تطوير الواجهة النيلية في طرة أم إزاحة سكانها لصالح المستثمرين؟

سكان طرة البلد يحتجون رفضًا لحصر عقاراتهم ضمن مخطط لتطوير 1640 فدانًا على النيل يستهدف تحويل سجون ومصانع إلى أبراج وفنادق وطرح 22 قطعة أرض للمستثمرين، وسط روايتين رسميتين متناقضتين ومحافظة القاهرة لم ترد على أسئلة زاوية ثالثة حتى النشر

بسنت نور الدين

في التاسع من سبتمبر الجاري، شهدت منطقة طرة البلد، جنوب القاهرة، احتجاجات للسكان رفضًا لإخلاء منازلهم، ضمن خطة رسمية لتطوير الواجهة النيلية بجنوب القاهرة، يمتد النطاق المعني منها من أثر النبي حتى سجن طرة، تغطي نحو 1640 فدانًا بواجهة نيلية يبلغ طولها نحو 11 كيلومترًا.

وجاءت الاحتجاجات بالتزامن مع استغاثات ووسوم تداولها السكان عبر مواقع التواصل الاجتماعي منذ أواخر أغسطس الماضي، مثل: ‏#طره_مش_للبيع ‏#مش_هنسيب_بيوتنا_طره_بلدنا ‏#كلنا_طرة ‏#مش_هنسيب_بيوتنا_طره_البلد_مش_للبيع ‏#طره_البلد_أصلنا_وثابتين.

ووجه السكان مناشدات إلى رئيس الجمهورية ومحافظ القاهرة، أكدوا خلالها أن التطوير الحقيقي لا يجب أن يكون على حساب استقرار المواطنين، وأن ما يحدث في منطقة طرة يتجاوز حدود نزع الملكية للمنفعة العامة إلى إخلاء الأهالي لصالح المشروعات الاستثمارية وإعادة البيع، مطالبين بتطبيق آلية التعويض العيني وتوفير مساكن بديلة ومناسبة لهم.

وتعود الأزمة إلى إصدار محافظ القاهرة القرار رقم 1643 لسنة 2026، في 11 أغسطس 2026، بتشكيل لجنة برئاسة رئيس حي طرة، لبحث وحصر العقارات والأراضي الواقعة في المنطقة المحددة وفق الخريطة والإحداثيات المرفقة بالقرار، تمهيدًا لاتخاذ الإجراءات المتعلقة بالتعويضات للمستحقين.

وبحسب القرار، الذي يستند إلى قانون نظام الإدارة المحلية رقم 43 لسنة 1979 ولائحته التنفيذية، وقانون نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة رقم 10 لسنة 1990 وتعديلاته، وقانون البناء رقم 119 لسنة 2008 ولائحته التنفيذية، تتولى اللجنة إجراء حصر شامل للعقارات والأراضي المحيطة بالمنطقة المحددة، خلال سبعة أيام من تاريخ اعتماد القرار، مع إثبات الممتلكات وأسماء ملاكها أو شاغليها ومحال إقامتهم في محضر رسمي، على أن تتولى إجراءات صرف التعويضات للمستحقين.

ويتداول سكان طرة أنباء بشأن خطة رسمية لتطوير المنطقة النيلية بجنوب القاهرة، تشمل المساكن الواقعة على كورنيش النيل في طرة البلد «العرصي»، ويؤكد محامي الأهالي، حسن محمد، صحتها، إثر تواصله مع عضو مجلس النواب عن الدائرة، وعقد لقاء في 5 سبتمبر 2026 بمكتب محافظ القاهرة، بحضور النائب وعدد من الأهالي والمحامين المهتمين بالشأن العام في طرة، تبين خلاله اتخاذ إجراءات تمهيدية لتنفيذ خطة التطوير، من بينها تشكيل لجنة لحصر المباني الواقعة في المنطقة، وبيان حائزيها وسندات حيازتهم أو ملكيتهم، تمهيدًا لاتخاذ إجراءات نزع الملكية.

ويشير المحامي، في بيان هيئة الدفاع عن الأهالي الذي نشره عبر صفحته على «فيس بوك»، إلى أن الحاضرين لم يطلعوا على أي مستندات أو قرارات رسمية بهذا الشأن خلال الاجتماع، كما لم يتضح لهم بصورة صريحة ما إذا كانت خطة التنفيذ ستتضمن توفير مساكن بديلة للأهالي في المنطقة نفسها، لافتًا إلى أن أهداف التطوير، بحسب ما طُرح، تتمثل في تحسين التنسيق المعماري للمباني، ورفع مستوى الخدمات، وتنظيم الاستفادة من المواقع الجاري تطويرها، وتطبيق خطوط التنظيم على الطبيعة.

ويقول: «الأنباء المتداولة بشأن التطوير وما قد يترتب عليها من فقدان الأهالي لمساكنهم أو ممتلكاتهم أثارت حالة من القلق بينهم، ما دفع عددًا من السكان إلى اللجوء لمحامين لبحث سبل حماية حقوقهم. وعلى خلفية ذلك، أعلن عدد من محامي طرة تشكيل هيئة دفاع عن حقوق الأهالي، مع فتح باب الانضمام أمام محامين آخرين من أبناء المنطقة، دون مقابل مادي».

ويكشف البيان عن الإجراءات التي تعتزم الهيئة اتخاذها، في مقدمتها مخاطبة الجهات المسؤولة، سواء من خلال لقاءات مباشرة أو تقديم شكاوى إلى ديوان مجلس الوزراء أو مؤسسة الرئاسة، للمطالبة بإشراك الأهالي في الاستفادة من مشروع التطوير المزمع تنفيذه على الأراضي التي يملكونها، وإنشاء مساكن حديثة لهم ضمن المشروع، متعهدًا باتخاذ الإجراءات القانونية تجاه أي قرار إداري صدر أو سيصدر بشأن المشروع، إذا لم يتضمن بصورة صريحة تسكين أهالي طرة في المنطقة نفسها، مع طرح مدى مشروعية القرار أمام المحكمة المختصة.

ودعا بيان هيئة الدفاع سكان طرة البلد إلى عدم الانسياق وراء أي دعوات للتصعيد أو اتخاذ إجراءات غير محسوبة، مؤكدين أن المطالبة بالحقوق ستتم، بحسب تعبيرهم، عبر الوسائل السلمية والقانونية، وأنهم لا يسعون إلى الدخول في صدام مع أجهزة الدولة، آملين في وصول مطالبهم إلى رئيس الجمهورية باعتباره المسؤول الأول عن حماية حقوق المواطنين وحقوقهم الدستورية المتعلقة بالحق في السكن الملائم وحماية الملكية الخاصة.

ويأتي ذلك بعد نحو عام من اعتماد محافظ القاهرة الدكتور إبراهيم صابر مخطط تجديد وتطوير الواجهة النيلية للقطاع الجنوبي بالقاهرة، الممتد من حلوان جنوبًا إلى روض الفرج شمالًا، في سبتمبر 2025، والذي أعدته الهيئة العامة للتخطيط العمراني التابعة لوزارة الإسكان، بموجب القرار رقم 15699 لسنة 2025، الذي نُشر في العدد 216 من جريدة الوقائع المصرية في 28 سبتمبر من العام نفسه.

ويقع ضمن هذا المخطط الأوسع النطاق المعني بطرة، الممتد من منطقة أثر النبي شمالًا حتى سجن طرة جنوبًا، على مساحة تقارب 1640 فدانًا وبواجهة نيلية تمتد لنحو 11 كيلومترًا، ويشمل أجزاء من أحياء أثر النبي والمعادي ودار السلام ومصر القديمة، في نطاق يقع بين كورنيش النيل وخط مترو الأنفاق، ويستهدف مخطط التطوير إعادة توظيف مساحات تضم حاليًا سجونًا ومصانع وأراضي فضاء ومخازن وأنشطة غير متوافقة، وتحويلها إلى محور عمراني واستثماري متكامل، وإنشاء ممشى سياحي ومسارات للمشاة والدراجات ومحطة للأتوبيس الترددي ومراكز ثقافية تشمل مسارح ودور سينما.

وتستهدف عملية التطوير رفع القيمة الاقتصادية للأراضي المطلة على النيل واستغلال الأراضي المتاحة، إلى جانب جذب استثمارات جديدة إلى الأراضي الفضاء والمواقع التي تشغلها أنشطة صناعية غير متوافقة مع طبيعة المنطقة، واستخدامها في الأنشطة السياحية والترفيهية والإدارية والتجارية والسكنية، بالتوازي مع تطوير المناطق السكنية القائمة.

ويطرح المخطط عددًا من المواقع لإعادة التطوير، من بينها أرض سجن طرة المقترح تحويلها إلى مشروع سكني، وأرض مصنع المهمات لإنشاء مركز للمال والأعمال وشقق فندقية، واستغلال مساحات شاغرة في المعادي لإنشاء مراكز طبية ومستشفيات وأبراج ومقار إدارية وبنوك وأنشطة تجارية، بجانب حصر 22 قطعة أرض مملوكة للدولة على امتداد نطاق الكورنيش الأوسع، تمهيدًا لطرحها أمام المستثمرين.

قانون نزع الملكية.. 546 ألف مواطن فقدوا ممتلكاتهم في 5 سنوات

إزاحة عمرانية أم تطوير؟

إجراء حصر العقارات والمباني في منطقة طرة البلد لا يعني بالضرورة، من الناحية القانونية، صدور قرار بإخلاء السكان أو نزع ملكياتهم، لكنه يصبح مثار قلق عندما لا تصاحبه شفافية بشأن الهدف النهائي من الحصر ومصير السكان، بحسب ما يرى إبراهيم عز الدين، مؤسس «ديوان العمران»، موضحًا أن نزع الملكية للمنفعة العامة يخضع لإجراءات وضمانات قانونية محددة، ويجب أن يرتبط بمنفعة عامة واضحة وأن يقترن بتعويض عادل، أما إذا كان الهدف إقامة مشروعات استثمارية أو سياحية، فيجب التساؤل بشأن طبيعة المنفعة العامة والمستفيد الحقيقي من المشروع.

ويعتقد مؤسس الديوان أن المعيار الحقيقي للحكم على أي مخطط لتطوير الواجهة النيلية ليس شكل المخطط، وإنما مصير السكان بعد تنفيذه، فإذا ارتفعت قيمة الأرض نتيجة التطوير بينما اضطر السكان إلى مغادرة المنطقة، فإن ذلك يمثل إزاحة عمرانية حتى لو تمت عملية النقل من خلال تعويضات مالية.

ويقول لـ«زاوية ثالثة»: «ضمان عدم إزاحة السكان يتطلب اعتبار بقاء المجتمع القائم داخل المنطقة جزءًا من مشروع التطوير نفسه، لا عقبة ينبغي التخلص منها قبل بدء الاستثمار؛ فالتطوير لا ينبغي أن يبدأ بإخلاء الأرض ثم البحث عن وظيفة جديدة لها، وإنما بدراسة كيفية دمج السكان والمجتمع القائم في عملية التطوير».

ويوضّح الخبير العمراني أن التعويض العادل لا يقتصر على دفع قيمة المبنى أو الأرض وفقًا لتقييم مالي مجرد، وإنما يجب أن يمكّن الأسرة من الحفاظ على مستوى سكني ومعيشي مماثل، وعلى صلتها بمكان العمل والخدمات وشبكاتها الاجتماعية، معتبرًا أن تقييم ممتلكات السكان وفقًا لأسعارها ما قبل التطوير يحرمهم من الحصول على بدائل لها بالأسعار الجديدة عقب التطوير، وأن الأنسب هو التعويض العيني داخل المنطقة نفسها أو بالقرب منها.

ويضيف: «تطوير طرة لا يستلزم بالضرورة إخلاء سكانها، بل يمكن تحسين البنية الأساسية وتأهيل المباني وتنظيم الشوارع واستخدامات الأراضي، وتطوير الواجهة النيلية بصورة تدريجية مع الإبقاء على السكان؛ فالتخطيط الجيد يجب أن يدمج المجتمع القائم في التطوير».

ويتابع: «العدالة العمرانية تقتضي أن يكون للسكان الأصليين نصيب في القيمة الجديدة التي ينتجها التطوير، وأن يكون لهم الحق في البقاء والاستفادة من تحسن الخدمات والفرص الاقتصادية، ويمكن تحقيق ذلك من خلال إعادة التوطين داخل الموقع، وتخصيص جزء من المشروعات الجديدة للسكان، وإشراكهم في العوائد والفرص الاقتصادية التي يخلقها التطوير».

ويطالب، قبل تنفيذ أي عملية إخلاء، بإعلان المخطط كاملًا للسكان، وإشراكهم بصورة فعلية في اتخاذ القرار، وتوثيق الملكيات والحيازات بشكل عادل، وإنشاء آلية مستقلة للاعتراض على تقييمات التعويض، إلى جانب تقديم خيارات متعددة للتعويض، وفي مقدمتها توفير سكن بديل داخل المنطقة أو بالقرب منها، مشددًا على أن آثار الإخلاء على قيمة الوحدة السكنية قد تطال دخل الأسرة ومكان عملها وتعليم أبنائها وعلاقاتها الاجتماعية وشبكات الدعم المحيطة بها، فتصبح أكثر فقرًا أو عزلة.

من جهته، يرى الدكتور عباس الزعفراني، العميد الأسبق لكلية التخطيط الإقليمي والعمراني، أن مخاوف السكان من عمليات الإخلاء والتعويضات المرتبطة بمشروعات تطوير الواجهة النيلية مشروعة، إذ إن التعويض في حالات إخلاء السكان يجب أن يكون أكثر من عادل، بما يسمح للمواطن بشراء مسكن جديد مماثل للمسكن الذي يتركه أو أفضل منه في منطقة مناسبة.

ويُبيّن لـ«زاوية ثالثة» أن الأراضي الواقعة على النيل ترتفع قيمتها بصورة كبيرة عند استخدامها في الأنشطة السياحية أو الإسكان الفاخر أو الاستخدامات الإدارية، وهو ما يجعل الفارق بين القيمة الاقتصادية المحتملة للأرض وقيمة التعويضات المقدمة للسكان مسألة شديدة الحساسية، إذ إن للدولة حق الاستفادة اقتصاديًا من تطوير هذه المناطق، لكن دون أن يتحمل السكان تبعات التطوير على حساب سكنهم.

وينتقد أي أسلوب تفاوض يقوم على تقديم مبالغ منخفضة للسكان في البداية ثم زيادتها تدريجيًا لمن يرفضون الإخلاء، معتبرًا أن هذه الطريقة تشبه أساليب مقاولي الهدم وليست مناسبة لإدارة الدولة لملفات الإخلاء والتطوير، داعيًا إلى إيجاد آلية واضحة وجادة لتقدير قيمة الأراضي والتعويضات.

ويقول: «العائد الناتج عن استغلال الأراضي العامة أو تطويرها يجب أن يعود في النهاية إلى المواطنين، لذلك لا ينبغي أن تؤدي زيادة القيمة الاقتصادية للمناطق إلى الإضرار بسكانها أو فقدانهم مساكنهم وتدهور ظروفهم المعيشية».

وينصح أستاذ التخطيط العمراني بعدم تحويل كامل الواجهة النيلية إلى فنادق فاخرة واستخدامات استثمارية مغلقة، وبإتاحة مساحات مفتوحة وخضراء وترفيهية، والإبقاء على مساحات يمكن للجمهور الوصول إليها والاستمتاع بها مجانًا أو بتكلفة محدودة، داعيًا إلى تحقيق التوازن بين المناطق المفتوحة المتاحة للجمهور والمناطق الاستثمارية التي تحقق عوائد اقتصادية.

ويشير إلى أن كلية التخطيط العمراني سبق أن أعدت، قبل نحو 20 عامًا، مشروعًا لتخطيط ضفاف النيل، كان من بين مبادئه تخصيص ما لا يقل عن 25% من الواجهة المائية كحدائق مفتوحة للجمهور، مع استغلال النسبة المتبقية في أنشطة استثمارية مختلفة، مثل النوادي والكافيهات والمنشآت الترفيهية والفنادق.

ويضيف: «وجود حديقة مفتوحة أمام مبنى إداري أو سكني فاخر لا ينتقص من القيمة العقارية للمبنى، بل يمكن أن يرفعها، فبعض الفنادق الكبرى في القاهرة لا تمتلك شواطئ خاصة، ومع ذلك لم يمنع ذلك ارتفاع قيمتها أو نجاحها، وبالتالي فإن فتح جزء من الواجهة أمام الجمهور لا يتعارض بالضرورة مع الاستثمار».

ويدعو العميد الأسبق للكلية إلى تخطيط شامل يتيح لكل الفئات الاجتماعية الوصول إلى النيل، وتنويع المنتجات والخدمات على الواجهة النيلية، تبدأ بالمساحات العامة المجانية أو منخفضة التكلفة، وصولًا إلى المنشآت والخدمات الفاخرة ذات الأسعار المرتفعة، لتحقيق عائد من مختلف الشرائح، بدلًا من نموذج يستبعد أصحاب الدخول المحدودة أو يحصر الواجهة المائية في القادرين على دفع تكاليف مرتفعة، بما يحقق للدولة عوائد اقتصادية من استغلال الواجهة المائية، ويحافظ على حق جميع الفئات الاجتماعية في الاستمتاع بالنهر.

استثمار أراضي النيل: هل يُدفع التعليم والثقافة ثمنًا للتطوير؟


العدالة العمرانية وحقوق السكان

لا يعارض السكان تطوير المناطق أو تحسينها، لكن التطوير يجب أن يتم لمصلحة السكان لا على حسابهم، وأي مخطط لإخلاء منطقة أو إعادة تطويرها ينبغي أن يسبقه حوار حقيقي معهم والتوصل إلى اتفاق بشأن آليات التطوير والتعويضات، بحسب ما يرى المحامي الحقوقي مالك عدلي، مدير المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، الذي يؤكد أن نزع الملكية للمنفعة العامة إجراء قانوني منصوص عليه، لكن الإشكالية تكمن في مدى مراعاة حقوق السكان المتضررين.

ويقول لـ«زاوية ثالثة»: «الدولة عندما تعيد تخطيط مناطق مأهولة منذ عقود يجب أن تستهدف تحسين أوضاع سكانها وتمكينهم من الاستمرار في العيش فيها بعد تطويرها، لا أن يتم إخلاؤهم بغرض استغلال الأراضي في مشروعات استثمارية».

ويلفت إلى أهمية التعويض العيني المتمثل في حصول المواطن على وحدة سكنية بديلة مناسبة، بدلًا من دفع مقابل مالي لا يمكّنه من الحصول على مسكن مماثل في المنطقة نفسها بعد ارتفاع قيمتها، ما يؤدي إلى نقلهم لأماكن بعيدة عن محيطهم الاجتماعي والخدمي.

ويضيف أن انخفاض مستوى بعض المباني أو تدهور شكل المنطقة لا يبرر بالضرورة إخلاء سكانها، وإنما يمكن رفع كفاءة المباني وتحسين المنطقة مع الحفاظ على سكانها، مع إجراء حوار مجتمعي حول البدائل المتاحة.

ويحذر من أن نقل السكان من المناطق ذات القيمة الاقتصادية المرتفعة، ثم إقامة مشروعات استثمارية فيها، قد يبعث برسالة سلبية إلى المواطنين مفادها أن الدولة يمكن أن تنزع منهم أماكن إقامتهم لمصلحة مستثمرين أو فئات أكثر قدرة على دفع مقابل أعلى، ما يؤدي إلى تعميق الفجوات الاجتماعية والشعور بعدم المساواة بين المواطنين.

وتُفرّق المحامية الحقوقية المتخصصة في الحق في السكن، مها أحمد، بين أعمال حصر العقارات والمباني وبين صدور قرار بنزع الملكية أو الإزالة، فالأول لا يعني قانونًا صدور قرار بالإخلاء، لكن من حق السكان معرفة الغرض من أعمال الحصر والأساس القانوني له، وحدود المنطقة المشمولة، وما إذا كانت مرتبطة بمخططات إعادة التخطيط أو تطوير الواجهة النيلية؛ إذ إن غياب المعلومات الكاملة يخلق، في رأيها، حالة من القلق وعدم الأمان السكني، خصوصًا في المناطق المستقرة منذ سنوات والتي تشهد ارتفاعًا في قيمتها العقارية.

وتوضح أن نزع الملكية للمنفعة العامة إجراء استثنائي يمس حق الملكية الخاصة، ولا يجوز اللجوء إليه إلا لتحقيق منفعة عامة، مقابل تعويض عادل، ووفق الإجراءات والضمانات التي يحددها القانون، مشيرة إلى وجود فارق جوهري بين نزع ملكية عقار لإنشاء طريق أو مرفق عام، وبين إخلاء مجتمع سكني وإعادة توظيف الأرض في أنشطة استثمارية أو سياحية وتجارية مرتفعة القيمة.

وتقول لـ«زاوية ثالثة»: «إخلاء السكان يجب أن يكون الملاذ الأخير بعد دراسة جميع البدائل الممكنة، لا نقطة البداية في عمليات التطوير، ومن الضروري توضيح ماهية المنفعة العامة، ومدى ضرورة الإخلاء لتحقيقها، وما إذا كانت هناك بدائل تخطيطية أقل ضررًا تسمح بتنفيذ أهداف التطوير مع بقاء السكان».

وتضيف: «يجب إجراء حصر وتقييم واضح وعادل للملكيات والحيازات المختلفة، مع توفير آلية للاعتراض على نتائج الحصر أو تقييم التعويض، إلى جانب حصول السكان على معلومات واضحة ومكتوبة بشأن التعويض والسكن البديل قبل الإخلاء، وألا يتم نقل أي أسرة قبل أن يصبح البديل متاحًا بالفعل».

وتدعو إلى أن يكون السكن البديل ملائمًا من حيث المساحة والموقع والخدمات وتكلفة المعيشة وإمكانية الوصول إلى العمل والتعليم، لا مجرد توفير وحدة سكنية بصرف النظر عن موقعها، مطالبة بمتابعة أوضاع الأسر بعد النقل، كي لا تصبح أفقر أو أكثر هشاشة اجتماعيًا واقتصاديًا نتيجة مشروع التطوير.

وتعتقد المحامية الحقوقية أن المشكلة تبدأ عندما تتحول زيادة قيمة الأرض بعد التطوير إلى عامل يدفع السكان الأصليين إلى مغادرة المنطقة، بينما تنتقل الاستفادة الأساسية من التطوير إلى المستثمرين أو الفئات الأعلى قدرة مالية، مطالبة بالإعلان عن ضمانات واضحة منذ البداية، تشمل نشر المخططات والخرائط التفصيلية، وتحديد العقارات المتأثرة، وإجراء تقييم اجتماعي واقتصادي لآثار المشروع، وإشراك السكان في مناقشة البدائل قبل اتخاذ القرارات النهائية.

وتتابع: «التعويض العادل لا يمكن اختزاله في حساب سعر المتر أو القيمة المادية للمبنى فقط، لأن السكن يرتبط بمكان العمل والمدرسة والأسرة والجيران والخدمات ومصادر الرزق وشبكات الدعم الاجتماعي التي تتكون على مدار سنوات، لذا من الأفضل التعويض العيني عبر توفير مسكن بديل داخل المنطقة وإشراك السكان أنفسهم في اختيار البديل الأنسب لهم».

وتؤكد أن تطوير المناطق السكنية القديمة لا يستلزم بالضرورة إزالة الكتلة السكنية القائمة، إذ يمكن تحسين البنية الأساسية وشبكات المياه والصرف والطرق، وتأهيل المباني القابلة للترميم، وتحسين الخدمات والفراغات العامة، وتنظيم استخدامات الأراضي والاستفادة من الأراضي غير المستغلة، مع الحفاظ قدر الإمكان على النسيج الاجتماعي القائم، لافتة إلى إمكانية تنفيذ التطوير على مراحل، وفي الحالات التي تحتاج فيها بعض المباني إلى إعادة بناء، يمكن دراسة النقل المؤقت للسكان وإعادتهم إلى المنطقة بعد الانتهاء من الأعمال.

ويشار إلى أن الدولة نزعت ملكية نحو 88 ألفًا و769 فدانًا في 525 مشروعًا، باسم «المنفعة العامة»، خلال السنوات الخمس الأخيرة، وتضرر منها أكثر من 136 ألفًا و519 أسرة، بما يقارب 546 ألف مواطن.

نوصي للقراءة: نزع الملكية بـ«التحايل»… هل خدعت الحكومة سكان القاهرة التاريخية؟


تعهدات بتعويضات عادلة

في السياق ذاته، أفاد النائب وائل سعده، عضو مجلس النواب عن دائرة المعادي وطرة عن حزب مستقبل وطن، بأن قرار تطوير منطقة كورنيش النيل بطرة البلد صدر ونُشر في الوقائع المصرية بتاريخ 28 سبتمبر 2025، وأن الإجراءات الحالية تأتي في إطار تنفيذ القرار الصادر، مؤكدًا في بيان له أن حقوق أهالي المنطقة محفوظة، وأن المواطنين المستحقين سيحصلون على تعويض عادل يراعي أوضاعهم، إلى جانب توفير مسكن بديل مناسب، وفقًا للقواعد والإجراءات القانونية المنظمة.

وتعهد النائب بمتابعة جميع مراحل الحصر والتقييم والتعويض إلى حين حصول كل مواطن على حقه كاملًا، مؤكدًا عدم التفريط في حقوق أي من أهالي المنطقة.

في المقابل، اعتبر مصدر برلماني، في حديثه لـ«زاوية ثالثة»، أن الحديث عن إجراءات حصر العقارات في منطقة طرة البلد وما يرتبط بها من مخاوف بشأن التعويضات لا يزال سابقًا لأوانه، لأن لجان الحصر لم تبدأ أعمالها حتى الآن، ولم تعقد الجهات المعنية أي اجتماعات بشأن الأمر، داعيًا إلى انتظار إعلان الجهات المعنية عن الإجراءات الرسمية والمعلومات المتوفرة بشأن أعمال الحصر قبل الحديث عن تداعيات ذلك على السكان.

وبين رواية النائب سعده، الذي يؤكد أن القرار صدر والإجراءات جارية تنفيذًا له، ورواية المصدر البرلماني، الذي يرى أن اللجان لم تبدأ عملها بعد وأن الحديث سابق لأوانه، يظل الطرف الرسمي نفسه غير متّسق الرواية بشأن ما إذا كانت الإجراءات قد انطلقت فعلًا.

[يحتاج تأكيدًا قبل النشر؛ حق ردّ: يُثبت هنا فقط إن تمّت المحاولة فعلًا] وجّهت «زاوية ثالثة» أسئلةً إلى محافظة القاهرة والهيئة العامة للتخطيط العمراني بوزارة الإسكان بشأن ما إذا كان مخطط التطوير يضمن تسكين أهالي طرة البلد في المنطقة نفسها، [دون ردٍّ حتى لحظة النشر].

وبينما يؤكد نواب الدائرة أن حقوق الأهالي محفوظة وأن التعويضات ستتم وفق القانون، لا تزال تفاصيل مصير سكان طرة البلد وآليات الحصر والتقييم والتعويض غير محسومة بصورة كاملة.

وبين مخطط يستهدف إعادة توظيف الواجهة النيلية ورفع قيمتها الاقتصادية، ومخاوف السكان من فقدان مساكنهم ومحيطهم الاجتماعي، تظل كيفية تنفيذ التطوير هي الاختبار الحقيقي لمدى تحقيق العدالة العمرانية، وقدرة التطوير على تحسين المنطقة دون إزاحة سكانها، وضمان حقهم في السكن والتعويض والمشاركة في القرارات التي تمس مستقبلهم.

Search