في اليوم السابع من انقطاع المياه، يترقب أحمد عادل، 44 عامًا، وزوجته في منطقة الدهار بالغردقة رسالة على مجموعة «واتساب» أنشأتها شركة مياه البحر الأحمر لسكان المنطقة، تبلغهم فيها بموعد عودة الضخ بعد ثمانية أيام متواصلة من الانقطاع، ليملآ الخزانات المتراصة فوق سطح المنزل لأسبوع آخر.
ويبقى الاثنان متيقظين على مدار اليوم خشية أن يفوتهما تنبيه الشركة، الذي قد يصل في أي ساعة، فلا يلحقان بتعبئة خزان يكفي بالكاد الطهي والشرب والنظافة الشخصية إلى الموعد التالي.
هذا هو إيقاع الحياة في الغردقة هذا الصيف: مياه تصل إلى الخزانات كل ثمانية أيام، وسوق سوداء يصل فيها سعر المتر المكعب إلى 500 جنيه (نحو 10 دولارات)، في مدينة قدّر محافظها السابق عجزها وحدها بنحو 45 ألف متر مكعب يوميًا في صيف 2025، وتقدّر المحافظة عجزها كله اليوم بنحو 100 ألف متر مكعب يوميًا، بينما تستقبل المدينة ملايين السائحين وتضيف الغرف الفندقية عامًا بعد عام. وهذا التقرير عن الغردقة، عاصمة محافظة البحر الأحمر وأكبر مدنها وأكثرها فنادق؛ غير أن معظم أرقام العجز والإنتاج والغرف الفندقية لا تصدر رسميًا إلا على مستوى المحافظة، ولذلك يُنبَّه عند كل رقم إلى نطاقه: المدينة، أو المحافظة، أو الجمهورية. وبين أهالٍ يدفعون ثمن العجز وفنادق تنفي أنها سببه، يتتبع التقرير خيوط الأزمة في المدينة.
وللحصول على المياه، يترقب الأهالي تنبيهات الشركة على مجموعات «واتساب» التي أنشأتها لكل منطقة، وعلى صفحتها الرسمية على فيسبوك، ليملؤوا خزاناتهم قبل الانقطاع التالي. ومن يفوته موعد الضخ لا يبقى أمامه إلا شراء المياه عبر سيارة تابعة للشركة مقابل 140 جنيهًا للمتر المكعب (نحو 2.9 دولار)، أو الاستعانة بسيارات الأهالي، حتى تعود المياه في الأسبوع التالي.

نظام «المناوبات»: خزان لكل بيت
«ملء الخزانات عادة قديمة في الغردقة؛ فلا يوجد لدينا ضخ مباشر، لذا من الضروري أن يملك كل مواطن خزانًا يعبّئه حين تُضخ المياه في موعدها، ليكفيه على مدار الأيام التي تنقطع فيها»، يقول أحمد لـ«زاوية ثالثة».
ويضيف أن المياه كانت قبل الأزمة تُضخ يومين في الأسبوع، الاثنين والخميس، وكان خزانه الذي تبلغ سعته أربعة أمتار مكعبة يغطي إلى حد ما احتياجات أسرته. أما بعدما صار الانقطاع ثمانية أيام، فقد بات يستيقظ في أي ساعة من الليل، «في الثانية بعد منتصف الليل أو الرابعة فجرًا»، ليملأه، على نقيض الخزانات الأرضية الكبيرة في العمارات القديمة، التي تصل سعتها إلى 25 مترًا مكعبًا وتخزن كميات ضخمة كانت تخفف هذه المعاناة.
وما يصفه أحمد بغياب الضخ المباشر تسميه الشركة «نظام المناوبات»؛ ففي رد رسمي نشرته الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي في مايو الماضي، بعد مقال للكاتب محمد شتا عن أزمة الغردقة، أقرت بأن تشغيل المياه في المدينة «يعتمد على المناوبات في بعض المناطق، في ظل محدودية الإنتاج»، مع تشغيل على مدار 24 ساعة في مناطق أخرى طُوّرت شبكاتها. وفي 15 يوليو الماضي تفقد اللواء مهندس بهاء عبد المنعم سيد الأهل، رئيس شركة مياه الشرب والصرف الصحي بالبحر الأحمر، أعمال تأهيل الشبكات في مناطق مبارك 11 وستار سيتي ومبارك 5 بالغردقة تمهيدًا لإدراجها في منظومة «الضخ المباشر على مدار 24 ساعة وإلغاء نظام المناوبات التقليدي»، أي أن الضخ المستمر لا يزال هدفًا تعمل عليه الشركة حيًا بعد حي.
ولم تكن الأزمة وليدة اللحظة؛ فبحسب عدد من السكان تحدثوا إلى «زاوية ثالثة»، تمتد لسنوات وتفاقمت خلال الأعوام الأربعة الأخيرة، فبعد أن كانت المياه تُضخ كل ثلاثة أيام، صارت كل ثمانية.

خط الكريمات ومحطة اليسر: أزمة تتكرر كل صيف
وتصاعدت شكاوى الأهالي مطلع مايو 2025 بسبب تكرار الأزمة عامًا بعد آخر، بينما تكررت ردود المسؤولين بأن السبب كسر في خط الكريمات الذي يغذي مدينة الغردقة، وأن العمل جارٍ على إصلاحه. وفي العام نفسه بدأ اللواء عمرو حنفي، محافظ البحر الأحمر آنذاك، تشغيل مشروع ازدواج خط الكريمات في قطاع بطول 27 كيلومترًا بين رأس غارب والغردقة، بتكلفة 950 مليون جنيه (نحو 19.7 مليون دولار)، لتأمين نحو 30 ألف متر مكعب يوميًا لأهالي الغردقة والحد من الأعطال والكسور المتكررة. لكن الأزمة استمرت.
وزاد من حدتها توقف محطة اليسر في الغردقة، أكبر محطات التحلية في المحافظة، عن العمل في 2025، وهو ما برره حنفي باستبدال فلاتر انتهت صلاحيتها بأخرى مستوردة، ما أحدث عجزًا في ضخ مياه الشرب، ووعد حينها برفع إنتاجها من 40 ألفًا إلى 60 ألف متر مكعب يوميًا خلال 15 يومًا.
واتخذت المحافظة إجراءات عاجلة لمواجهة العجز، منها توفير سيارات مياه للمواطنين، وهي حلول لا تضيف إلى مصادر المياه نفسها، في حين تسعى المحافظة إلى إنشاء محطات تحلية جديدة تُضاف إلى 11 محطة قائمة. وفي 2 أغسطس الماضي تعاقدت المحافظة على إنشاء محطة تحلية في منطقة الأحياء شمال الغردقة بطاقة 10 آلاف متر مكعب يوميًا، ثم أعلن المحافظ وليد البرقي في 29 أغسطس طرح أربع محطات جديدة في سفاجا والقصير ومرسى علم ورأس غارب بطاقة إجمالية نحو 85 ألف متر مكعب يوميًا، وليست بينها الغردقة؛ فلا يخص المدينة من الإضافات المعلنة سوى محطة الأحياء ومحطتين قال البرقي في 10 أغسطس إنهما تدخلان التشغيل في نوفمبر وديسمبر، من دون أن يحدد طاقتهما.

عجز المدينة وعجز المحافظة: رقمان لا يُقارنان
تعتمد الغردقة على ثلاثة مصادر، بحسب ما قال عمرو حنفي في «على مسؤوليتي» في 19 مايو 2025: محطة اليسر بطاقة تصميمية 80 ألف متر مكعب يوميًا، وخط الكريمات الذي يغذي المدينة بنحو 30 ألف متر مكعب يوميًا، وخط قنا. وقال حنفي حينها إنه «لا توجد أزمة حقيقية في مياه مدينة الغردقة، لكن هناك بعض التحديات»، وإن العجز اليومي في المدينة وحدها يبلغ نحو 45 ألف متر مكعب، بسبب الضغط الكبير من السائحين والمقيمين على هذه المصادر، وتعديات على خط الكريمات تضعف تدفقه، وتراجع إنتاج اليسر إلى 40 ألف متر مكعب بسبب الفلاتر. وكانت المدينة قبل تشغيل اليسر تعتمد كليًا على مياه النيل عبر خطي قنا والكريمات، اللذين يبلغ طولهما 220 و500 كيلومتر، بحسب أخبار اليوم.
وفي منتصف أغسطس الماضي قال البرقي إن المحافظة كلها تعاني عجزًا شديدًا في مياه الشرب يُقدَّر بنحو 100 ألف متر مكعب يوميًا، وإن إنتاجها الحالي، على مستوى المحافظة، لا يتجاوز 162 ألف متر مكعب يوميًا من محطات التحلية والمياه الواردة عبر خطي الكريمات وقنا، وهو إنتاج أقل بكثير من الاحتياجات الفعلية للسكان، وأثره أشد في الغردقة. وقبل ذلك بأيام، قال البرقي في مداخلة مع «على مسؤوليتي» إن «تحدي المياه ظهر منذ ثلاث سنوات»، وإن المحافظة تعتمد على محطتي الكريمات وقنا، وإن «العجز آتٍ من ازدواج خط الكريمات».
والرقمان لا يُقارنان: 45 ألفًا هي عجز المدينة في صيف 2025، و100 ألف هي عجز المحافظة كلها في صيف 2026، ولا تنشر المحافظة نصيب الغردقة وحدها من الرقم الأخير. وأرجع البرقي العجز إلى التوسع العمراني والسكاني والمنشآت السياحية، ومحدودية مصادر المياه الطبيعية، واعتماد المحافظة على خطوط مياه خارجية، مضيفًا أن زيادة أعداد السائحين والعاملين في القطاع السياحي ضاعفت الأزمة وأحدثت ضغوطًا غير مسبوقة على منظومة إنتاج المياه ونقلها وتوزيعها في مختلف مدن المحافظة. وقال في المداخلة نفسها إن السياحة الأجنبية «كانت لا تتجاوز 5.5 مليون، وفي العام الماضي بلغت 7 ملايين، وكل سائح يحتاج إلى ثلاثة عاملين في السياحة بجواره». ولم يكن البرقي وحده من ربط الأزمة بالتوسع السياحي؛ فقد وصف حنفي الغردقة في العام السابق بأنها من أكثر المدن التي تواجه ضغوطًا من السياحة الداخلية والخارجية، ما زاد شكاوى المواطنين.
أما الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، فقالت في ردها في مايو الماضي إنها غيّرت نحو 50% من أغشية محطة اليسر في مارس وأبريل 2025 بتكلفة نحو 100 مليون جنيه (نحو 2.1 مليون دولار)، وإن خطتها تشمل أربع محطات تحلية جديدة بطاقة إجمالية 85 ألف متر مكعب يوميًا ومشروعات إضافية بطاقة 110 آلاف متر مكعب يوميًا ضمن استراتيجية تمتد إلى 2050. وعقّب شتا بأن الرد عرض الجهود ولم يجب عن السؤال الأهم: هل تقدر المنظومة الحالية على توفير المياه باستمرار لجميع مناطق الغردقة، ومن أين يأتي تجار المياه بكميات لا تنقطع بينما تنقطع عن الشبكات الرسمية؟

الغردقة الأولى في عدد الفنادق
وبحسب تقرير إحصائي نقلته المصري اليوم، استقبلت الغردقة نحو مليوني سائح من مختلف الجنسيات في النصف الأول من العام، مع ارتفاع نسب الإشغال في كثير من الفنادق والقرى إلى ما بين 90 و100%. وفي منتصف أغسطس الماضي أعلن البرقي دخول 11 ألف غرفة فندقية جديدة إلى مدن المحافظة كلها بين يناير ويوليو، في مقدمتها الغردقة بوصفها المركز السياحي الأكبر، من دون تحديد نصيب المدينة من هذه الغرف.
وتحتل الغردقة المرتبة الأولى في عدد الفنادق في المحافظة بحسب دليل المنشآت الفندقية الثابتة الصادر عن وزارة السياحة والآثار، بـ159 فندقًا، تليها مرسى علم بـ64 فندقًا، ثم سفاجا بـ28، فالجونة بـ20، فالقصير بـ16.
وعلى مستوى الجمهورية، بلغ عدد المنشآت الفندقية في 2024 1284 منشأة بطاقة 228 ألفًا و146 غرفة، الجزء الأكبر منها في البحر الأحمر بحسب محمد عامر، رئيس الإدارة المركزية للمنشآت الفندقية بوزارة السياحة، الذي قال في 2025 إن إضافة أكثر من 5 آلاف غرفة منذ بداية ذلك العام رفعت الإجمالي إلى نحو 234 ألف غرفة، وإن مصر تستهدف 500 ألف غرفة بحلول 2031 لاستقبال 30 مليون سائح سنويًا. وتُعد البحر الأحمر أكبر محافظة في عدد الفنادق وفق بيانات الوزارة، كما تصدرت المناطق السياحية في عدد الفنادق الفاخرة بـ26 فندقًا، تليها القاهرة الكبرى بـ23، ثم جنوب سيناء بـ17، فالساحل الشمالي بثمانية، فالأقصر بسبعة.
وقال سيد الجابري، رئيس غرفة شركات السياحة بالبحر الأحمر، إن هذا التزايد في الغرف الفندقية يوازي ارتفاع حركة السياحة في المحافظة، فيما أشار محمد شمروخ، العضو المنتدب لإحدى المجموعات الفندقية، إلى أن الغرفة الواحدة ترتبط بثلاث إلى أربع فرص عمل مباشرة وغير مباشرة. وبينما يمثل التوسع الفندقي موردًا للاستثمار وفرص العمل، يرى المحافظ أن زيادة الغرف والسائحين تضيف ضغطًا على احتياجات المحافظة من المياه.

«لم نعد عبئًا على الحكومة»
ينفي رامي فايز، عضو مجلس إدارة غرفة المنشآت الفندقية ورئيس لجنة تسويق مرسى علم، أن يكون التوسع في المنشآت السياحية سببًا للعجز المائي، ويقول لـ«زاوية ثالثة» إن فنادق البحر الأحمر، ويقدّر عددها بنحو 290 فندقًا على مستوى المحافظة، تعتمد في جانب كبير منها على محطات تحلية خاصة، وإن الفنادق الجديدة في الغردقة زادت خلال العامين الماضيين بنسبة تتراوح بين 7 و10%، أي نحو 15 إلى 20 فندقًا لا تزال قيد الإنشاء، فلا يمكن أن تكون سببًا للأزمة. أما الفنادق القائمة في الغردقة نفسها فتملك، بحسبه، وصلات مياه عذبة شأنها شأن المنشآت التجارية الأخرى، بينما يعتمد عدد كبير من فنادق مرسى علم والقصير خاصة على محطات تحلية أو آبار؛ أي أن ما يقوله عن التحلية الخاصة يخص مرسى علم والقصير أساسًا، في حين تستمد فنادق الغردقة القائمة مياهها من الشبكة نفسها التي يعتمد عليها سكان المدينة.
ويضيف: «بذلك لم نعد نمثل عبئًا على شبكات الكهرباء أو حتى شبكات المياه»، موضحًا أن المستثمر يجهّز قبل تشييد الفندق البنية التحتية اللازمة له، وقد تتجاوز تكلفتها أحيانًا تكلفة المبنى نفسه، وأن معظم الفنادق، خاصة في مرسى علم والقصير، اتجهت في السنوات الأخيرة إلى إنشاء محطات تحلية.
غير أن المحافظة كانت قد ألزمت الفنادق والقرى السياحية في مدنها، خلال اشتداد أزمة المياه في الغردقة، بالاعتماد على محطات تحلية مياه البحر لتوفير المياه للأهالي، وطالبت كل منشأة بتحديد موعد لإنهاء إجراءات تطوير محطات التحلية والمعالجة داخلها.
وينتقد فايز القرار لأنه يفرض أعباء مالية على الفنادق القائمة التي تعتمد على الشبكات، إذ تتراوح تكلفة إنشاء محطة تحلية بين 15 و20 مليون جنيه (نحو 311 ألفًا إلى 414 ألف دولار) يتحملها الفندق، ويرى أن مثل هذه القرارات تحتاج إلى مزيد من التشاور مع القطاع الفندقي قبل تطبيقها.
ويتفق معه في تقدير التكلفة علي سعيد الدابي، رئيس مجلس إدارة فندق جولدن بيتش بمنطقة الأحياء في الغردقة، الذي يقول لـ«زاوية ثالثة» إن محطة خاصة تنتج ألف متر مكعب يوميًا تكلف المستثمر بين 15 و20 مليون جنيه، ويتضاعف المبلغ إن أراد رفع الإنتاج إلى ألفي متر مكعب. ويروي أن فندقه كان يملك محطة تحلية أنشأها قبل نحو 20 عامًا، لكنها توقفت منذ 10 سنوات بعدما احتاجت إلى صيانة تعددت أعمالها وارتفعت تكلفتها، إلى جانب خلافات مع الشركة التي كان يُفترض أن تتولى الصيانة، فتراجع عن استكمالها. ومنذ ذلك الحين يعتمد الفندق كليًا على الخطوط الحكومية، فتأثر، كغيره من الفنادق والقرى والأهالي، بأزمة نقص بدأت تتفاقم قبل نحو سبع سنوات، بحسبه، واتسعت تدريجيًا حتى وصلت إلى وضعها الحالي.
ويضم الفندق 450 غرفة بطاقة نحو 1200 نزيل، ويتراوح استهلاكه اليومي بين 500 و700 متر مكعب، يدفع مقابلها ما يُعرف بـ«التعريفة السياحية» البالغة، وفق قوله، 150 جنيهًا للمتر المكعب (نحو 3.1 دولارات). وبحساب «زاوية ثالثة»، يعني ذلك أن نصيب النزيل الواحد، حين يمتلئ الفندق، يتراوح بين نحو 420 و580 لترًا يوميًا، أي نحو ثلاثة إلى أربعة أضعاف الـ150 لترًا التي يحددها رئيس شركة المياه حاجةً للمواطن.
ولا تقتصر العقبة على التكلفة، بل تمتد إلى صعوبة الحصول على التراخيص والموافقات. ففي 2023 طالب عدد كبير من الملاك والمستثمرين وزارتي السياحة والبيئة ومحافظ البحر الأحمر بالتدخل لتسهيل تراخيص محطات تحلية خاصة بمنشآتهم لمواجهة عجز مياه الشرب، في ذروة الإقبال السياحي على الغردقة، ومع تكرار كسر خط الكريمات وانخفاض إنتاجية محطة اليسر من 80 ألفًا إلى 35 ألف متر مكعب يوميًا.
ويوضح الدابي أن إنشاء محطة خاصة يتطلب موافقات تبدأ من المحافظة ثم جهاز شؤون البيئة لحجز مأخذ من البحر، وأن ارتفاع ملوحة المياه الجوفية يجعل مياه البحر الخيار الأكثر شيوعًا للمنشآت السياحية، لكن إنشاء مأخذ خاص يحتاج إلى موافقات تستغرق وقتًا طويلًا. وكان مصدر في جهاز شؤون البيئة قد قال إن محطات تحلية مياه البحر تتطلب دراسات بيئية أولًا، وموافقة هيئة حماية الشواطئ واللجنة العليا للتراخيص التابعة لوزارة الري، والتزامًا بالشروط البيئية لحماية البيئة البحرية والمياه الجوفية.
ويقول محمد كارم، الخبير السياحي، إن عددًا كبيرًا من الفنادق لا يملك محطات تحلية خاصة لارتفاع تكلفتها، ما يدفعها إلى الاعتماد على الشبكات الحكومية.

سوق سوداء وغرامة 100 ألف جنيه
منذ اشتداد الأزمة يقتطع بيشوي (اسم مستعار)، 50 عامًا، من راتبه مبلغًا كبيرًا لشراء المياه لخزانه الذي تبلغ سعته 15 مترًا مكعبًا، لسد عجز الأسرة على مدار الأسبوع، على حساب نفقات البيت الأخرى. ويقول بيشوي، الذي يسكن في منطقة مجاويش بالغردقة، لـ«زاوية ثالثة» إن الأزمة فرضت عليه شراء المياه في السوق السوداء بما بين 400 و500 جنيه للمتر المكعب (نحو 8 إلى 10 دولارات)، لأن بعض السائقين يرفضون البيع بتسعيرة المحافظة البالغة 140 جنيهًا، «فنضطر إلى قبول السعر، وإلا لن نجد مياهًا». ويذكر أن المياه انقطعت في العام الماضي 40 يومًا، وكلفه المتر حينها 700 جنيه (نحو 14.5 دولارًا) في السوق السوداء، فتقدم بشكوى إلى مجلس الوزراء.
ويوضح أن التعريفة الرسمية 7 جنيهات للمتر المكعب (نحو 14 سنتًا)، بينما تقول الشركة القابضة لمياه الشرب في ردها إن السعر الرسمي 25 جنيهًا للطن (نحو 52 سنتًا) وإن الأسعار المرتفعة المتداولة نتيجة «تعاملات فردية خارج الإطار الرسمي». ويقول بيشوي: «فلِمَ نتحمل تكلفة نقل المياه من الشركة وندفع 140 جنيهًا لسيارة الأهالي؟ لا يُفترض أن تحصل السيارة على هذا السعر؛ فأنا متعاقد مع الشركة كي توصل لي المياه، لا أن أبحث عن سيارة وأحضرها بنفسي وسط مساومات ونفقات». ويرى أن معالجة الأزمة بسيارات توزيع المياه خلقت مشكلة أكبر؛ فالمياه تُهدر على الطريق وتصل ناقصة نحو نصف متر مكعب، والسيارات تستهلك السولار وتتسبب في أزمة فيه، وهي قديمة وغير مؤهلة وتضيّق الشوارع: «الموضوع له جوانب سلبية متعددة».
لكن بهاء عبد المنعم سيد الأهل، رئيس شركة مياه الشرب والصرف الصحي بالبحر الأحمر، ينفي لـ«زاوية ثالثة» وجود أي «سمسرة» في توصيل المياه، ويقول إن المواطن الذي يطلب سيارة يحصل عليها مقابل 140 جنيهًا للمتر المكعب، بينما تتحمل الشركة تكلفة التوصيل مجانًا إلى المناطق التي لا يصلها الضخ، وإن ذلك يجري في جميع المناطق المتضررة. غير أن حديث بيشوي عن سائقين من الأهالي لا عن سيارات الشركة.
وتعرف المحافظة هذه الممارسة؛ ففي 10 أغسطس الماضي قال البرقي إن الحد الأقصى لسعر المتر المكعب 140 جنيهًا، وإن من يطلب من المواطن أكثر من ذلك «يدفع غرامة 100 ألف جنيه (نحو 2070 دولارًا) وتُسحب منه سيارة نقل المياه»، وإن السيارات ستحمل أرقام البلاغات ويجري ضبط المخالفين بالتنسيق مع وزارة الداخلية، مضيفًا أن المحافظة تستعين بسيارات مياه من المحافظات المجاورة، وأن «عملية بيع المياه غير مريحة».
ويرجع عبد المنعم أزمة نقص المياه إلى زيادة عدد السكان، إذ لم تعد الكميات المتاحة كافية، وإلى أن بعض القرى والفنادق السياحية لم تكن تملك محطات تحلية، ويضيف أن الصيف يشهد توافد أعداد كبيرة من المصريين إلى جانب السائحين العرب والخليجيين، ما يمثل ضغطًا إضافيًا على الكميات المتاحة. ويقدّر حاجة المواطن بـ150 لترًا من دون أن يحدد المدة الزمنية لهذا التقدير. وعلى افتراض أنه استهلاك يومي، يبين الرسم التالي، بحساب «زاوية ثالثة»، كم يدفع الفرد أو الأسرة أسبوعيًا لتأمين هذه الكمية بأسعار السيارات.

«ترتيب عكسي» للتخطيط
يرجع سيف فراج، أستاذ التخطيط العمراني، تكرار أزمات كنقص مياه الشرب في البحر الأحمر إلى ما يصفه بالتخطيط العشوائي. ويقول لـ«زاوية ثالثة» إن التخطيط يبدأ بدراسة تُسمى «اقتصاديات العمران» تحدد حجم الإنشاءات التي يمكن استيعابها والفئات المستهدفة منها من محدودي الدخل ومتوسطيه ومرتفعيه، ودراسة للتركيبة السكانية وأعمار السكان وأعداد الأطفال وحجم الأسر واحتياجاتهم من فرص العمل، وبناءً عليها تُحدد احتياجات المنطقة من مياه الشرب والكهرباء والصرف الصحي ومصباته، وتقسيم استخدامات الأراضي والكثافات البنائية وارتفاعات المباني، فضلًا عن المدارس والمستشفيات والمباني الإدارية.
ويرى أن دراسة البنية التحتية كان يجب أن تسبق التوسع العمراني والسياحي، وأن غياب الدراسات التفصيلية والمعلومات الكافية عن احتياجات المنطقة قبل تنفيذ المخططات أدى إلى فجوة بين الاحتياجات والإمكانيات الحقيقية، في «ترتيب عكسي» لعملية التخطيط سبقت فيه أعمال البناء تحديد الاحتياجات. ويضيف أن معالجة هذه الفجوة بعد التنفيذ تفرض تكلفة مادية وزمنية أعلى بكثير مما كان يمكن تحمله لو خُطط للبنية التحتية مسبقًا، ويوصي بدراسة شاملة للوضع الراهن وحصر أوجه النقص ثم إعادة التخطيط وفق البيانات الحالية بما يضمن توافق التوسعات المقبلة مع قدرة المرافق على استيعابها.
ويتقاطع ذلك مع ما يراه محمد كارم؛ إذ يقول إن زيادة أعداد السائحين في السنوات الأخيرة فرضت ضغطًا على إمكانيات الغردقة، وإن المنشأة الفندقية مطالبة بتوفير احتياجات جميع الوافدين إليها حتى إن لم تعمل بكامل طاقتها، وإن الإمكانيات الحالية للمدينة لا تتناسب بالكامل مع حجم الزيادة، ما قد ينعكس على الخدمات الأساسية ومنها المياه. ويشير إلى أن الضغط يمتد إلى البنية التحتية للمدن السياحية التي لا تزال بعض مشروعاتها قيد الإنشاء، مثل مشروعات مرسى علم والطرق الرابطة بين المدن السياحية، وهي مشروعات تأتي ضمن خطط الدولة وتحتاج إلى وقت، ويربط التوسع بمستهدفات الدولة لاستقبال 30 مليون سائح والوصول إلى 500 ألف غرفة فندقية، وهو ما يتطلب، بحسبه، تطوير البنية التحتية بما يتناسب مع هذه الأعداد.
وفي انتظار المحطات الجديدة، تتدبر أسرة أحمد عادل أمرها بنظام صارم في استخدام مياه الخزان: إغلاق المحابس جيدًا، وتناوب أفراد الأسرة على الاستحمام، فإذا استحم أحدهم انتظر الباقون حفاظًا على المخزون للشرب والطهي. ولا يختلف نظام أسرة بيشوي كثيرًا؛ فعند موعد الضخ يملأ خزانه وينتظر مع أسرته أسبوعًا حتى تعود المياه: «لكن لا بد أن نرشّد الاستهلاك؛ نقلل الاستحمام ونغسل الملابس وقت الضخ». وحتى يصل «الضخ المباشر» الذي تعمل عليه الشركة حيًا بعد حي إلى الدهار ومجاويش، سيظل أحمد يستيقظ في الثانية بعد منتصف الليل ليملأ خزانًا يكفي أسبوعًا.