في صباح الأول من يوليو الماضي، اليوم الأول من العام المالي 2026/2027، كان وليد محمود (52 عامًا)، الموظف بديوان وزارة الأوقاف، ينتظر القطار في محطة بولاق الدكرور، عندما أعلنت مذيعة الراديو الداخلي للمترو بدء رفع الحد الأدنى للأجور من سبعة آلاف إلى ثمانية آلاف جنيه. انتهى الخبر، وانتقلت الإذاعة إلى فقرة غنائية بمناسبة احتفالات 30 يونيو، بينما كان وليد يفكر في كلفة الطريق اليومية إلى مقر عمله بالعاصمة الإدارية.
«لم أجرّب المونوريل ولن أجرّبه؛ التذكرة بـ80 جنيهًا للرحلة الواحدة»، يقول وليد لـ«زاوية ثالثة». يسكن في شارع همفرس ببولاق الدكرور، ويستقل المترو يوميًا حتى محطة عدلي منصور شمال شرقي القاهرة، ثم يبدّل وسيلة المواصلات مرة أخرى ليستقل ميكروباصًا إلى ديوان وزارة الأوقاف في العاصمة الإدارية.
تبلغ تكلفة تذكرة المونوريل 20 جنيهًا للتنقل حتى 5 محطات، بينما ترتفع إلى 40 جنيهًا للتنقل حتى 10 محطات، وتزيد إلى 55 جنيهًا للتنقل حتى 15 محطة، وتصل إلى 80 جنيهًا لرحلة الخط الكامل من مدينة نصر وحتى العاصمة الإدارية بإجمالي 22 محطة. بينما يبلغ سعر تذكرة مترو الأنفاق الواحدة (بخطوطه الثلاثة) 10 جنيهات للتنقل حتى 9 محطات، و12 جنيهًا حتى 16 محطة، و15 جنيهًا حتى 23 محطة، و20 جنيهًا حتى 39 محطة (كامل الخط).
يتابع الموظف بديوان وزارة الأوقاف بالعاصمة الإدارية أن انتقاله بالمونوريل قد يكلفه يوميًا أكثر من 200 جنيه، إذ إن عليه أن يستقل المترو من حيث يسكن إلى محطة الإستاد ثم استقلال المونوريل ثم النزول من المحطة لاستقلال أتوبيس العاصمة الداخلي الذي تكلف تذكرته 5 جنيهات للتنقل بين مباني المدينة الجديدة.
يرى الباحث العمراني إبراهيم عز الدين أن أزمة المونوريل لا تقتصر على غياب التكامل مع وسائل النقل الأخرى، وإنما تمتد إلى غياب التكامل مع المدن القائمة وأنماط حياة المواطنين، موضحًا أن التخطيط لأي وسيلة نقل يجب أن يراعي الرحلة اليومية الكاملة للمستخدم، بدءًا من الوصول إلى محطة الانطلاق مرورًا باستخدام الوسيلة وانتهاء بالمسافة التي يقطعها بعد النزول منها إلى مقر عمله أو وجهته النهائية.
ويقول لـ”زاوية ثالثة” إن هذه الاعتبارات الأساسية كان ينبغي أخذها في الحسبان عند إعداد “مخطط المونوريل”، متسائلًا عن الهدف الحقيقي من المشروع وهل يستهدف تلبية احتياجات المواطنين أم مجرد إنشاء مشروع ضخم يربط بالعاصمة الإدارية الجديدة التي يرى أن طبيعة سكانها ومستويات أسعارها تجعل غالبية قاطنيها من الفئات القادرة على امتلاك مركبات خاصة ولا يمثل المونوريل لهم وسيلة نقل أساسية.
ويشير إلى أن المسئولين أنفسهم لا يعتمدون على وسائل النقل الجماعي في تنقلاتهم، كما أن مالكي الفِيلّات والوحدات السكنية بالعاصمة الإدارية يمتلكون وسائل نقل خاصة.
وفي محاولة لاجتذاب الجمهور، تطبق شركة إدارة المونوريل قرار تخفيض قيمة التذاكر بنسبة 50% أيام الجمعة والسبت من كل أسبوع والإجازات الرسمية، كما طرحت وزارة النقل نظام اشتراكات المونوريل الذي يتيح خصمًا يصل إلى 50% من قيمة التذكرة العادية.
يعلّق إبراهيم عز الدين بأن التخطيط السليم ليس بإنشاء وسيلة نقل ثم البحث لاحقًا عما يدفع المواطنين إلى استخدامها، معتبرًا أن هذا النهج يقلب العملية التخطيطية رأسًا على عقب، ويشبه “شراء رباط الحذاء قبل الحذاء نفسه” حسب وصفه.
ويضيف أن نجاح أي مشروع نقل يرتبط بتحقيق أهداف تنموية واضحة، مثل تسهيل انتقال السكان إلى مناطق العمران الجديدة أو خفض زمن “الرحلة البندولية” اليومية بين السكن والعمل، بجانب توفير تكلفة مناسبة للمواطن، وهو ما يدفع المواطنين إلى استخدام المشروع بصورة طبيعية.


المونوريل.. مواصلة أم نزهة؟
في 2021، نفت الحكومة ووزارة النقل عدم جدوى المونوريل وسط انتقادات تنفيذ المشروع. وبعد تشغيل المرحلة الأولى للمونوريل رسميًا في 6 مايو 2026، ما زالت آراء وتحليلات أكاديميين ترى عدم جدواه للمواطن العادي، فضلًا عن جدواه الاقتصادية.
وقد تجاوزت القيمة الإجمالية لعقد تصميم وبناء وتشغيل وصيانة المونوريل 4.5 مليار دولار (4.1 مليار يورو)، حسب الاتفاق المبرم في 5 أغسطس 2019 بين شركات بومباردييه للنقل وأوراسكوم للإنشاءات والمقاولون العرب والهيئة القومية للأنفاق، إذ تبلغ حصة “بومباردييه للنقل” نحو 2.85 مليار دولار (2.6 مليار يورو) بينما تقارب حصة “أوراسكوم للإنشاءات” نحو 900 مليون دولار إضافة إلى مستحقات أخرى لجهات غير معروفة.
وفي تصريحات أخيرة لوزير النقل كامل الوزير خلال مايو 2026، قال إن تكلفة تنفيذ المونوريل شرق وغرب النيل تبلغ نحو 2.8 مليار دولار فقط، نافيًا ما يتردد بشأن وصول التكلفة إلى 4.5 مليار دولار، مشيرًا إلى أن اللجوء إلى القروض الخارجية لتمويل مشروعات النقل يعد أوفر من الاقتراض المحلي، بسبب منح القروض بفائدة تصل إلى 0.1% وفترات سداد تمتد إلى 40 عامًا.
ويربط المونوريل شرق النيل القاهرة من محطة الإستاد بالخط الثالث لمترو الأنفاق بشارع صلاح سالم بالقاهرة الجديدة والعاصمة الإدارية الجديدة بطول 56.5 كم عبر 22 محطة، أولها “الإستاد” وتنتهي بـ”العاصمة الإدارية”، بينما يربط المونوريل غرب النيل الجيزة بداية من محطة جامعة الدول بالخط الثالث لمترو الأنفاق بمدينتي الشيخ زايد والسادس من أكتوبر وتوسعاتها.
وحسب بيان لوزارة النقل في سبتمبر 2022، فإن تكلفة تنفيذ الكيلومتر الواحد من خط المونوريل 30 مليون دولار، بطاقة استيعابية 25–45 ألف راكب في الساعة و600 ألف راكب يوميًا.
ووسط ضعف الإقبال على المونوريل والحديث عن فشل المشروع، أعلنت إدارة المونوريل شرق النيل عن جاهزية وسيلة المواصلات الجديدة لاستقبال حفلات الزفاف داخل المحطات أو على متن القطارات، فيما عللت إدارة المونوريل ذلك القرار بأنه يستهدف تعزيز ارتباط المواطنين بالوسيلة الحديثة.
الباحث العمراني إبراهيم عز الدين يرى أن ضعف الإقبال الحالي على المونوريل قد يكون طبيعيًا إذا كان المخطط يستهدف وصول المشروع إلى معدلات استخدام مرتفعة بعد سنوات من التشغيل، إلا أن المشكلة، من وجهة نظره، تكمن في غياب إعلان واضح عن هذا الهدف الزمني.
ويضيف أن الحكومة إذا استهدفت استخدام المواطنين للمونوريل منذ اليوم الأول، فإن انخفاض أعداد الركاب يعكس أن المشروع لا يستجيب لاحتياج فعلي لدى المواطنين، بخلاف خطوط المترو الجديدة التي تشهد إقبالًا بمجرد افتتاحها لأنها تلبي طلبًا قائمًا على النقل.
ويتساءل عن حجم الفئات التي تعتمد حاليًا على المونوريل، سواء من سكان العاصمة الإدارية أو الموظفين العاملين بها، معتبرًا أن ضعف الإقبال يمثل مؤشرًا على وجود خلل في المنظومة التخطيطية، لأن وسائل النقل التي تنشأ استجابة لاحتياجات حقيقية لا تحتاج، حسب وصفه، إلى حملات لدعوة المواطنين إلى استخدامها أو إقامة حفلات زفاف بها.
ويشير إلى أن اللجوء إلى خفض أسعار التذاكر أو تنظيم فعاليات ترويجية داخل المونوريل بهدف جذب الركاب يعد ظاهرة غير معتادة بالنسبة لوسائل النقل العام، لأن نجاحها يفترض أن يستند إلى وجود طلب حقيقي عليها منذ البداية، وليس إلى وسائل دعائية.
ومن ناحيته، يقول الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني إن ضعف الإقبال على المونوريل لا يمكن اعتباره أمرًا طبيعيًا في السنوات الأولى للتشغيل، بل يعكس، من وجهة نظره، خللًا في التخطيط الاقتصادي للمشروع واختيار مساره.
ويوضح لـ”زاوية ثالثة” أن المونوريل يُنفّذ عادة في المدن شديدة الكثافة السكانية التي يصعب فيها إنشاء مترو سطحي أو خطوط ترام بسبب ضيق الشوارع وازدحامها، بينما أُقيم في مصر، حسب وصفه، في مناطق صحراوية تفتقر إلى الكثافات السكانية، وهو ما يمثل هدرًا للموارد وسوءًا في إدارتها.
ويضيف أن المشروع أُنشئ بالاعتماد على قروض، بينما يُفترض سداد أقساطها وفوائدها من إيرادات التشغيل، معتبرًا أن ذلك يثير تساؤلات بشأن أولويات الاقتراض وتوجيهه إلى مثل هذه المشروعات.
نحو تقليص الدعم.. الحكومة ترفع أسعار الكهرباء للمرة الخامسة في خمس سنوات

فلسفة العمران قبل البُنيان
يشرح الباحث العمراني إبراهيم عز الدين أن إنشاء أي وسيلة نقل في إطار التخطيط العمراني يقوم على أحد هدفين رئيسيين؛ أولهما خدمة مدينة جديدة من خلال توفير وسيلة مواصلات تربطها بالمناطق الأخرى، وثانيهما الاستجابة لاحتياج فعلي يتمثل في تخفيف الكثافات المرورية والازدحام داخل المدن القائمة، بالاستناد إلى مخطّط مسبق يحدد طبيعة المشروع وأهدافه والفئات المستهدفة منه.
ويوضح أن المفترض خدمة مشروع المونوريل العاصمة الإدارية الجديدة، متابعًا أن المخطط كان لا بد أن يحدد عدد السكان المستهدف انتقالهم إلى المدينة والإطار الزمني المتوقع لاكتمال الكثافة السكانية والاتجاهات التي سينتقل منها السكان وما إذا كانت الفئات المستهدفة تضم العاملين في الوزارات أو السكان المنتقلين للإقامة هناك.
ويتابع أن هذه التفاصيل كان ينبغي إعلانها ضمن المخطط، إلا أن ما يحدث في مصر، حسب قوله، هو غياب إتاحة المخططات للرأي العام، إذ لا يرى المواطن سوى مرحلة التنفيذ، بينما تتخذ الحكومة قرار المشروعات دون إظهار الدراسات أو المبررات التخطيطية التي استندت إليها، وهو ما يعكس، من وجهة نظره، نقص شفافية المعلومات.
ويستشهد بتجربة المدن الجديدة التي بدأت منذ سبعينيات القرن الماضي، مشيرًا إلى أن العديد من هذه المدن لم يحقق الأعداد السكانية التي استهدفتها المخططات الأصلية، وهو ما يعني، حسب تقديره، أن تجربة المدن الجديدة لم تحقق النجاح الكامل وكانت تحتاج إعادة تقييم للرؤية التخطيطية بما يشمل منظومة النقل المرتبطة بها.
وعن تأثير الكثافة السكانية والأنشطة المحيطة بالمحطات على عدد الركاب، يجيب عز الدين بأن ذلك مرتبط بالهدف الذي أُنشأ المشروع من أجله، ويشرح: إذا كان المونوريل يخدم مدينة جديدة، فمن المفترض أن يوضح المخطط ما إذا كان يمر بمناطق عمرانية قائمة تسمح بجذب ركاب من المدن الحالية إلى المدينة الجديدة، إلا أن هذه المعلومات غير معلنة.
ويضيف أن المواطنين المستقرين في المدن القائمة يعتمدون بالفعل على وسائل نقل تؤدي احتياجاتهم اليومية، مثل المترو أو الميكروباص، ولذلك لا يجدون مبررًا لاستخدام المونوريل إذا كان بعيدًا عن أماكن سكنهم أو أعمالهم، أو إذا لم يوفّر زمن رحلة أقل أو خدمة أفضل من وسائل النقل التي اعتادوا استخدامها.
ويتابع أن ذلك يثير تساؤلًا حول الحاجة الفعلية لإنشاء المشروع، في ظل غياب مخطط واضح يوضح دوافع إنشائه وآليات ربطه بالمدن القائمة، ذاكرًا أن مستخدمي وسائل النقل العام في مصر ينتمون في الأساس إلى الشرائح محدودة ومتوسطة الدخل، وهي الفئات التي لا تمثل العاصمة الإدارية حتى الآن مقصدًا يوميًا لها، سواء للسكن أو لإنجاز المصالح، معتبرًا أن المشكلة لا تتعلق فقط بضعف التكامل مع وسائل النقل الأخرى وإنما أيضًا بغياب التكامل مع احتياجات المواطنين وأنماط حياتهم.
القرض أسرع من القطار: كيف تجاوزت ديون «القومية للأنفاق» تريليوني جنيه؟

الاقتصاد في أزمة
يكتفي رئيس مركز بحثي اقتصادي، رفض ذكر اسمه لأسباب تتعلق بالسلامة الشخصية، بالتعليق بأن مشروع المونوريل “لم يكن وقته، وليس المشروع الأمثل” على حد تعبيره، مضيفًا لـ”زاوية ثالثة” أن الأولويات الاقتصادية تقتضي توجيه الاستثمارات إلى إنشاء مصانع تسهم في زيادة الإنتاج وتوفّر فرص العمل وتعزّز الصادرات وتجلب العملة الأجنبية.
يصف خبير اقتصادي وأكاديمي معروف، فضّل عدم ذكر اسمه، مشروع المونوريل بـ”عديم الجدوى الاقتصادية”، مضيفًا أن جدواه الاقتصادية “سالبة”، معتبرًا أنه يتعارض مع فلسفة إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة في الأساس.
يوضح الخبير الاقتصادي لـ”زاوية ثالثة” أن الهدف من العاصمة الإدارية، حسب المعلن، كان نقل كتلة سكانية تتراوح بين 5 و7 ملايين نسمة من القاهرة الكبرى، ومن ثم، فإن توفير وسيلة مواصلات يومية لنقلهم ذهابًا وإيابًا يتناقض، من وجهة نظره، مع فكرة إعادة التوطين التي قامت عليها المدينة في الأساس.
ويضيف أن المونوريل “ضد فكرة العاصمة الإدارية” من منظور التخطيط الحضري، لأن المدن الجديدة يفترض أن تقوم على توطين السكان وتوفير جميع الخدمات لهم داخلها، وليس الاعتماد على انتقالهم اليومي من قلب القاهرة.
ويرى أن قطار المونوريل يُستخدم عالميًا داخل المدن المزدحمة التي يصعب فيها التوسع في الطرق أو إنشاء مترو سطحي، بينما يمتد الخط في مصر لمسافة طويلة فوق سطح الأرض، وهو ما يعتبره “ضد أي عقل، وضد أي دراسة جدوى”، حسب تعبيره.
ويشرح أن استمرار سير قطار المونوريل فوق الأرض لمسافة تصل إلى 56 كيلومترًا لا يتوافق، حسب رأيه، مع الاستخدامات المعتادة لهذا النوع من وسائل النقل، معتبرًا أن المشروع يفتقر إلى الأسس الفنية والاقتصادية التي تبرر تنفيذه بهذا الشكل.
ويشير إلى أن المونوريل، لا يُستخدم في أي دولة بهذا الشكل على أعمدة في الصحراء، مستثنيًا السعودية، التي يقول إنها نفذت خطوطًا طويلة للمونوريل فوق الأرض وتبعتها مصر في ذلك.
ويفسر أن الأصل في نظام هذا النوع من النقل هو تجاوز الاختناقات المرورية داخل المدن المزدحمة بسير القطار على أعمدة بمسار مرتفع ثم الرجوع للسير مرة أخرى على الأرض بعد تجاوز الاختناقات المرورية والكثافة العالية، وليس السير لمسافات طويلة بالكامل على مسار مرتفع دون سبب أو جدوى.
ويعتبر أن تنفيذ المشروع بهذه الكيفية يثير تساؤلات حول الأسس الفنية والاقتصادية التي استند إليها، ويرى أنه لا يتوافق مع مبادئ التخطيط العمراني أو مع دراسات الجدوى الخاصة بمشروعات النقل.

ضعف الإقبال ليس عاملًا وحيدًا
يرى إلهامي الميرغني أن الحكم على نجاح أي مشروع نقل لا يعتمد على عدد الركاب فقط، وإنما على مجموعة من المؤشرات الاقتصادية، تشمل الإيرادات والتدفقات النقدية وفترة استرداد رأس المال والعائد الاقتصادي والتنموي، لافتًا إلى أن هذه المؤشرات، من وجهة نظره، ليست متحققة في مشروع المونوريل، فضلًا عن أنه لا يخدم المواطن محدود الدخل.
ويذكر أن استمرار أعداد ركاب المونوريل عند مستويات أقل من المستهدف سيؤدي إلى ضعف الإيرادات، وهو ما قد يضطر الحكومة إلى تدبير موارد من بنود أو مشروعات أخرى لسداد أقساط القروض وفوائدها، بما يحول المشروع إلى عبء على المالية العامة.
ويعتبر أن عدم تحقيق الإيرادات وعدد الرحلات والركاب المستهدفين سيجعل المشروع، حسب وصفه، “خطأ اقتصاديًا كبيرًا”، ويعكس سوءًا في الإدارة الاقتصادية.
من جهته، يذكر إبراهيم عز الدين أن عدد الركاب لا ينبغي أن يكون المؤشر الوحيد، موضحًا أن الحكم على نجاح أي وسيلة نقل يرتبط أولًا بقدرتها على تحقيق الهدف التنموي الذي أُنشئت من أجله، فإذا كان المشروع يستهدف خدمة مدينة جديدة، فإن معيار النجاح يتمثل في قدرته على جذب السكان إليها وتخفيف الكثافات عن المدن القائمة، بجانب سهولة الوصول إليها ومدى توافر الخدمات بها وقدرة المواطنين على شراء أو استئجار وحدات سكنية داخلها.
ويشير إلى أن توفير وسيلة نقل سريعة تتيح الوصول إلى مدينة جديدة خلال وقت مناسب، مع توافر الخدمات والقدرة الشرائية للسكان، يعني نجاح المشروع والمدينة معًا، ذاكرًا أن وسيلة النقل ليست هدفًا في حد ذاتها وإنما أداة لتحقيق أهداف تنموية أوسع.
ويضيف إن اعتبار إنشاء المونوريل إنجازًا مستقلًا يعكس خللًا في العملية التخطيطية، لأن الإنجاز الحقيقي لا يتمثل في بناء طريق أو وسيلة نقل، وإنما في النتائج التي تحققها بعد التشغيل، مثل خفض الكثافات السكانية وتقليل الحوادث وتشجيع المواطنين على التخلي عن السيارات الخاصة لصالح النقل العام، بما يوفر الوقت والتكلفة ويزيد كفاءة التنقل، ويرى أن هذه المؤشرات هي التي يجب الاعتماد عليها عند تقييم نجاح مشروعات النقل والمدن الجديدة.
وعن وجود بدائل للمونوريل، يقول عز الدين إن المنهجية التخطيطية تقتضي دراسة مجموعة من البدائل والمفاضلة بينها وفق الجدوى التخطيطية والاقتصادية قبل اتخاذ القرار، إلا أن ما يظهر، حسب قوله، هو أن مشروع المونوريل يُطرح منذ البداية باعتباره الخيار الوحيد دون النظر إلى بدائل أخرى، وكأن الهدف يتمثل في امتلاك شبكة مونوريل ضخمة أكثر من تحقيق احتياج تنموي فعلي.
ويشير إلى بدائل أقل تكلفة كانت متاحة، من بينها تطوير منظومة النقل الجماعي التقليدية وحافلات النقل العام وتخصيص حارات مستقلة لها، بدل تنفيذ مشروع يتطلب إنفاق مليارات الجنيهات، ويصاحبه نزع ملكية وإعادة تخصيص نحو 415 فدانًا من الأراضي الحكومية والخاصة.
ويرى أن المشروع يفرض تكلفة اجتماعية واقتصادية مرتفعة نتيجة الإنفاق الضخم وعمليات نزع الملكية، معتبرًا أنه لا يخدم هدفًا تنمويًا حقيقيًا بقدر ما يستهدف تحقيق الدعاية وإبراز وجود مشروع ضخم، وهو ما يعكس، حسب تقديره، خللًا في شفافية المعلومات وآلية اتخاذ القرار خلال مراحل التخطيط والتنفيذ.
11 مليار دولار خرجت في شهر واحد: ما كشفته حرب إيران عن الاقتصاد المصري

المونوريل ليس للفقراء.. ولا العاصمة
ويؤكد الخبير الاقتصادي والأكاديمي أن الجدوى الاقتصادية لمشروع المونوريل “سالبة”، وأن آثاره على الاقتصاد ستكون سلبية، مرجحًا أن يواجه مصيرًا مشابهًا للقطار الكهربائي الخفيف (LRT) إذا استمر ضعف الإقبال عليه.
وحول أسعار التذاكر، يقول إن المشكلة لا تتعلق بقيمتها، موضحًا: “حتى لو أصبحت مجانًا.. ما هو الاحتياج للمونوريل؟”، معتبرًا أن غياب الحاجة الفعلية لاستخدام المونوريل هو الأزمة الأساسية، وأن الإيرادات المتوقعة لن تكون قادرة على تغطية تكاليف الإنشاء مهما ارتفعت أسعار التذاكر.
ويذكر أن المشروع “لا جدوى له” من الأساس، حسب وصفه، مشيرًا إلى أن البديل هو توطين العاملين داخل العاصمة الإدارية عبر استكمال المدارس والجامعات والمستشفيات والأسواق والخدمات الحكومية ومختلف مقومات الحياة بها، بما يقلل الحاجة إلى نقل مئات الآلاف من الموظفين يوميًا.
ويرى أن الأزمة لا تعود فقط إلى دراسة الجدوى الاقتصادية للمشروعات، وإنما إلى “غياب الرؤية”، معتبرًا أن التخطيط للعاصمة الإدارية كان ينبغي أن يركز على استقرار السكان داخلها بدلاً من إنشاء وسيلة نقل ضخمة لنقلهم يوميًا.
في حين يعلّق إلهامي الميرغني على أسعار تذاكر المونوريل التي تتراوح بين 20 و80 جنيهًا، بأن ذلك يشير إلى أن دراسة الجدوى لم تُراعِ الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للفئات المستهدفة، ولم تقدر بشكل كافٍ قدرة المواطنين على تحمل تكلفة استخدام المونوريل كوسيلة نقل يومية.
كما يرى أن دراسات الجدوى الخاصة بالمشروع أخفقت في تقدير حجم الطلب المتوقع، ولم تُجرِ المفاضلة الاقتصادية اللازمة بين المونوريل والمترو السطحي، من حيث التكلفة، ومسار التشغيل وعدد المحطات وأسعار التذاكر وفترة استرداد الاستثمارات.
ويذكر الميرغني أن تنفيذ مشروعات تُكلّف الدولة مليارات الدولارات يتطلب إعداد دراسات جدوى دقيقة تستند إلى بيانات واقعية وتقديرات واضحة للطلب والعائد المتوقع، مطالبًا بضرورة مراجعة تلك الدراسات ومحاسبة المسئولين عن إعدادها واعتمادها.
بينما يرى إبراهيم عز الدين أن تكلفة تذكرة المونوريل، التي تتراوح بين 20 و80 جنيهًا حسب طول الرحلة، تثير تساؤلات حول الفئة المستهدفة من المشروع ومدى توافق التسعير مع الهدف الذي أُنشئ من أجله.
ويوضح أن أنظمة النقل العام في العديد من الدول الأوروبية تُخطط بالأساس لجذب مستخدمي السيارات الخاصة إلى وسائل النقل الجماعي، لكن المواطن سيقارن بين تكلفة استخدام المونوريل وتكلفة استخدام سيارته، وقد يجد أن السيارة أقل تكلفة، بينما سيقارن المواطن محدود الدخل بين المونوريل ووسائل النقل التقليدية مثل الميكروباص (الذي قد ينقله إلى وجهته مقابل نحو 10 جنيهات للرحلة) ورغم الازدحام سيظل الخيار الأقل تكلفة له.
ويشير عز الدين إلى أن تكلفة المشروع وأسعار تشغيله من المفترض أن تكون بين العناصر الأساسية التي يدرسها المخطط منذ البداية، لأن ارتفاع تكلفة الاستخدام يطرح سؤالًا جوهريًا حول الفئات التي ستلجأ فعليًا إلى استخدام المونوريل بعد تشغيله.
ويرى أن هذا السيناريو يحمّل المواطنين أعباء اقتصادية إضافية، موضحًا أنه بدلًا من إنهاء معاملاتهم في ميدان التحرير عبر شبكة المترو منخفضة التكلفة، قد يضطرون إلى دفع نحو 80 جنيهًا للذهاب و80 جنيهًا للعودة للوصول إلى العاصمة الإدارية، رغم أن الرؤية الحالية تشير إلى أن المواطنين لن يحتاجوا إلى التوجه إليها مباشرة لإنجاز خدماتهم الحكومية.
بتكلفة إنشاء 4.5 مليار دولار، وسعر تذكرة يصل إلى 80 جنيهًا، يحاول المونوريل جذب الركاب عبر تخفيضات وحفلات زفاف داخل القطارات، وينما تصف الحكومة المشروع بأنه نقلة في منظومة النقل يرى خبراء اقتصاد وعمران أن الأزمة تتجاوز ضعف الإقبال إلى تساؤلات حول التخطيط والجدوى وحجم الطلب الحقيقي.
بعد الثالثة ظهرًا يعود وليد محمود أدراجه مرة أخرى بعد عمله، عبر الميكروباص فالمترو إلى حيث يسكن، بعدما تلتهم تكلفة مواصلات اليوم الواحد أكثر من 90 جنيهًا ذهابًا وعودة، “20 جنيهًا لتذكرة المترو و26 جنيهًا من أمام محطة عدلي منصور إلى ديوان الوزارة، وكذلك عند الرجوع” يقول الموظف بديوان وزارة الأوقاف، ويضيف: “تبديل روتين مواصلاتي قد يزيد أعبائي المالية، لا سيما وأنني أستقطع جزءًا كبيرًا من راتبي الشهري للوصول إلى عملي بعد نقل الوزارة نهائيًا من باب اللوق بوسط البلد، قبل نحو 3 سنوات”.