بحيرة قارون.. إنقاذ الأسماك يبدأ من وقف التلوث

بين الصرف الزراعي والصحي والملوحة والطفيليات، يشرح باحثون لماذا لا يكفي تطهير بحيرة قارون وإنزال الزريعة لاستعادة ثروتها السمكية وأرزاق الصيادين.
كولاج تعبيري عن الصيد في بحيرة قارون، يجمع يد صياد وشبكة وقاربًا على خلفية زيتونية.
Picture of آية ياسر

آية ياسر

منذ عقود، تعاني بحيرة قارون بمحافظة الفيوم من التدهور البيئي، الناتج عن ملوثات الصرف الزراعي والصحي، وما تحمله من بقايا مبيدات وأسمدة زراعية ومواد عضوية، انعكست بصورة مباشرة على الثروة السمكية التي كانت تمثل مصدر رزق رئيسيًا لمئات الأسر العاملة في الصيد.

وتصف شهادات الباحثين الواردة في هذا التقرير تراجعًا حادًا في الثروة السمكية وأثرًا ممتدًا على العاملين بالصيد. وتتداخل في هذه الأزمة مصادر التلوث والملوحة والطفيليات والصيد المخالف، إلى جانب اعتماد البحيرة المغلقة على إعادة تخزينها بالزريعة.

وتتطلب قراءة أرقام تراجع الإنتاج تحديد نقطة البداية والنهاية ونطاق المصيد في كل مصدر. فلا يجوز جمع نسبة انخفاض عن فترة قصيرة مع أرقام تمتد لأربعة عقود ثم تقديمها كسلسلة رسمية موحدة. وتُعرض في هذا التقرير شهادة عادل علي أحمد عن إنتاج سابق بلغ نحو 4500 طن بوصفها تقديرًا في مقابلته، من دون تحويلها إلى رقم لموسم محدد لم يسمّه. ولا يغني توثيق تراجع الإنتاج عن معرفة أوضاع الأسر التي فقدت مورد رزقها.

وبحسب تقرير لوكالة رويترز نُشر في سبتمبر 2022، دفعت خسائر الصيد بعض الصيادين إلى الانتقال إلى مناطق أخرى أو البحث عن عمل بديل، فيما حوّل آخرون قواربهم إلى رحلات للزوار. وهي شهادات تعكس أثر الأزمة على سبل العيش في تلك الفترة، وليست حصرًا محدثًا لعدد المراكب أو الصيادين.

وكشفت دراسة لباحثين من جامعة الفيوم والمركز القومي لبحوث المياه، نُشرت في دورية Water Science يوم 17 مارس 2026، عن تلوث ميكروبي ومقاومة للمضادات الحيوية في عينات من مياه البحيرة. لكن العينات جُمعت في يناير 2022 ويوليو 2023؛ فلا تمثل النتائج قياسًا لجودة المياه في أكتوبر 2026، ولا اختبارًا شاملًا لصلاحية الأسماك المتداولة للاستهلاك.

وتناولت أبحاث أخرى المعادن الثقيلة أيضًا؛ إذ رصدت دراسة منشورة عام 2025 ارتفاع الرصاص والنيكل والكادميوم في عينات المياه مقارنة بالحدود التي اعتمدتها لحماية الحياة المائية، مع اختلاف النتائج بين المواقع. ويعزز ذلك الحاجة إلى فحص نوع الملوث ومكانه، من دون الخلط بين تحليل المياه واختبار الأنسجة المأكولة للأسماك.

تعد بحيرة قارون، واحدة من أبرز المعالم الطبيعية والأثرية في محافظة الفيوم، ومن أقدم البحيرات الطبيعية في العالم، وتقع في منخفض الفيوم، على بعد نحو 27 كيلومترًا شمال مدينة الفيوم، ونحو 80 كيلومترًا جنوب غرب القاهرة، بينما تنخفض عن مستوى سطح البحر بنحو 43 إلى 45 مترًا.

ويقدّر تقرير لجهاز شؤون البيئة مساحة البحيرة بنحو 53 ألف فدان، ومتوسط عمقها بنحو 4.2 متر. والبحيرة جزء من محمية قارون، التي تشمل أيضًا مناطق ذات قيمة جيولوجية وأثرية، ولا تتطابق مساحة المحمية الواسعة مع مساحة المسطح المائي وحده.

وتتفاوت الأبعاد المنشورة للبحيرة بحسب تاريخ القياس ومنسوب المياه وحدود المسطح التي يعتمدها المصدر. لذلك لا تعني المساحة التقريبية ثبات طول الشاطئ أو العمق في جميع المناطق. وهذا التمييز مهم عند حساب الأحمال الملوثة أو كميات الزريعة أو أعمال التكريك، لأن القرارات يجب أن تستند إلى خرائط وقياسات ميدانية للمنطقة المعنية، لا إلى متوسط عام للبحيرة وحده.

وتستقبل البحيرة مياه الصرف عبر شبكة من المصارف، أبرزها البطس والوادي. وتحمل هذه المياه صرفًا زراعيًا وما يختلط به من صرف صحي وملوثات أخرى، ما يجعل منع الملوثات قبل وصولها إلى البحيرة محورًا أساسيًا لأي معالجة.

وبوصفها بحيرة مغلقة لا تتصل بالبحر، تتأثر قارون بتراكم الأملاح والتبخر وطبيعة المياه الواردة إليها. لذلك يجب قراءة قياسات الملوحة في سياق تاريخ أخذ العينة وموقعها، لا التعامل مع رقم قديم باعتباره وصفًا ثابتًا لكل البحيرة اليوم.

وفي ذات السياق يشرح الأستاذ الدكتور عمر تمّام، أستاذ المحميات الطبيعية ورئيس معهد البيئة السابق، أن بحيرة قارون تعرضت خلال السنوات الماضية لتدهور بيئي حاد نتيجة تراكم ثلاثة أنواع رئيسية من الملوثات، هي الصرف الصحي والصرف الصناعي والصرف الزراعي، ما أضرّ بالحياة المائية والتنوع البيولوجي فيها.

ويوضح أن الصرف الصحي أدى إلى ظهور بكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية، بينما تسبب الصرف الصناعي في تراكم المعادن الثقيلة والعديد من المواد الكيميائية، في حين أسهم الصرف الزراعي في وصول المبيدات والأسمدة الكيميائية إلى مياه البحيرة، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على الثروة السمكية.

ويحذر تمّام، في حديثه لـ«زاوية ثالثة»، من مخاطر الطفيليات والمعادن الثقيلة والتلوث البكتيري على الأسماك وسلامة الغذاء. ولا تتيح الأدلة التي راجعها التقرير تعميم حكم بأن كل أسماك البحيرة غير صالحة للاستهلاك؛ إذ يستلزم ذلك فحوصًا ممثلة للأسماك نفسها، بحسب النوع ومكان الصيد وتاريخه.

ويتذكر أن بحيرة قارون كانت تمثل ثروة قومية مهمة بسبب طبيعة مياهها الواقعة بين المياه العذبة والمالحة، التي جعلتها مناسبة للجمبري والأسماك التي تعيش في المياه الشروب، إلا أن التلوث أدى إلى تراجع أعداد الأسماك وتدهور جودة ما تبقى منها، كما كانت تمثل موئلًا مهمًا للطيور المهاجرة، من بينها الطيور الخواضة وآكلات الحشرات والحبوب وأنواع البط والطيور المائية، إلا أن أعدادها تراجعت نتيجة التلوث والصيد الجائر للطيور المهاجرة باستخدام الخرطوش والشباك، وبيعها، مما يمثل تهديدًا للتنوع البيولوجي.

ويشير تمّام إلى الجهود التي بُذلت خلال السنوات الأخيرة لإعادة تأهيل البحيرة، بمشاركة باحثين من جامعة القاهرة وهيئة الثروة السمكية ومحافظة الفيوم، والتي بدأت معها مؤشرات التعافي في الظهور، متمثلة في عودة الطيور البرية والحيوانات وانتعاش الأسماك وزيادة عمليات الاستزراع السمكي والجمبري، قبل أن تعود مصادر التلوث مرة أخرى، لتعصف بجانب كبير من نتائج هذه الجهود.

وفي ذلك الصدد يؤكد أستاذ المحميات الطبيعية أن معالجة أزمة بحيرة قارون لا يمكن أن تقتصر على تطهير المياه أو استزراع الأسماك، وإنما تبدأ بالسيطرة على منابع التلوث ومنع وصولها إلى البحيرة، لافتًا إلى أن الصرف الصناعي يمثل مصدرًا خطيرًا للتلوث بسبب المعادن الثقيلة والمواد الكيميائية، بينما يؤدي النشاط الزراعي إلى تسرب المبيدات والأسمدة إلى البحيرة، في حين يتسبب الصرف الصحي الناتج عن التجمعات السكانية المحيطة في تسرب الملوثات إلى التربة والمياه الجوفية ثم البحيرة.

تبدأ حماية البحيرة بالسيطرة على منابع التلوث، لا بالاكتفاء بتطهير المياه أو إنزال الأسماك.

خلاصة ما يدعو إليه عمر تمّام في حديثه لـ«زاوية ثالثة».

ويرى أن حماية محمية قارون تقتضي إبعاد مصادر الصرف الصحي والصناعي عن البحيرة والسيطرة على الأنشطة المحيطة بها، وتوفير منظومة صرف آمنة، مشددًا على ضرورة إغلاق منابع التلوث أولًا وفرض ضوابط بيئية صارمة تجاه التجمعات السكانية والمصانع والأراضي الزراعية بالقرب من البحيرة، ثم إعادة استزراع البحيرة بالأسماك وتنويع الأنواع المستزرعة والاستفادة من الأنواع ذات القيمة الاقتصادية الكبيرة، لتحقيق تعافٍ مستدام للمنظومة البيئية.

كيف انهار الإنتاج السمكي في البحيرة؟

يعتبر التلوث البيئي من أبرز التهديدات التي تؤثر على القدرة الإنتاجية للمصايد الطبيعية، إلى جانب الصيد الجائر وفقر بعض البحيرات من الغذاء الطبيعي اللازم لنمو الأسماك، وهي عوامل تضعف قدرة البحيرات على الاستمرار في الإنتاج، بحسب الدكتور أشرف شبل، أستاذ الاقتصاد بكلية الثروة السمكية في جامعة السويس، الذي يرى أن التعامل مع أزمة بحيرة قارون يجب أن يبدأ بمنع أسباب التلوث والتي يرفع استمرارها من تكلفة عمليات التطهير، وضرورة إعادة النظر بشأن المنشآت المقامة على ضفاف بحيرة قارون، وتقييم مدى توافقها مع البيئة المحيطة وقدرتها على الحفاظ على استدامة البحيرة.

ويكشف عن أن بحيرة قارون فقدت جزءًا كبيرًا من قيمتها البيئية والسياحية والإنتاجية نتيجة التلوث، لافتًا إلى أنه خلال إحدى زياراته للبحيرة لاحظ انتشار الطحالب على سطح المياه، وهو ما اعتبره مؤشرًا على التدهور الذي أصاب البيئة المائية مقارنة بما كانت عليه البحيرة في السابق.

ويشرح شبل أن تلوث الموائل الطبيعية يضعف فرص نمو الأسماك وتجدد المخزون. وفي البحيرات المغلقة مثل قارون، لا يمكن التعويل على انتقال الأسماك إلى البحر للهروب من الظروف غير الملائمة؛ لذلك يصبح تدهور الموائل ضغطًا على بقائها وإنتاجيتها.

ويشدد أستاذ الاقتصاد بكلية الثروة السمكية على ضرورة إعادة النظر في منظومة المصيد بالكامل، والتأكد من توافقها مع القدرة الإنتاجية والاستيعابية للمصيد والقواعد القانونية المنظمة للصيد، محذرًا من أن الصيد الجائر باستخدام معدات أو أساليب تتجاوز قدرة البحيرة على التجدد يؤدي إلى استنزاف المخزون السمكي والإضرار بالبيئة المائية.

ويشرح أن المشكلة التي تواجه بحيرة قارون تنطبق بدرجات مختلفة على عدد من البحيرات المصرية، والتي تعاني من فقر الغذاء الطبيعي، والتلوث، والصيد الجائر، وهي عوامل تؤثر مجتمعة على قدرة البحيرات على استدامة الإنتاج السمكي، مشيرًا إلى أن فقر الغذاء الطبيعي يمثل أحد التحديات التي تعمل الجهات المعنية على مواجهتها من خلال زيادة مصادر الغذاء في البحيرات، لكن استمرار التلوث يؤدي إلى إهدار هذه الجهود وعمليات تطهير بحيرة قارون.

ويربط شبل بين تجاوز الملوحة الحدود الملائمة للأنواع الموجودة وبين تراجع قدرتها على البقاء، مع مراعاة أثر الحرارة والتغيرات المناخية على المصايد الطبيعية. ويؤكد أن إدارة البحيرة تحتاج إلى متابعة هذه العوامل معًا.

ويرى أن حماية بحيرة قارون تتطلب سياسة متكاملة لا تركز على التطهير فقط، وإنما تستهدف منع مصادر التلوث، وتنظيم المنشآت والأنشطة المحيطة بالبحيرة، وضبط عمليات الصيد بما يتناسب مع قدرتها الإنتاجية، مع مراعاة تأثير التغيرات المناخية على درجات الحرارة والملوحة.

ويتفق معه الباحث والمحامي البيئي أحمد الصعيدي، مدير المؤسسة المصرية للحقوق البيئية، في كون التلوث يمثل أحد أبرز التهديدات التي تؤثر في القدرة الإنتاجية للمصايد السمكية، إلى جانب الصيد الجائر وعدد من العوامل الأخرى، وأن التعامل مع أزمة بحيرة قارون يجب ألا يقتصر على عمليات التطهير وإنزال زريعة الأسماك والجمبري، وإنما يبدأ بمنع مصادر التلوث والسيطرة على أسبابها، لاستعادة وظيفتها البيئية والإنتاجية.

ويؤكد الصعيدي الأهمية البيئية والتاريخية للمنطقة، محذرًا من أن تلوث المياه ينعكس على الطيور والكائنات التي تعتمد على النظام البيئي للبحيرة، التي تُدرجها وزارة البيئة ضمن محمية قارون.

يقول لـ"زاوية ثالثة": "البحيرة موجودة منذ آلاف السنين، وبالتالي فإن التغيرات الحالية لا يمكن فصلها عن الزيادة الكبيرة في الضغوط البشرية ومصادر التلوث، وهناك ارتباط بين ارتفاع ملوحة بحيرة قارون واختلال تركيبها الكيميائي وبين التلوث المتزايد، فزيادة الكثافة السكانية وارتفاع معدلات التلوث يمثلان عاملين مستجدين أسهما في تفاقم المشكلة".

وينتقد عدم إتاحة نتائج التحاليل الدورية التي تجريها وزارات الصحة والبيئة والري للوقوف على مكونات المياه ومدى تعرضها للتلوث، معتبرًا أن بعض القوانين المنظمة لأخذ عينات المياه ونشر نتائج التحاليل تعود إلى عقود سابقة، والمعايير الواردة في هذه التشريعات لم تعد كافية، فضلًا عن عدم الالتزام بها وتطبيق العقوبات المنصوص عليها، والتي قد تصل إلى وقف النشاط.

ويستشهد الصعيدي أيضًا بفتوى قال إنها صدرت عن مجلس الدولة بشأن مشروع في محمية وادي الريان، ورفضت نشاطًا يضر بالحياة البرية والنباتية رغم تقارير قدمتها شركات عن فوائد الاستزراع السمكي. لم تتوافر نسخة الفتوى أو تاريخها ورقمها للتحقق المستقل؛ لذلك يظل الاستشهاد منسوبًا إليه، وليس سندًا لإثبات حكم واجب التطبيق على مشروع بعينه في قارون. وما يدعو إليه هو مراعاة خصوصية المناطق المحمية قبل الترخيص للأنشطة داخلها.

ويرى ضرورة إلزام أي جهة تقوم بالصرف على مجرى مائي بإجراء المعالجة اللازمة للصرف قبل تصريفه، كون الصرف الصناعي المحمل بالمواد الكيميائية يمثل أحد أخطر أنواع الصرف، مبديًا مخاوفه تجاه قيام بعض المصانع المطلة على البحيرة بصرف مخلفاتها دون معالجة، أو عدم خضوع عمليات المعالجة التي تجريها لمتابعة دورية كافية من الجهات الرقابية، داعيًا إلى التركيز على وقف مصادر التلوث بدلًا من الاكتفاء بمحاولات تعويض خسائر الثروة السمكية.

إنقاذ البحيرة يبدأ قبل وصول الصرف

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الدولة في تنفيذ مجموعة من الإجراءات لتحسين الوضع البيئي لبحيرة قارون، شملت التوسع في إنشاء محطات معالجة مياه الصرف الصحي ضمن مشروعات البنية الأساسية ومبادرات تطوير القرى، وأخرى ممولة أو مدعومة من جهات دولية وأوروبية.

ويذكر البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية أن البرنامج المدعوم من الاتحاد الأوروبي وبنك الاستثمار الأوروبي يتضمن إنشاء وتأهيل 12 محطة لمعالجة الصرف وشراء 28 سيارة كسح لخدمة المناطق البعيدة، مستهدفًا توصيل أكثر من 80% من ريف الفيوم بخدمات صرف آمنة. وهذه مكونات وأهداف للبرنامج، لا قياس مستقل لنتائج التعافي البيئي في البحيرة.

وفي 11 نوفمبر 2023، أعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي تحسن جودة المياه وانخفاض الملوحة من 40 ألفًا إلى 28 ألف «وحدة»، وفق ما نقلته الهيئة الوطنية للإعلام. ويعبّر ذلك عن تقييم حكومي معلن في ذلك التاريخ، ولا يُستخدم هنا بوصفه قياسًا حاليًا للبحيرة أو دليلًا على زوال مصادر التلوث.

لكن الدكتور عادل علي أحمد، أستاذ الأحياء المائية والعميد السابق لمعهد علوم البحار، يرى أن التعامل مع بحيرة قارون يجب أن ينطلق من اعتبارها نظامًا بيئيًا متكاملًا، وليس مجرد مسطح مائي يعاني من التلوث أو نقص الأسماك؛ إذ أن معالجة مصادر الصرف، وتطهير المناطق الملوثة، والحد من الصيد المخالف، وإعادة بناء السلسلة الغذائية، واستخدام التحكم البيولوجي، إجراءات مترابطة، ولا يمكن أن ينجح أحدها بمعزل عن بقية مكونات خطة التأهيل البيئي للبحيرة.

ويشرح أن بحيرة قارون، مسطح مائي مغلق، وغير متصل حاليًا بنهر النيل أو بالبحر المتوسط، ومع زيادة الرقعة الزراعية في الفيوم، أصبحت مياه الصرف الزراعي تتجه إلى المصارف التي تصب في البحيرة، لتصبح قارون في صورتها الحالية مستودعًا لمياه الصرف الزراعي، التي تصل عبر مصرفي البطس والوادي، اللذين يمران وسط القرى، ولذلك فإن القرى التي لا تتوافر بها شبكات صرف صحي كانت تلقي جزءًا من مياه الصرف الصحي في هذه المصارف، التي تنتهي في البحيرة، وهو ما جعلها أحد المصادر الرئيسية للتلوث.

يقول لـ"زاوية ثالثة": "التلوث ليس موزعًا بالتساوي على كامل مساحة البحيرة، وإنما يتركز بصورة أكبر في الجزء الشرقي، حيث يصب مصرف البطس المحمل بمياه الصرف الزراعي وما يصاحبها من ملوثات صرف صحي، ومصرف الوادي أقل تلوثًا نسبيًا، نظرًا إلى انخفاض مساهمته من مياه الصرف الصحي مقارنة بمصرف البطس، لكنه يرتبط بمنطقة توجد بها مزارع سمكية، تستخدم مياه المصرف ثم تعيد جزءًا منها إلى البحيرة".

ويحذر من أن مياه الصرف الزراعي لا تحمل فقط مخلفات الصرف الصحي، وإنما يمكن أن تحمل أيضًا بقايا الأسمدة والمركبات الزراعية، ومنها النترات والفوسفات، التي تسهم في زيادة نمو الطحالب ورفع مستويات المادة العضوية في المياه، لافتًا إلى أن تراكم المادة العضوية يمثل أحد التحديات البيئية التي تحتاج إلى معالجة، مقترحًا استخدام وسائل للتهوية والأكسدة، مثل النوافير التي تعمل بالطاقة الشمسية، لسحب المياه وإعادتها إلى البحيرة بعد تعريضها للهواء، بما يساعد على خفض مستويات المادة العضوية.

ويؤكد أن الدولة اتخذت خلال السنوات الأخيرة إجراءات للحد من مصادر التلوث، من بينها إنشاء محطات لمعالجة مياه الصرف الصحي ضمن مشروعات «حياة كريمة»، إلى جانب العمل على تنظيم وربط المصارف بهدف تقليل كمية الملوثات التي تصل إلى البحيرة.

ولا يفسر العميد السابق لمعهد علوم البحار، تراجع الثروة السمكية في البحيرة بالتلوث أو انتشار طفيل «الأيزوبودا» وحدهما، لأن هناك مسطحات مائية أخرى كانت تعاني مستويات مرتفعة من التلوث، مثل بحيرتي مريوط والمنزلة، ومع ذلك ظلت الأسماك موجودة بها، على النقيض من قارون التي يغيب عنها حركة تبادل طبيعية مع البحر، فلا تستطيع نسبة كبيرة من الأسماك البحرية الموجودة في البحيرة إتمام عملية التكاثر الطبيعي، خصوصًا الأنواع التي تحتاج إلى الهجرة بين المياه البحرية والمياه الداخلية خلال دورة حياتها.

ويشير إلى أن الحفاظ على المخزون السمكي كان يعتمد لسنوات على قيام هيئة الثروة السمكية، التي أصبحت حاليًا جهاز حماية وتنمية البحيرات والثروة السمكية، بإلقاء كميات من الزريعة في البحيرة بصورة دورية، مبينًا أن البحيرة كانت تنتج في فترات سابقة نحو 4500 طن من الأسماك سنويًا، وشملت الأنواع المنتجة البوري والقاروص والدنيس وموسى والجمبري والبلطي الأخضر، إلى جانب أنواع أخرى.

ويضيف: "تراجع الرقابة على الصيد خلال فترات الاضطراب الأمني عقب ثورة يناير، تسبب في زيادة ممارسات الصيد المخالف، خصوصًا استخدام شباك الجر وشباك الجمبري، وهي ممارسات تؤدي إلى تدمير مناطق التفريخ وقاع البحيرة، لا سيما المناطق التي تنمو فيها النباتات المائية".

وينظر إلى انتشار «الأيزوبودا»، باعتباره جزءًا من اختلال النظام البيئي، وليس سببًا منفردًا لانهيار الثروة السمكية، مشبهًا ذلك بالعلاقة بين المفترس والفريسة؛ فعندما يتراجع عدد الأسماك التي تتغذى على يرقات الأيزوبودا، تتاح فرصة أكبر لزيادة أعدادها، ثم تنتقل إلى مرحلة التطفل على الأسماك، فتلتصق بأجسامها أو تدخل الخياشيم، ما يؤثر على صحة الأسماك ونموها وقد يؤدي في النهاية إلى نفوقها.

ويتبنى أستاذ الأحياء المائية بدلًا من ذلك فكرة التحكم البيولوجي، لإعادة بناء التوازن داخل النظام البيئي من خلال إدخال أنواع من الأسماك قادرة على التغذي على الأيزوبودا أو تكون أقل عرضة للإصابة بها، مشيرًا إلى مشروع بحثي ممول من أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، تضمن مراقبة مستويات التلوث في البحيرة بصورة شهرية، ودراسة أنواع الأسماك الموجودة ومعدلات الإصابة بالأيزوبودا ومناطق انتشارها، إلى جانب إجراء دراسات وراثية لفهم طبيعة الطفيل وأسباب تحوله وانتشاره.

ويلفت إلى أن فريق البحث أجرى تجارب معملية لاختبار استجابة أنواع مختلفة من الأسماك للأيزوبودا، وتحديد الأنواع الأكثر قدرة على التغذي عليها، والأنواع الأكثر تعرضًا للإصابة، بما يسمح بوضع خطة لإعادة تخزين البحيرة بالأسماك وفقًا لطبيعة كل منطقة، كما جرى بحث إمكانية توزيع أنواع الأسماك وكمياتها على مناطق البحيرة وفقًا للخصائص البيئية لكل منطقة، بدلًا من إلقاء الزريعة بصورة عشوائية.

ويشير أحمد إلى وجود الدياتومات، وهي طحالب مجهرية، في الجزء الغربي من البحيرة، وإمكان توظيف الغذاء الطبيعي في إعادة بناء السلسلة الغذائية واختيار الأنواع الملائمة لكل منطقة.

ويربط أحمد بين وفرة الغذاء الطبيعي في الغرب وإمكان ملاءمة بعض مناطقه للجمبري، وهو مقترح يحتاج إلى تقييم ميداني لنوع الغذاء وجودة المياه واحتياجات الأنواع المستزرعة. فلا تُختزل صلاحية المنطقة في وجود نوع واحد من الطحالب، ولا يكفي وصفها بأنها أقل تلوثًا لتحديد قدرة استيعابها من الزريعة. ويأتي هذا ضمن تصوره لتوزيع الأنواع بحسب الخصائص البيئية لكل موقع.

ويشدد على أن إعادة تأهيل بحيرة قارون يجب أن تقوم على خطة متكاملة لإعادة بناء النظام البيئي للبحيرة، والأولوية يجب أن تكون للجزء الشرقي منها، حيث تدخل مياه مصرف البطس، مشيرًا إلى أهمية استخدام الخرائط والدراسات الجيولوجية لتحديد المناطق الأكثر تلوثًا وقياس أعماق الرواسب وتحديد المساحات التي تحتاج إلى تطهير وإزالة الرواسب المتراكمة.

ويقترح كذلك إعادة النظر في توزيع بعض الأنشطة المحيطة بالبحيرة، بحيث يتم نقل الأنشطة التي يمكن أن تمثل ضغطًا على الجزء الشرقي إلى المناطق الغربية الأقل تعرضًا للتلوث، مع تطوير البنية التحتية والطرق بما يتناسب مع خطة إعادة التأهيل البيئي للبحيرة.

تتقاطع الشهادات حول أولوية واضحة: معالجة مصادر الصرف والرقابة عليها قبل الاكتفاء بتطهير المياه أو إنزال الزريعة. وتبقى متابعة جودة المياه وصحة الأسماك وإتاحة نتائجها، مع ضبط الصيد واختيار الزريعة ومراقبة الطفيليات، شروطًا لتقييم أي تعافٍ والحفاظ عليه.

ولا تكفي عودة نشاط سمكي أو انخفاض مؤشر واحد للحكم بأن البحيرة استعادت توازنها بالكامل. فاستمرار وصول الصرف والملوثات قد يبدد المكاسب المؤقتة، بينما تؤثر الملوحة والحرارة والطفيليات في قدرة الأنواع على البقاء. ولهذا تبقى السيطرة على انتقال الزريعة الملوثة، والمتابعة بعد إنزالها، والحد من الصيد غير المنظم، أجزاء من خطة التأهيل، لا إجراءات منفصلة عن معالجة المياه وحماية أرزاق الصيادين.

آية ياسر
صحافية وكاتبة وروائية مصرية حاصلة على بكالوريوس الإعلام- جامعة القاهرة.

Search