الطعام، كما انها مقاومة للأمراض بحكم تكيفها مع البيئة.
وعن إصابة بعض الكلاب بأمراض خطيرة كالسعار، يقول إن الأطعمة الملوثة التي قد يتناولونها بشكل عشوائي تقف وراء إصابتهم بالأمراض المختلفة، لكن في حالة العناية بها، لن تكون مصدرًا للأمراض بل بالعكس فهي مقاومة للأمراض لأنها مكتسبة للمناعة من بيئتها.
ويؤكد شلتوت أن الحل يبدأ من إيقاف استيراد الكلاب من الخارج وتخصيص الأموال للاهتمام بالكلاب الحرة في الداخل واختيار الأنسب منها وتأهيله للمهام المختلفة، وفي هذه الحالة يمكن تصديرها للخارج مع ضمان أنهم سيكونون في بيئة آمنة، وليس للتناول كغذاء أو للتعذيب، مشددًا أن الكلاب الضالة في مصر فرصة يمكن استغلالها، والتعامل معها كعبء “نظر تحت الأقدام”.
وتسمح مصر باستيراد الكلاب من الخارج للعديد من الأغراض، وفقًا لقانون تنظيم حيازة الحيوانات الخطرة والكلاب رقم 29 لسنة 2023، ولاشتراطات الهيئة العامة للخدمات البيطرية والحجر البيطري الخاصة بدخول الحيوانات الحية إلى مصر.
ورغم أنه لا تتوافر بيانات رسمية حول أعداد الكلاب المستوردة سنويًا، إلا أنه وفقًا لقاعدة بيانات ا WITS) التابعة لـ (World Bank)، بلغت واردات مصر من أغذية الكلاب والقطط المعروضة للبيع بالتجزئة 9.17 مليون دولار لعام 2024.
نوصي للقراءة: موازنة مصر 2027.. ضرائب أكثر، حماية أقل

إعادة التوطين حل مثالي
أما الدكتور محمد يوسف، فيرى أن فصائل الكلاب الحرة في مصر، مهددة بالانقراض، فهي كلاب برية كانت تستوطن الصحراء، ولا توجد سوى في شمال أفريقيا، ونحن من ذهب وليست هي من جاءتنا، بفعل التمدد العمراني، وبالتالي فإن التخلص منها جريمة في حق البيئة، والأولى هو إعادة توطينها في موطنها الأصلي بالصحراء.
ويوضح لـ”زاوية ثالثة”، أنه مع التمدد العمراني في الصحراء، بدأت الحيوانات التي تعيش فيها تدخل إلى الحيز الذي يتواجد فيه البشر، والكلب هو الذي ألف الحياة مع الإنسان من بين تلك الفصائل من ثعالب وأفاعي وغيرها، فوجد الطعام وأنشأ علاقة مع الإنسان، الأمر الذي سهل له التعايش والتكاثر حتى وصل للأعداد التي نعاني منها الآن.
وبالنسبة لشراسة بعض الكلاب، يقول “يوسف” إن الكلاب سلوكياتها تتغير حسب المعاملة التي يتلقونها، فعلى سبيل المثال إذا صدمت دراجة نارية كلب وتسببت في كسر ساقه، سيعتبر باقي الكلاب في الشارع أي دراجة نارية كعدو ويهاجمونها، كذلك الأطفال التي تربط الحبال في رقاب الكلاب، سيتعامل معهم الكلاب الأخرى كمصدر تهديد ويبدأون بمهاجمتهم.
ويضيف أن الحل يكمن في إعادتهم لموطنهم الأصلي بالصحراء، من خلال نقلهم على بعد 5 كم عن أقصى تمدد عمراني متوقع بعد 5 سنوات من الآن، مع توفير حياة ملائمة لهم في الصحراء، مثل أحواض مياه، وطعام من مخلفات المجازر، ومواسير للإيواء فقط، وفي هذه الحالة إذا وجد الكلب الطعام والماء لن يعود إلى الحيز العمراني مرة أخرى، ومع الوقت سيتكيف مع بيئته الجديدة ويعود إلى صفاته البرية التي كانت لديه من قبل.
ويتابع أنه إذا أردنا الحد من التناسل، يتم فصل الذكور عن الإناث، مشيرًا إلى أن هذا الحل ليس مجزرة للذكور كما يشير البعض، لأنه سيتم تركهم في الصحراء التي يوجد فيها كلاب أيضًا، ولأن الذكور والإناث سيصلون إلى بعضهم البعض مرة أخرى، فالفصل هنا للحد من التناسل ولكن بنسبة بسيطة أو مؤقتة.
ويلفت إلى أنه في هذه الحالة سيشكل الكلاب حزام بيئي عالي الجودة والمنفعة، يمنع أي فصيل خطير من الدخول إلى الحيز العمراني، قائلًا إن الكلب مع عودته لطبيعته البرية سيبحث عن الطعام والماء، ففي حالة مقابلته ثعلب أو أفعى أو حتى الجراد، سيقوم بمهاجمتهم ويعاد تشكيل التوازن البيئي، أما داخل الحيز العمراني فالكلب لن يكلف نفسه عناء مهاجمة أفعى أو ثعلب لأنه يجد طعامه في المخلفات بشكل أيسر.
ويشير الخبير البيطري إلى أن هذا الحل يحتاج إلى وقت وخبراء، لكنه مثالي للحد من انتشار الكلاب الضالة في الشوارع، فمن المفترض ألا يوجد أي كلب ضال داخل الحيز العمراني، وفي ذات الوقت لا يتم التخلص منه بطرق غير رحيمة ما يؤثر على التوازن البيئي.
بعد سنوات من الجدل، لا يزال ملف الكلاب الضالة في مصر عالقًا بين تقديرات متضاربة للأعداد، ومخاوف متزايدة على الصحة العامة، ومطالب حقوقية برفض الحلول العنيفة، فيما تتوزع المسؤولية بين جهات حكومية عدة دون وجود قاعدة بيانات دقيقة أو تشريع متكامل ينظم التعامل مع الحيوانات الضالة.
وبينما تراهن الحكومة على استراتيجية “مصر خالية من السعار 2030” وبرامج التعقيم والتطعيم والإيواء، يظل نجاح هذه الجهود مرهونًا بقدرتها على الانتقال من المبادرات المحدودة إلى سياسة وطنية شاملة توازن بين حماية المواطنين والحفاظ على التوازن البيئي، وتضع حدًا لأزمة تتجدد مع كل حادثة عقر جديد