كيف تتخلص مصر من موظفيها دون أن تُعلن ذلك

انخفض عدد العاملين في قطاع الأعمال العام من 827 ألفًا عام 2017 إلى 586 ألفًا عام 2025 بتراجع 30%، في حين صرّح رئيس الوزراء بأن الحكومة تعتبر 70% من العاملين فائضين، وسط توقف شبه كامل للتعيينات وتصفية شركات كبرى وفصل آلاف بقانون تحاليل المخدرات.
Picture of آية ياسر

آية ياسر

كشفت نشرة الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الصادرة في يونيو الماضي أن قطاع الأعمال العام فقد نحو 30% من عمالته خلال ثماني سنوات؛ إذ تراجع عدد العاملين فيه من 827 ألفًا عام 2017 إلى 586.1 ألف عامل عام 2025، مقابل 620.1 ألف عامل عام 2024، بنسبة انخفاض 5.5%.

وبحسب النشرة ذاتها، بلغ عدد العاملين الذكور 515 ألف عامل عام 2025 مقابل 544 ألفًا عام 2024 بانخفاض 5.3%، فيما تراجع عدد العاملات الإناث من 76.1 ألف إلى 71.1 ألف بانخفاض 6.6%.

وخلال العام المالي 2023/2024، خرج من الجهاز الحكومي نحو 224 ألفًا و16 موظفًا؛ بلغ سن التقاعد منهم 203 آلاف و538، وتوفي 14 ألفًا و961 بنسبة 6.7% من إجمالي الحالات، فيما تركه بسبب العجز 3,516 موظفًا بنسبة 1.6%، وبلغ عدد من استقالوا أو فُصلوا 2,001 موظف بنسبة 0.9%.

وأسهم التقاعد المبكر مقابل حوافز في تسريع تراجع الأعداد، في ظل توقف شبه كامل للتعيينات الجديدة في الجهاز الحكومي والقطاع العام، باستثناء حالات محدودة، مع تقييد الإعلان عن الوظائف.

ولا ينفصل هذا التراجع عن سياسة حكومية معلنة تستهدف تقليص حجم الجهاز الإداري، إذ يُقدّر رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي نحو 70% من العاملين بالجهاز الحكومي بوصفهم فائضًا عن الحاجة، في إطار برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي أطلقته الحكومة عام 2016، بهدف ترشيد الإنفاق العام وخفض عجز الموازنة. وتعتبر الحكومة هذه العمالة جزءًا من الأزمة الهيكلية للاقتصاد المصري لا حلاً لها.

يُفسّر الخبير الاقتصادي الدكتور خالد الشافعي تراجع أعداد العاملين بالقطاع العام وقطاع الأعمال العام خلال السنوات الأخيرة بخروج أعداد كبيرة من الموظفين إلى التقاعد دون تعيين بدلاء لهم، بالتزامن مع إعادة هيكلة شركات قطاع الأعمال العام، مثيرًا تساؤلات حول مصير عمال الشركات المملوكة للدولة التي أُغلقت أو جرت تصفيتها أو طُرحت ضمن برامج الطروحات الحكومية والاستحواذات الاستثمارية، كشركة الحديد والصلب، ومدى قدرة القطاع الخاص على استيعابهم.

ويؤكد “الشافعي” أن الحكومة تستهدف ترشيد فاتورة الأجور وتحسين كفاءة الإنفاق العام، لكن هذا التوجه يطرح سؤالاً عملياً: هل تستطيع المؤسسات الحكومية تعويض النقص الناتج عن موجات التقاعد دون ضخ كوادر جديدة بصورة كافية؟

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “العديد من الجهات الحكومية تواجه تحديات زيادة الأعباء الوظيفية على العاملين الحاليين نتيجة انخفاض أعداد الموظفين، في ظل غياب أعداد كافية من العناصر الشابة القادرة على سد الفجوات التي يتركها تقاعد كبار موظفي القطاع العام”.

ويُشير إلى أن بند الأجور في الموازنة العامة ما زال يتجاوز 800 مليار جنيه — ويبلغ تحديدًا نحو 822 مليار جنيه في العام المالي 2025/2026 — مما يفرض على الدولة تحقيق أقصى استفادة من مواردها البشرية. ويدعو إلى الاستفادة من خبرات العاملين بدلاً من الاستغناء عنهم، عبر توفير فرص عمل بديلة أو دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تستوعب هذه الخبرات وتعيد توظيفها.

ويرى الشافعي أن القطاع الخاص مرشح للقيام بدور أكبر في قيادة النشاط الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة، استنادًا إلى وثيقة ملكية الدولة، مما يتيح فرصًا لاستيعاب جزء من العمالة الخارجة من القطاع العام، سواء عبر الالتحاق بالشركات الخاصة، أو من خلال المشروعات الصغيرة والمتوسطة، أو عبر فرص العمل الخارجية لأصحاب الخبرات والكفاءات. ويُوضح أن القطاع الخاص يُعوَّل عليه في تعزيز معدلات النمو وتحسين المؤشرات الاقتصادية الكلية، شريطة توفير بيئة اقتصادية مناسبة تضمن استدامة النشاط الإنتاجي والاستثماري.

 

 

 

نوصي للقراءة: تسريع التخارج من الأصول تحت ضغط التمويل والإصلاحات الدولية

سياسات الخصخصة وإعادة الهيكلة

في ظل تخارج الدولة من بعض القطاعات الاقتصادية، باعت الدولة حصصها في 23 شركة مملوكة للدولة من أصل  709 شركة، منذ بداية عام 2022 وحتى نهاية عام 2025، بقيمة استثمارية بلغت نحو 5.9 مليار دولار، ما أسهم في تراجع أعداد العمالة بالقطاع العام، وفي يونيو 2025، أقرّ البرلمان المصري، قانون تنظيم ملكية الدولة للشركات، بهدف تخارج الحكومة من إدارة أو ملكية الأصول المملوكة لها، لدعم الموازنة العامة وتمكين القطاع الخاص.

في السياق ذاته يرى زهدي الشامي، الخبير الاقتصادي والقيادي بحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، أن التراجع في أعداد العاملين بقطاع الأعمال العام يعد نتيجة طبيعية للسياسات الاقتصادية التي طُبقت خلال السنوات الأخيرة، موضحًا أن الاتفاقيات المبرمة بين الحكومة المصرية وصندوق النقد الدولي تضمنت توجهات تستهدف تقليص حجم العمالة في الدولة وخفض عدد الشركات المملوكة لها عبر الخصخصة أو التصفية.

ويشير إلى أن موجات الخصخصة بدأت منذ تسعينيات القرن الماضي واستمرت خلال السنوات الأخيرة من خلال وثيقة ملكية الدولة، التي ارتبطت ببيع حصص في عدد من الشركات الحكومية، إلى جانب تصفية شركات كبرى، مثل الحديد والصلب وسماد طلخا وغزل كفر الدوار، وهو ما انعكس على حجم العمالة بالقطاع العام.

ويضيف أن الشركات باتت تعتمد بصورة متزايدة على أنماط تشغيل بديلة، مثل شركات إلحاق العمالة والتعاقد مع شركات متخصصة لتقديم خدمات الأمن والنظافة، بدلاً من التوظيف الدائم، ما أدى إلى اتساع ظاهرة العمالة غير المثبتة. كما يلفت إلى أن إحجام الجهات الحكومية والشركات عن تعيين بدائل للعاملين المحالين إلى التقاعد، إلى جانب التوسع في استخدام التكنولوجيا وتحديث نظم العمل، يمثلان عاملين إضافيين أسهما في خفض أعداد العاملين خلال السنوات الأخيرة.

فيما يعتبر مالك عدلي، مدير المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أن هذا يرتبط بالسياق الاقتصادي العام والسياسات الحكومية المتعلقة بإعادة الجهاز الإداري للدولة وتراجعه عن بعض الأدوار والخدمات لصالح القطاع الخاص، ويرتبط ذلك بالموازنة العامة والاعتمادات المالية وأولويات الإنفاق الحكومي.

ويلفت إلى أن جزءًا من التراجع في أعداد العاملين، ناتج عن التوسع في برامج التحول الرقمي وميكنة الخدمات الحكومية، حيث أصبحت العديد من الخدمات تُنجز إلكترونيًا دون الحاجة إلى الأعداد نفسها من الموظفين، معتبراً أن تحسين الخدمات وتقليل الوقت والجهد على المواطنين أمر إيجابي، ما لم يكن ذلك مرتبط بضغوط اقتصادية دفعت الدولة إلى تقليص الخدمات العامة وتحويلها تدريجيًا إلى القطاع الخاص.

 

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “الانتقال من القطاع العام إلى الخاص، يجب أن يشمل الحفاظ على الحقوق والمزايا الاجتماعية التي كانت توفرها مؤسسات القطاع العام للعاملين بها، مثل نظم التأمين الاجتماعي والتأمين الصحي، والحضانات الخاصة بأبناء العاملات، والأندية الاجتماعية والرياضية، وبعض أشكال الإسكان والخدمات الاجتماعية المرتبطة بالعمل”.

ويوضح أن كثيراً من هذه المكتسبات تراجعت أو اختفت مع توسع سياسات الخصخصة وإعادة الهيكلة، وهو ما يفرض الحاجة إلى آليات جديدة لحماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للعاملين.

ويشدد على أن تعزيز حرية التنظيم النقابي يمثل أحد أهم الضمانات لحماية العمال في ظل التحولات الاقتصادية الجارية، معتبرًا أن وجود نقابات مستقلة وقادرة على تمثيل العمال والدفاع عن مصالحهم، إلى جانب ضمان حقهم في التنظيم والتفاوض الجماعي والإضراب السلمي، من شأنه أن يوفر توازن أكبر في علاقات العمل ويحد من تآكل حقوق العاملين خلال عمليات إعادة الهيكلة أو الخصخصة.

 

نوصي للقراءة: الكيماويات والمعادن في المقدمة: مصر تُسرّع بيع 60 شركة حكومية

التحول الرقمي

تستحوذ محافظة القاهرة، على أعلى عدد العاملين بالقطاع العام بنحو 177 ألف عامل، يشكلون نسبة 30.3 % من إجمالي العاملين، يليها محافظة الإسكندرية التي تضم حوالي 55 ألف عامل ثم الجيزة بنحو 36 ألف عامل ثم الغربية وبها حوالي 30 ألف عامل، ومحافظة القليوبية التي تضم نحو 25 ألف عامل، وفقًا للنشرة السنوية لإحصاء العاملين بقطاع الأعمال العام لعام 2025، والصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، في 15 يونيو 2026.

ويضم قطاع الاسكان والتعمير أعلى عدد للمشتغلين في القطاع العام في مصر، يبلغ نحو 210.5 ألف عاملاً بنسبة قدرها 35.9  %  يليه قطاع الصناعة والبترول والثروة المعدنية  بنسبة  19.7 %، ثم  قطاع الكهرباء بنسبة 17.9 % من إجمالي العاملين بالقطاع العام، وتشكّل الوظائف التنفيذية أعلى معدل بنسبة 37.8% من إجمالي عدد العاملين، أما الوظائف المكتبية فتسجل أقل معدل بنسبة 1.2 % منهم

 

ويربط  الدكتور عادل عامر، رئيس مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية، انخفاض أعداد العاملين في القطاع العام بسياسة تتبناها الدولة منذ عام 2014 تستهدف تقليص حجم العمالة الحكومية وترشيد التوظيف الحكومي رفع كفاءة إدارة الموارد البشرية، بجانب إحالة أعداد كبيرة من الموظفين إلى المعاش دون تعيين، إضافة إلى برامج إعادة هيكلة شركات قطاع الأعمال العام التي أسهمت أيضًا في تقليص العمالة من خلال التوسع في المعاش المبكر، وإعادة توزيع العمالة بين الشركات، والاعتماد على العقود المؤقتة بدلًا من التعيين الدائم.

ويرى أن التحول الرقمي والميكنة ساهما في تقليل الحاجة إلى بعض الوظائف الإدارية التقليدية، وتراجع معدلات التوظيف الجديدة، إذ ساهم التحول الرقمي في تقليص حجم العمالة بالجهات الحكومية من خلال دمج الإدارات المتشابهة وميكنة الخدمات، ضمن رؤية مصر 2030، وارتفع عدد الخدمات الحكومية المتاحة على منصة مصر الرقمية، بنسبة 23.5% ليصل إلى 210 خدمات خلال عام 2025، مقارنة بـ 170 خدمة خلال عام 2024، مع إتاحة 73 خدمة عبر القنوات الرقمية الأخرى، وتشمل النيابة العامة ونيابة المرور والتوثيق والمحاكم والسجل التجاري والتموين والإسكان، وعدد من خدمات المصريين بالخارج.

ويشرح أن ارتباط بين سياسات الإصلاح الإداري والمالي التي تنفذها الدولة وبرامج الدعم الفني والتمويل المقدمة من  البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي، بينما يتوافق الاتجاه نحو الرقمنة وإعادة الهيكلة مع توجهات عالمية تدعمها مؤسسات التمويل الدولية، دون أن يعني ذلك وجود التزام مباشر بخفض العمالة استجابة لشروط محددة.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “الدولة تتبنى سياسات مالية تستهدف تحقيق التوازن بين الإنفاق العام والإيرادات، مما انعكس على ضبط فاتورة الأجور والحد من التعيينات الحكومية، ويسهم خفض أعداد العاملين في تقليل الأعباء المالية المرتبطة بالأجور والمزايا التأمينية، وقد يؤدي إلى رفع الإنتاجية إذا اقترن بتطوير نظم العمل والتدريب والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة، وبعض شركات قطاع الأعمال العام التي كانت تعاني تضخمًا في العمالة قد تشهد تحسنًا في مؤشرات الأداء المالي نتيجة إعادة الهيكلة”.

ورغم ذلك يُحذّر من فقدان الخبرات المتراكمة نتيجة خروج أعداد كبيرة من العاملين ذوي الخبرة دون إعداد صفّ ثاني قادر على نقل المعرفة واستكمال المهام، مشيرًا إلى أن انخفاض العمالة قد يؤدي إلى زيادة الأعباء الواقعة على العاملين الباقين، وظهور فجوات في بعض التخصصات الفنية والهندسية النادرة.

ويوضح أن المؤشرات الحالية تعكس انتقال الدولة من سياسة التوسع في التوظيف الحكومي إلى رفع كفاءة الموارد البشرية، وإعادة التأهيل، والتحول الرقمي، وتطوير نظم الإدارة، وجذب الكفاءات للتخصصات المطلوبة، معتبرًا أن التحدي الحقيقي يتمثل في تحقيق التوازن بين ترشيد العمالة والحفاظ على الكفاءة الإنتاجية والاقتصادية، دون إهدار لرأس المال البشري والخبرات المتراكمة.

ويضيف: “انخفاض أعداد العاملين لا يمكن اعتباره في حد ذاته مؤشرًا إيجابيًّا أو سلبيًّا، وإنما تتوقف نتائجه على قدرة المؤسسات على تعويض النقص في العمالة، ورفع الكفاءة والإنتاجية، وضمان نقل الخبرات بين الأجيال الوظيفية المختلفة”. 

ويؤكد أن خروج أكثر من 224 ألف موظف من الخدمة خلال عام ماليّ واحد بسبب بلوغ سن التقاعد أو المعاش المبكر أو أسباب أخرى، أسهم بصورة واضحة في انخفاض أعداد العاملين، خاصة في ظل عدم تعيين بدائل كافية، مضيفًا أن الدولة، رغم توسعها في إنشاء مجتمعات عمرانية جديدة ومشروعات تنموية، لم تعوض النقص في العمالة، ما أدى إلى زيادة الأعباء على العاملين الحاليين، بحيث أصبحت مهام كان يؤديها ثلاثة أو أربعة موظفين تُسند في بعض الحالات إلى موظف واحد.

ويلفت إلى أن قانون الخدمة المدنية أسهم في ترسيخ هذا الاتجاه من خلال عدم شغل العديد من الوظائف التي تخلو بخروج أصحابها إلى المعاش، وهو ما انعكس على حجم العمالة داخل الجهاز الإداري للدولة.

 

 

نوصي للقراءة: بيع أصول الدولة.. الصكوك السيادية المصرية بين خفض الدين ورهن المستقبل

قانون الذبح الوظيفي

إثر صدور القانون رقم 73 لسنة 2021، الذي عُرف بقانون الذبح الوظيفي، طالت موجة من الفصل آلاف الموظفين العاملين بالجهاز الإداري للدولة والمصالح والأجهزة الحكومية والهيئات العامة ووحدات الإدارة المحلية وشركات قطاع الأعمال العام وشركات إدارة المرافق بالدولة، بعد تعرضهم لإجراء تحليل المخدرات الفجائي، غير أن الحكومة لم تكشف قط عن عدد الموظفين المفصولين.

وبحسب الدكتور عمرو عثمان، مدير صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، تم الكشف المبكر عن تعاطي المخدرات لـ 5819 موظف من العاملين في الجهاز الإداري للدولة، وكانت النائبة السابقة إحسان شوقي، قد تقدمت بطلب إحاطة إلى رئيس الحكومة ووزير الصحة ووزير العمل للإفادة عن عدد الموظفين الذين تم فصلهم بناءًا على نصوص القانون رقم 73 لسنة 2021.

وبحسب المادة الثانية من القانون، يتعين على العامل الإفصاح قبل إجراء التحليل عن جميع العقاقير التي يتناولها، وفي حالة إيجابية العينة يتم تحريزها وإيقاف العامل بقوة القانون عن العمل لمدة لا تزيد على ثلاثة أشهر أو لحين ورود نتيجة التحليل التوكيدي أيهما أقرب، مع وقف صرف نصف أجره طوال فترة الوقف عن العمل.

ووفقًا للمادة الخامسة من القانون، يُعد ثبوت تعمد الامتناع عن إجراء التحليل أثناء الخدمة أو التهرب منه بغير عذر مقبول سببًا موجبًا لإنهاء الخدمة، وتنص المادة السادسة على أن: “يُعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تجاوز مائتي ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من يسمح عمدًا لمن ثبت تعاطيه المخدرات بشغل إحدى الوظائف بالجهات المشار إليها في المادة الثانية من هذا القانون أو الاستمرار فيها”.

ويشرح المحامي بالنقض مصطفى زكي الذي تقدم بطعن دستوري ضد القانون رقم 73 لسنة 2021، أن القانون يطبق في حالتين: ثبوت إيجابية العينة، أو امتناع العامل عن إجراء التحليل، دون اشتراط أن يكون العامل متأثرًا بالمخدر أثناء العمل، بخلاف ما كان معمولًا به في قانون العمل والخدمة المدنية، دون أن يمنح العامل فرصة ثانية لإعادة التحليل بعد شهرين. 

ويقول لـ”زاوية ثالثة”: “تُجمع عينات البول بشكل جماعي في مقار العمل، مما يزيد احتمالات اختلاطها، في حين تعتمد معظم الدول على عينات الدم الأكثر دقة. كما أن عينة البول تفقد صلاحيتها بعد ساعتين، بينما يتم في بعض الحالات إرسالها إلى الطب الشرعي بعد أيام أو حتى أسابيع، ما يفتح الباب أمام نتائج غير دقيقة”.

ويضيف أن “دقة التحليل الاستدلالي لا تتجاوز 50%، ورغم ذلك تم فصل آلاف العمال استنادًا إلى هذه النتائج، وجود نسبة ضئيلة جدًا من المخدر في الجسم قد تؤدي إلى إنهاء الخدمة، حتى وإن نتجت عن تدخين سلبي أو تناول دواء مشروع يؤثر على نتيجة التحليل”.

وفي يونيو الماضي أعلن فريق الدفاع في الدعوى الدستورية المقامة طعنًا على القانون، المكون من المحامين مصطفى زكي، وأحمد الزيني، وعزيزة الطويل ممثلةً عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، ومحمد فتوح، وسلمان العشري، أن هيئة مفوضي المحكمة الدستورية العليا قررت، حجز الدعوى لإعداد وإيداع تقرير الرأي القانوني الخاص بالهيئة، سمحت هيئة المفوضين بالمرافعة الشفوية، حيث عرض فريق الدفاع دفوعه القانونية والدستورية المتعلقة بالقانون محل الطعن.

وأوضح بيان الدفاع أن النصوص المطعون عليها سلبت السلطة التقديرية للمحاكم والجهات الإدارية والشركات في تقدير الجزاء المناسب لكل حالة على حدة، وجعلت إنهاء الخدمة عقوبة حتمية لا تتيح مراعاة الظروف الفردية أو الوظيفية للعامل.

كذلك دفع الدفاع بوجود غلو في العقوبة المقررة بالقانون، معتبرًا أن الجزاء المتمثل في إنهاء الخدمة بصورة إلزامية يخل بمبدأ التناسب بين المخالفة والعقوبة، ويتعارض مع المبادئ الدستورية المستقرة التي أكدت عليها أحكام المحكمة الدستورية العليا بشأن ضرورة أن يكون الجزاء متوازنًا ومحققًا للصالح العام، مشيرًا إلى ما يترتب على التطبيق الحتمي للعقوبة من آثار اجتماعية واقتصادية واسعة النطاق، من بينها الإضرار بأسر العاملين وتهديد الاستقرار الاجتماعي لشريحة كبيرة من المواطنين.

وتضمن التقرير المقدم للمحكمة من هيئة الدفاع عرضًا لعدد من الأدوية المتداولة التي قد تؤثر على نتائج بعض الاختبارات الأولية، إلى جانب التأكيد على أهمية إجراء التحاليل التأكيدية المتقدمة داخل معامل متخصصة ومعتمدة باستخدام تقنيات علمية دقيقة، مثل الفصل الكروماتوجرافي المقترن بمقياس الطيف الكتلي، للتحقق من النتائج وضمان سلامة الإجراءات الفنية.

 

نوصي للقراءة: طعن دستوري يعيد الأمل لمفصولي المخدرات

عجز العمالة وتعطيل الخدمات 

يؤكد النائب إيهاب منصور، وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، أن تراجع أعداد العاملين بالقطاع العام وقطاع الأعمال العام خلال السنوات الأخيرة يعكس سياسات متراكمة، أبرزها توقف التعيينات الحكومية في مقابل استمرار خروج أعداد كبيرة إلى المعاش، فضلاً عن عمليات إعادة الهيكلة والدمج وإغلاق عدد من الشركات وتصفيتها، مما أفضى إلى انخفاض مستمر في حجم العمالة دون تحسن ملموس في مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “العديد من قطاعات الدولة تعاني حاليًا من عجز واضح في العمالة، فمثلاً فقدت هيئة المساحة المصرية التابعة لوزارة الموارد المائية والري أعدادًا كبيرة من العاملين بسبب الإحالة إلى المعاش دون تعيين بدلاء، ما تسبب في تأخر صرف تعويضات المواطنين المتضررين من مشروعات الدولة لسنوات طويلة بسبب نقص الكوادر البشرية”.

ويُضيف أن “أزمة نقص العاملين لا تقتصر على قطاع الأعمال العام، بل تمتد إلى قطاعات حيوية أخرى، من بينها القطاع الصحي الذي يشهد عجزًا في أعداد الأطباء وأطقم التمريض، لتدني الأجور وظروف العمل الصعبة التي تدفع الأطباء إلى الاستقالة أو البحث عن فرص عمل خارج البلاد”.

وينتقد منصور غياب رؤية واضحة للإحلال والتجديد داخل الجهاز الإداري للدولة، مؤكدًا أن الجهات الحكومية لا تضع خططًا معلنة لتقدير احتياجاتها المستقبلية من العمالة أو لمواجهة موجات التقاعد، ما يُوسّع فجوات العجز في كثير من المؤسسات.

ثماني سنوات من التراجع المتواصل في أعداد العاملين بالقطاع العام وقطاع الأعمال العام تكشف عن معادلة لم تكتمل بعد: الدولة تُقلّص جهازها الوظيفي بحثًا عن كفاءة أعلى وإنفاق أقل، لكن هيئة المساحة تتأخر في صرف تعويضات المتضررين، والمستشفيات تفقد أطباءها، وكثير من المؤسسات تُحمّل موظفيها الحاليين أعباء من رحلوا.. في انتظار قطاع خاص لم يملأ الفراغ بعد.

آية ياسر
صحافية وكاتبة وروائية مصرية حاصلة على بكالوريوس الإعلام- جامعة القاهرة.

Search