1400 طبيب بلا تخصص ومستشفيات تعلن العجز.. وزارة الصحة ترفض التراجع عن حركة نيابات 2026

30% من أطباء حركة نيابات 2026 استنفذت رغباتهم دون الحصول على أي تخصص مقارنة بـ6% تاريخيًا، ومنهم أصحاب مجاميع تجاوزت 85%، بينما تعلن مستشفيات حاجتها لأطباء ولا تُدرج مقاعد كافية في الحركة، ووزارة الصحة ترفض التراجع عن القرار
Picture of إبراهيم الهادي عيسى

إبراهيم الهادي عيسى

أعلنت وزارة الصحة والسكان عن نتائج حركة نيابات الأطباء المقيمين لعام 2026 بتاريخ 30 يوليو 2026. كشفت الحركة عن اختلالات أثارت شباب الأطباء المكلفين، ولا سيما خريجي دفعة 2023 المشمولين بالحركة، بسبب ارتفاع نسبة “استنفاد الرغبات” للمتقدمين بمن فيهم أصحاب الدرجات الأكاديمية والمجاميع المرتفعة.

وكانت وزارة الصحة قد أصدرت قرارًا إداريًا بإلغاء حركة نيابات ديسمبر 2025 ودمجها مع حركة مايو 2026 في حركة أساسية واحدة لعام 2026، بهدف معلن هو توحيد إجراءات التنسيق الإلكتروني وتجميع الاحتياجات الاحتياطية والتخصصية للوزارة في منفذ واحد.

ولكن بعد انتظار من الأطباء دام أكثر من عامين، ظهرت تحركات برلمانية بشأن تأخر الإعلان عن حركة نيابات ديسمبر 2025، كما خاطبت نقابة الأطباء وزير الصحة لسرعة إعلان نتيجة حركة نيابات الأطباء الأساسية لعام 2026، بعدما شهدت تأخرًا غير مسبوق.

نقيب الأطباء الدكتور أسامة عبد الحي، يقول لـ”زاوية ثالثة” إن الردود عن أسباب التأخير جاءت في إطار “وجود مشكلات مرتبطة بالحساب العلمي”.

وفي 4 أغسطس 2026، شهد القطاع الطبي أزمة واضحة، بعد وصول نسبة “استنفاذ الرغبات” إلى نحو 30% من إجمالي المتقدمين، وبقي 1400 طبيب دون تخصص طبي أو جهة تدريبية، وهي نسبة غير مسبوقة مقارنة بالمعدلات التاريخية لاستنفاد الرغبات في الحركات السابقة، والتي كانت تتراوح عادة بين 6% و8% فقط، كما لم تقتصر أزمة الاستنفاذ على أصحاب المجاميع المتوسطة، بل طالت أطباء حاصلين على مجاميع مرتفعة تراوحت بين 85% و91%. 

وحسب إحصاءات ومستندات حصلت عليها “زاوية ثالثة”، فقد تغيرت خريطة الطلب على التخصصات الطبية بين سبتمبر 2022 وديسمبر 2024، مع ارتفاع إجمالي احتياجات الحركة الأساسية فقط من 15.3 ألف نيابة إلى 37.5 ألفًا فضلًا عن 37.5 ألفًا أخرى للحركة الثانية و2.3 ألف لـ”التعليمي”. 

وتظهر تلك البيانات ارتفاع احتياجات طب الأسرة من 1863 نيابة في سبتمبر 2022 إلى 5003 نيابات في ديسمبر 2024، بينما زادت احتياجات العناية المركزة من 948 إلى 2396 نيابة، والتخدير من 1068 إلى 2101 نيابة خلال الفترة نفسها.

عبد الرحمن أشرف أحد الأطباء المتضررين من أزمة حركة النيابات والتكليف، إن الأطباء فوجئوا بضم حركتي زمالة 2025 ومايو 2026 وتأجيل إعلان الحركة لنحو 8 أو 9 أشهر عن موعدها المعتاد، مشيرًا إلى أن الحركة الأخيرة شملت نحو 4900 طبيب، من بينهم نحو 1400 تعرضوا لـ”استنفاذ الرغبات” ولم يحصلوا على أي من الرغبات التي تقدموا بها.

ويوضح “أشرف” لـ”زاوية ثالثة” أن الأزمة لا تتعلق فقط بعدد الأطباء غير الحاصلين على تخصصات، وإنما تمتد إلى طريقة إدارة الحركة وغياب البيانات المعتاد إعلانها سنويًا، وعلى رأسها ملف الحد الأدنى الذي يوضح أعداد المقبولين في كل تخصص ومستشفى والحد الأدنى للقبول.

ويضيف أن الأطباء فوجئوا كذلك بحصول بعض المتقدمين على أماكن لم تدرج ضمن رغباتهم، بينما حصل آخرون على أماكن في ذيل رغباتهم، في الوقت الذي لم تُعلن فيه البيانات التفصيلية التي تسمح للأطباء بمراجعة نتائج الحركة بصورة شفافة.

ويشير إلى أن المستشفيات أعلنت احتياجاتها الفعلية من الأطباء، إلا أن الأعداد المعلن عنها في الحركة، حسب تصريحه، أقل بكثير من الاحتياجات المعلنة في الأقسام والمستشفيات.

 

مقرر لجنة الشباب بالنقابة العامة للأطباء الدكتور أحمد السيد، يقول إن ظهور حالة “استنفاذ الرغبات” في حركات النيابات أمر معتاد في حد ذاته، لكن ما يثير التساؤلات، حسب قوله، هو ظهورها لدى أطباء حاصلين على مجاميع مرتفعة بأماكن وتخصصات لم تكمل احتياجاتها سابقًا.

ويوضح لـ”زاوية ثالثة” أن الأمر يحتاج توضيحًا رسميًا يبين كيفية احتساب الاحتياجات وترتيب الرغبات، خاصة مع وجود حالات يرى أصحابها أن مجموعهم يؤهلهم لتخصصات معينة، بينما انتهت نتائجهم إلى “استنفاذ الرغبات”.

ويصف “السيد” تأخير إعلان حركة نيابات 2026 بـ”غير مسبوق” مقارنة بما اعتاده الأطباء في الحركات السابقة، مشيرًا إلى أن التأخير أصبح، من وجهة نظره، سمة متكررة في إدارة حركات التكليف والنيابات خلال الفترة الأخيرة.

ما الذي يدفع أطبّاء مصر إلى الهجرة؟

المستشفيات تشكو ندرة الطواقم الطبية

يقول عمرو المنياوي وهو أحد الأطباء المتضررين من حركة نيابات 2026، إن لدى المستشفيات احتياج كبير للأطباء، بينما لم تُدرج أعداد كافية من النيابات لتلك المستشفيات ضمن الحركة.

ويوضح لـ”زاوية ثالثة” أن بعض المستشفيات أعلنت بالفعل حاجتها إلى أطباء، بل إن بعضها أجرى تعاقدات لسد احتياجاته، متسائلًا عن سبب عدم إتاحة نيابات بها للأطباء المتقدمين للحركة، زاعمًا أن مستشفى بولاق أعلنت عن حاجتها إلى أطباء دون أن تنعكس تلك الاحتياجات على حركة النيابات في 2026.

كما يدّعي “عبد الرحمن أشرف” أن رئيس قسم جراحة المسالك والذكورة بمستشفى الأحرار بالزقازيق، أبلغه -شخصيًا- باحتياج القسم إلى 7 أطباء، بينما لم تتضمن الحركة سوى مقعد واحد فقط للتخصص لـ2026، حسب زعمه، رغم عدم اكتمال الأماكن المطلوبة في الحركات السابقة.

ويشرح “أشرف”: المشكلة تظهر واضحة في تخصصات حيوية مثل “الباطنة العامة”، ويزعم أن محافظة الشرقية بمراكزها ومستشفياتها، حصلت في الحركة الأخيرة على 25 طبيبًا فقط في تخصص الباطنة العامة، مقارنة بنحو 250 طبيبًا في الدفعة السابقة 2024، كما يدّعي أن مستشفيات جامعة الزقازيق وحدها حصلت على 28 طبيبًا لسد احتياجاتها.

ويذكر أن انخفاض أعداد المقبولين في بعض التخصصات يضع ضغوطًا إضافية على الأطباء بالمستشفيات، في ظل عجز ببعض الأقسام، بينما يظل أطباء آخرون دون تخصص رغم استيفائهم الشروط وتقدمهم على مدار الفترة المقررة.

وكذلك، يزعم محمد المزين وهو أحد المتضررين من حركة نيابات الأطباء 2026، أن مستشفى العبور للتأمين الصحي بها 7 نواب متخصصين في الجهاز الهضمي، بينهم طبيبان حاصلان على الزمالة، بينما أُدرج نائب واحد فقط ضمن الحركة 2026، حسب قوله لـ”زاوية ثالثة”.

بينما يدّعي “عبد الرحمن أشرف” أن تخصصي الرمد والجلدية لم يُتاحا -نهائيًا- للأطباء في الحركة الأخيرة، معتبرًا أن إغلاق تخصصات بعينها أمام دفعة كاملة يحتاج إلى تفسير واضح، خاصة في ظل وجود احتياجات معلنة من بعض الأقسام.

 

 

الرواتب، الهجرة، والدستور: لماذا حققت النيابة مع ممثل الأطباء؟

شباب الأطباء يستبعدون حسن النية

يقول “عبد الرحمن أشرف” أن بعض الأصوات بحسن نية تقول إن ما يجري في الأزمة الحالية قد يكون توجيهًا للأطباء لسد عجز تخصصات مثل طب الأسرة والطوارئ، ولكنه يزعم أن نحو 45 طبيبًا فقط حصلوا على تخصص طب الأسرة ونحو 20 طبيبًا في تخصص الطوارئ من إجمالي نحو 4900 طبيب شملتهم الحركة.

ويذكر “أشرف” أن مطلب الأطباء هو إعلان البيانات التفصيلية للحركة، بما يشمل احتياجات المستشفيات وأعداد المقاعد والحد الأدنى للقبول، حتى يمكن التأكد من سلامة عملية التنسيق ومعرفة الأسس التي جرى بناء النتائج عليها.

ويذكر أن استمرار الوضع الحالي قد ينعكس على منظومة التدريب الطبي، وعلى قدرة المستشفيات على سد احتياجاتها من الأطباء، محذرًا من أن غياب الوضوح في حركة النيابات والتخصصات قد يدفع مزيدًا من الأطباء إلى التفكير في الهجرة بحثًا عن فرص تدريب وعمل أكثر استقرارًا.

في حين، يقول محمود علي وهو أحد الأطباء المتضررين، إن نتيجة حركة النيابات تثير تساؤلات بين الأطباء، خاصة فيما يتعلق بإعلان “استنفاذ الرغبات” في أماكن لم تستنفد احتياجاتها خلال الحركات السابقة، حسب زعمه.

ويضيف لـ”زاوية ثالثة” أن بعض الأماكن لم تكتمل احتياجاتها خلال آخر 3 سنوات، حسب زعمه، رغم مرور عدة حركات، قبل أن تظهر ضمن نتائج الحركة الحالية باعتبارها أماكن مستنفدة، معتبرًا أن ذلك يستدعي توضيحًا رسميًا من الوزارة.

بينما يقول ياسر الجفاري وهو طبيب متضرر من حركة نيابات الأطباء 2026، إن نتيجة الحركة جاءت، حسب رؤيته، على نحو غير متوقع مقارنة بترتيب الأماكن المتقدم إليها في الحركات السابقة.

ويوضح لـ”زاوية ثالثة” أن الفارق بين مجموعه وبين الحد الأدنى للأماكن التي كان يستهدفها لا يقل عن نحو 3% في كل حركة سابقة، لكنه فوجئ بظهور نتيجته “استنفاذ الرغبات”.

ويضيف أن الأطباء يحتاجون أيضًا معرفة الحد الأدنى للقبول في التخصصات والأماكن التي أُدرجت ضمن الحركة، حتى يمكنهم تفسير نتائج الاستنفاد ومقارنتها بمجاميع الأطباء وترتيب رغباتهم.

كما يقول محمود عوض وهو أحد الأطباء المتضررين من حركة نيابات الأطباء 2026، إن بعض الأطباء اختاروا أماكن لم تكتمل في حركات سابقة، ومع ذلك ظهرت ضمن النتائج الحالية بصورة أثارت تساؤلاتهم، مضيفًا أن الأطباء طالبوا قبل إعلان النتيجة بالكشف عن أعداد الاحتياجات الفعلية لكل تخصص ومكان، لكنهم لم يحصلوا على إجابة واضحة، على حد قوله لـ”زاوية ثالثة”.

يطالب عوض وزارة الصحة بتفسير أسباب النتائج، محذرًا من أن استمرار الوضع على هذا النحو قد يدفع بعض الأطباء إلى ترك العمل بالوزارة، قائلًا إنهم بحاجة إلى “تفسير ما يحدث”.

أوكلت نقابة الأطباء الرد على أسئلة “زاوية ثالثة” إلى مقرر لجنة الشباب بالنقابة العامة للأطباء الدكتور أحمد السيد، الذي يقول إن أزمة استنفاد رغبات 1400 طبيب، لم تشهد حتى الآن خطوات عملية جديدة، موضحًا أن لجنة التكليف العليا عقدت اجتماعًا في 10 أغسطس 2026، لكنه جاء في إطار الاجتماعات الدورية والروتينية، لمناقشة الملفات المعتادة دون اتخاذ قرارات جديدة في أزمة “استنفاذ الرغبات” الأخيرة.

وكانت بعض المواقع الإلكترونية قد نشرت أن هذا الاجتماع قد يشهد ما وصفته بـ”انفراجة” فيما يخص شباب الأطباء المتضررين من “استنفاذ الرغبات”، إلا أن الواقع لم يشِر إلى جديد، حسب “السيد”.

ويضيف “السيد” أن الحلول والسيناريوهات المطروحة للتعامل مع الأزمة لا تزال قيد المناقشة والدراسة، عبر اللقاءات والاجتماعات الجارية، لافتًا إلى أن الفترة المقبلة ستشهد مزيدًا من التحركات في هذا الملف.

ويشير إلى أن الخطوة المرتقبة حاليًا هي فتح باب التظلمات أمام الأطباء، موضحًا أن “الجهات المعنية” تواصل بحث البدائل والحلول الممكنة للتعامل مع مختلف السيناريوهات المرتبطة بأزمة التكليف.

يدعو “السيد” شباب الأطباء إلى إعداد حصر يتضمن أسماء الأطباء ومجاميعهم ورغباتهم ونتائجهم بجانب موقفهم في الحركات السابقة، تمهيدًا لتحديد الخطوات التالية بناءً على بيانات واضحة بدلًا من الاعتماد على أرقام غير موثقة.

وفي رده على خطاب “زاوية ثالثة” يقول المتحدث الرسمي لوزارة الصحة حسام عبد الغفار، إن الوزارة لا تتعامل مع قرار “استنفاذ الأطباء” بمنطق التراجع أو عدم التراجع. وهو ما يمكن حمله على أن الوزارة لن تتراجع عن قرارها بشكل قاطع.

وقد خاطبت “زاوية ثالثة” وزارة الصحة للرد على أسئلتها الملخصة في: لماذا تم استنفاذ رغبات هذا العدد الكبير من الأطباء بينما المستشفيات في حاجة فعلية لمختلف الطواقم الطبية؟ وهل من نية للتراجع عن القرار بعد غضب الوسط الطبي والنقابي؟

ويضيف “عبد الغفار” في رده المقتضب، أن الوزارة تتعامل مع ملف الأطباء بما وصفه بـ”منطق المراجعة المؤسسية للحالات وفق القواعد والاحتياجات الفعلية”، مشيرًا إلى أن الوزارة ستتعامل كذلك مع التظلمات والوقائع المقدمة وفق الأطر المنظمة.

 لا تتوقف أزمة حركة نيابات 2026 عند حدود 1400 طبيب لم يحصلوا على تخصص، وإنما تمتد إلى سؤال أكبر يتعلق بآلية توزيع الأطباء وشفافية البيانات التي بُنيت عليها النتائج، بينما لا يزال شباب الأطباء ينتظرون الكشف عن أعداد الاحتياجات والمقاعد والحدود الدنيا للقبول، في حين يتساءلون: كيف يجتمع وجود أطباء بلا تخصص مع مستشفيات تقول إنها تحتاج إلى أطباء؟ 

 

تداعيات إلغاء تكليف الأطباء في مصر

إبراهيم الهادي عيسى
صحفي مهتم بالقضايا الاقتصادية وتقاطعاتها مع العدالة الاجتماعية والقصص الإنسانية

Search