بعد نحو 29 عامًا من العمل في وظيفة حكومية، وصلت كريمة عبد الحميد (اسم مستعار) إلى سن التقاعد قبل سبعة أشهر، لتجد نفسها أمام واقع مادي ومعيشي جديد بعد أن تراجع دخلها الشهري من 7700 جنيه شهريًا إلى معاش لا يتجاوز 3100 جنيه في ظل تكاليف معيشية مرتفعة.
تقول كريمة في حديثها لـ"زاوية ثالثة"، إن إجمالي دخل الأسرة بعد إضافة معاش زوجها البالغ 1700جنيه، يبلغ 4800 جنيه شهريًا، وهو مبلغ يفترض أن يغطي احتياجات أربعة أفراد، لكنه لا يكفي أي شيء في ظل الغلاء المستمر.
تزيد الأعباء الصحية من معاناة عبد الحميد وزوجها؛ إذ تعاني من مرض السكري، وكانت تنفق مئات الجنيهات شهريًا على العلاج الذي وصفه الطبيب لها، قبل أن تضطر إلى اللجوء لبدائل التأمين الصحي، رغم محدودية فاعليتها -بحسب وصفها. في الوقت نفسه، يحتاج زوجها إلى أدوية دورية للأعصاب، ما يفرض عبئًا إضافيًا على ميزانية الأسرة.
يشمل أصحاب المعاشات في مصر أشخاصًا انتهت خدمتهم في القطاع الحكومي أو العام أو الخاص واستحقوا معاشًا تأمينيًا، إلى جانب فئات أخرى يحددها القانون. ولا تقتصر منظومة المعاشات على التقاعد وحده؛ إذ تمتد إلى حالات العجز والوفاة والمستحقين عن المؤمَّن عليهم.
ووفقًا لقانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019، يُصرف هذا المبلغ باعتباره دخلًا دوريًا للمؤمَّن عليه أو للمستحقين عنه، عند تحقق إحدى حالات الاستحقاق التي حددها القانون، وهي بلوغ سن الشيخوخة، أو العجز، أو الوفاة. ويأتي المعاش كبديل عن الدخل الذي كان يحصل عليه الفرد خلال فترة عمله، في إطار نظام الحماية الاجتماعية الذي تلتزم الدولة بتوفيره.
ويشمل هذا النظام فئات متعددة، من بينها العاملون بأجر، وأصحاب الأعمال ومن في حكمهم، مثل المشتغلين لحساب أنفسهم، وأصحاب المهن الحرة، والحرفيين، وغيرهم ممن حددهم القانون، شريطة خضوعهم للاشتراك التأميني وفق الضوابط المنظمة.
معاش لا يواكب الأوضاع المعيشية
لا يختلف الواقع المادي والمعيشي الذي تواجهه كريمة عبد الحميد كثيرًا عما يعيشه صالح عبد المولى، الذي خرج إلى المعاش بعد 36 عامًا من العمل في قطاع الضرائب العقارية. فبعد تقاعده، لم يتجاوز معاشه في بدايته 1700 جنيه، قبل أن يرتفع تدريجيًا ليصل إلى نحو 4450 جنيهًا بعد ما يقارب ست سنوات من خروجه إلى المعاش، مشيرًا إلى أن آخر زيادة حصل عليها في يوليو 2025 لم تتجاوز 400 جنيه.
ويؤكد عبد المولى أن دخله الحالي لم يعد كافيًا لتلبية أبسط احتياجاته المعيشية، رغم الزيادات السنوية التي يحصل عليها في ظل الارتفاع المستمر في الأسعار، ما يزيد من الضغوط المعيشية عليه. وينفق عبد المولى 1700 جنيه شهريًا على أدوية الأمراض المزمنة له ولزوجته، أي نحو 38.2% من معاشه، ما يلتهم جزءًا كبيرًا من دخله قبل تلبية باقي احتياجات الحياة -بحسب حديثه. ويتساءل: "لماذا لا يتم رفع قيمة المعاشات لتتساوى مع الحد الأدنى للأجور؟"
تنص المادة 35 من قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019 على زيادة المعاشات المستحقة في 30 يونيو سنويًا اعتبارًا من أول يوليو بنسبة معدل التضخم، بحد أقصى 15%، مع الضوابط التي يحددها القانون. وتستهدف هذه الآلية تحسين دخول أصحاب المعاشات في مواجهة الأعباء المعيشية.
وحصل أصحاب المعاشات على زيادة بنسبة 15% في يوليو 2025، ضمن الحزمة الاجتماعية التي شملت رفع الحد الأدنى لأجور العاملين بالدولة من 6000 إلى 7000 جنيه. أما مبلغ 400 جنيه الذي يذكره عبد المولى فهو وصفه لما تلقاه فعليًا، ولا يتطابق حسابيًا مع تطبيق 15% على الفرق بين معاشه الحالي وهذه الزيادة؛ ولم يتوافر للتقرير بيان تفصيلي بمعاشه يسمح بتفسير الفارق. ويظل يوليو الموعد السنوي المعتاد للزيادة التالية، دون أن يعني ذلك حسم قيمتها وقت إعداد التقرير في مارس 2026.
وبينما بلغ الحد الأدنى لأجور العاملين بالدولة 7000 جنيه شهريًا عام 2025، أعلنت الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي أن الحد الأدنى للمعاش لمن تنتهي خدمته اعتبارًا من يناير 2026 يبلغ 1755 جنيهًا. ولا يعني ذلك رفع جميع المعاشات القائمة تلقائيًا إلى هذا المبلغ، أو أن الحدين للأجر والمعاش يُحسبان بالطريقة نفسها. ويرى أصحاب المعاشات الذين تحدثوا إلى «زاوية ثالثة» أن الزيادات لا تكفي مع استمرار ارتفاع الأسعار وتراجع قدرتهم الشرائية وزيادة تكاليف السلع الأساسية والوقود.
وفي 10 مارس 2026 وبالتزامن مع التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، أعلنت الحكومة المصرية عن رفع أسعار الوقود في مصر للمرة الثالثة على التوالي خلال عام واحد فقط، بعد زيادات سابقة في أبريل وأكتوبر 2025، في خطوة تبررها الحكومة بمحاولة تقليل الفجوة بين الأسعار المحلية والعالمية.
تعكس سلسلة الأسعار مسارًا تصاعديًا للبنزين بأنواعه والسولار، ضمن تحركات طالت كذلك غاز السيارات والبوتاجاز ومنتجات بترولية أخرى. ويعرض الرسم التالي عشر نقاط زمنية مختارة من أبريل 2021 إلى مارس 2026، وليس حصرًا لجميع قرارات التسعير أو عشر زيادات متتالية منذ 2019. فقد ظلت أسعار بعض المنتجات ثابتة بين بعض هذه التواريخ، بينما تغيرت منتجات أخرى؛ لذا ينبغي قراءة كل سلسلة على حدة.
كما شهدت أسعار أسطوانة البوتاجاز المنزلية (12.5 كجم) في مصر 11 زيادة خلال العقد الأخير، بدأت في نوفمبر 2016 برفع السعر من 8 إلى 15 جنيهًا، ثم تضاعف في يونيو 2017 إلى 30 جنيهًا، وارتفع لاحقًا تدريجيًا حتى وصل إلى 275 جنيهًا في الزيادة الأخيرة في مارس 2026.
ربط المعاشات بالحد الأدنى للأجور
بالتزامن مع ارتفاع أسعار الوقود في مصر، شهدت أسعار السلع الأساسية زيادة تدريجية، شملت اللحوم والدواجن والخضروات. فقد ارتفع سعر اللحوم الحمراء من 65 جنيهًا عام 2012 إلى أكثر من 400 جنيه في 2025، بحسب سلسلة البيانات المرفقة التي تنسبها معدة التقرير إلى الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. وعلى ذات المنوال، ارتفعت أسعار الدواجن البيضاء من 18 جنيهًا للكيلو في ديسمبر 2012 إلى 28.5 جنيهًا في ديسمبر 2016، ثم شهدت زيادات متتابعة نتيجة ارتفاع تكاليف الأعلاف والنقل والإنتاج، مع تراجع طفيف بنهاية 2025 مع استقرار نسبي لسعر الدولار قبل أن ترتفع مجددًا خلال الربع الأول من عام 2026 مع ارتفاع أسعار الوقود في مصر. وارتفعت أسعار اللحوم والدواجن في الأسواق المحلية خلال شهر فبراير الماضي بنسبة 9% مقارنة بشهر يناير، فيما سجلت الزيادة على أساس سنوي نحو 1.5% مقارنة بنفس الشهر من العام السابق، بحسب سلسلة البيانات المرفقة التي تنسبها معدة التقرير إلى الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
كما سجل قسم الطعام والمشروبات ارتفاعًا بنسبة 3.9% خلال فبراير الماضي على أساس سنوي، مقارنة بنفس الشهر من العام السابق. وشملت الزيادات أسعار الحبوب والخبز بنسبة 0.6%. ويعرض الرسم التالي، بصورة منفصلة عن معدل التضخم الشهري أو السنوي، تطور أسعار الفول والعدس خلال الفترة من 2010 إلى 2025.
فضلًا عن ارتفاع أسعار اللحوم والدواجن 1.5%، والأسماك والمأكولات البحرية 6.4%، والزيوت والدهون 2.3%، والفواكه 2.5%، والبن والشاي والكاكاو 8.8%، والمياه المعدنية والمشروبات الغازية والعصائر الطبيعية 7.5%، في حين شهدت أسعار الألبان والجبن والبيض انخفاضًا طفيفًا بنسبة 0.2%. ولإضافة سياق عن أنماط الغذاء، يعرض الرسم التالي متوسط نصيب الفرد السنوي من استهلاك بعض الخضروات خلال 2015 إلى 2023 بالكيلوجرام، وليس أسعار الخضروات أو معدل تضخمها. ولا تسمح هذه البيانات وحدها بإرجاع تغير الاستهلاك إلى سبب واحد.
وإلى جانب الوقود والسلع الغذائية، شهدت الأدوية زيادات ملحوظة. وبحسب تقدير علي عوف، رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية، في مقابلة صحفية عام 2025، أُعيد تسعير نحو 2500 مستحضر خلال منتصف 2024 بزيادات تراوحت بين 30% و40%، بعد تغير سعر الصرف في مارس من ذلك العام. وهذا تقدير منسوب إليه عن موجة إعادة التسعير، وليس قرارًا موحدًا شمل جميع الأدوية في يوم واحد. وارتفع سعر الدولار حينها من نحو 30 إلى نحو 50 جنيهًا، أي بنحو الثلثين؛ وهي نسبة ارتفاع سعر الدولار بالجنيه، وليست النسبة نفسها لانخفاض قيمة الجنيه.
وفي 11 مارس 2026 تقدم النائب أحمد عصام بطلب إحاطة لرئيس مجلس النواب ووزيري الصحة والمالية بشأن عدم تعديل بروتوكولات العلاج على نفقة الدولة لتواكب هذه الزيادات. وأكد أن استمرار العمل بالبروتوكولات الحالية يضع المرضى غير القادرين في موقف صعب، داعيًا إلى تحديثها لتوفير الأدوية والعمليات الجراحية وتقليل الأعباء المالية، مع ضرورة تنسيق الجهات المعنية لضمان استمرارية الخدمة الصحية للمستفيدين.
ترى الباحثة في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، منى عزت، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة نون للأسرة، أن أوضاع أصحاب المعاشات في مصر باتت تتطلب مراجعة شاملة وعاجلة، مؤكدة أن ربط المعاشات بالحد الأدنى للأجور يمثل خطوة ضرورية لتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية.
وتوضح عزت في حديثها لـ"زاوية ثالثة" أن منظومة المعاشات تعكس تباينات واضحة بين القطاعات المختلفة؛ إذ يتمتع العاملون في القطاع الحكومي بمستوى أعلى من الاستقرار نتيجة الالتزام بتطبيق الحد الأدنى للأجور وتوافر مزايا إضافية، بينما يأتي القطاع الخاص في مرتبة تالية مشروطًا بانتظام سداد الاشتراكات. في المقابل، يظل القطاع غير المنظم الأكثر هشاشة، بسبب غياب الحماية التأمينية تاريخيًا وضعف معدلات الانضمام للمنظومة الحالية.
وتشير عزت إلى أن المعاشات الحالية لم تعد كافية لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ما تصفه بـ"العلاقة العكسية" بين الدخل والإنفاق؛ حيث ينخفض دخل الأسرة بعد التقاعد، بينما تتزايد التزاماتها، مدفوعة بارتفاع تكاليف السكن، والتضخم المستمر، والأعباء الصحية، إلى جانب استمرار مصاريف التعليم نتيجة تأخر سن الزواج.
وفيما يتعلق بالعمالة غير المنظمة، تؤكد الباحثة في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية أن التعامل معها لا يزال قائمًا على الإعانات المؤقتة، وليس ضمن إطار حماية اجتماعية مستدامة، رغم وجود نصوص قانونية تسمح بدمجها في نظام التأمينات. وترجع ضعف الإقبال إلى غياب الدخل المنتظم، وانخفاض الوعي التأميني، وأولوية الاحتياجات اليومية على الادخار طويل الأجل.
وترى أن معالجة الأزمة تتطلب الانتقال من الحلول المؤقتة إلى إصلاحات هيكلية، تشمل تحسين ظروف العمل، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، وتوفير منظومة تأمينية شاملة تضمن التأمين الصحي وتعويضات العجز ومعاشات الوفاة، بما يعزز ثقة المواطنين في النظام ويضمن لهم حياة كريمة بعد التقاعد.
في السياق يقول النائب فريدي البياضي، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، إن تدني القيمة الحقيقية للمعاشات في مصر لم يعد مجرد تحدٍ اقتصادي، بل يمثل إخلالًا واضحًا بالالتزامات الدستورية.
ويوضح في حديثه لـ"زاوية ثالثة " أن المادة (17) من الدستور المصري، تُلزم الدولة بكفالة خدمات التأمين الاجتماعي وضمان حياة كريمة لأصحاب المعاشات، وهو ما لا يتحقق في ظل التآكل المستمر للقدرة الشرائية. مشددًا على أنه "لا يجوز تحميل أصحاب المعاشات تكلفة الأزمات الاقتصادية"، مؤكدًا أنهم أدّوا دورهم كاملًا تجاه الدولة، ومن غير المقبول أن يصبحوا الفئة الأكثر تضررًا وعجزًا عن تلبية احتياجاتها الأساسية.
ويؤكد عضو مجلس النواب أن الحد الأدنى للمعاشات يجب ألا يقل عن الحد الأدنى للأجور، بل ينبغي أن يكون مساويًا له على الأقل، في ظل الأعباء الصحية والمعيشية المتزايدة التي يتحملها أصحاب المعاشات دون أي قدرة على زيادة دخلهم.
وينتقد استمرار تعطيل اللائحة التنفيذية لقانون حقوق كبار السن رقم 19 لسنة 2024، رغم إقراره والتصديق عليه، معتبرًا أن هذا التأخير يمثل حرمانًا لملايين المواطنين من حقوق واجبة النفاذ. داعيًا إلى تحرك عاجل يشمل؛ زيادة فورية واستثنائية للمعاشات تتناسب مع معدلات التضخم، مع وضع آلية دائمة لربطها بمؤشرات الأسعار. إلى جانب الإسراع بإصدار اللائحة التنفيذية لقانون حقوق كبار السن وتفعيل مزاياه، وإعادة هيكلة منظومة المعاشات بما يضمن حدًا أدنى عادلًا لا يقل عن الحد الأدنى للأجور وتوجيه برامج الحماية الاجتماعية بكفاءة أكبر لصالح أصحاب المعاشات محدودي الدخل.
ويختتم البياضي حديثه بأن قضية المعاشات "حق دستوري أصيل، وليست منحة"، وأن استمرار الأوضاع الحالية يمثل تقصيرًا في تنفيذ التزام الدولة تجاه فئة تستحق الرعاية والحماية.
فجوة تشريعية وعدالة غائبة
يبلغ عدد أصحاب المعاشات والمستحقين عنهم نحو 11.5 مليون شخص، وهو رقم يجمع الفئتين ولا يقتصر على من تقاعدوا بأنفسهم. وأعلنت الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي في 30 نوفمبر 2025 رفع حدود أجور الاشتراك التأميني اعتبارًا من 1 يناير 2026. ونتيجة لذلك ارتفع الحد الأدنى للمعاش لمن تنتهي خدمته من هذا التاريخ إلى 1755 جنيهًا بدلًا من 1495 جنيهًا، والحد الأقصى إلى 13360 جنيهًا بدلًا من 11600 جنيه. وترتبط هذه الحدود بقواعد الاشتراك وتسوية المعاش، وليست زيادة موحدة لجميع المستفيدين الحاليين.
ورغم تعديل الحدود وزيادة المعاشات، تستمر خلافات بشأن كفاية التمويل وإدارة أموال التأمينات. وتشمل موارد المنظومة الاشتراكات وعوائد الاستثمار وتحويلات الخزانة العامة وفق القانون. وينتقد ممثلون لأصحاب المعاشات توظيف أموال الصناديق في أدوات الدين الحكومي وتسوية المستحقات على آجال طويلة، معتبرين أن ذلك يؤثر في قيمتها الحقيقية. وفي المقابل تؤكد الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي التزام الخزانة بسداد الأقساط المقررة.
من جهتها، ترى هويدا السيد عواد، رئيسة نقابة معاشات الشركة المصرية للاتصالات، أن تجربتها الشخصية مع المعاشات تكشف بوضوح حجم الخلل في المنظومة، رغم مسيرة مهنية امتدت لنحو 37 عاماً شغلت خلالها منصب مدير إدارة الموارد البشرية، وكانت تسدد اشتراكات التأمين على الحد الأقصى.
وتوضح في حديثها لــ"زاوية ثالثة" أنها فوجئت عند التقاعد بأن أول معاش حصلت عليه لم يتجاوز 3000 جنيه، رغم موقعها الوظيفي السابق، معتبرة أن هذه القيمة لا تعكس حجم ما تم سداده طوال سنوات العمل. وتشير إلى أن الحد الأدنى المعلن للمعاشات الجديدة، البالغ 1755 جنيهًا، لا يكفي لتغطية أبسط الاحتياجات المعيشية.
وتثير عواد ملف أموال التأمينات، مؤكدة أنها «أموال مملوكة لأصحاب المعاشات»، وتنتقد ما تعتبره عوائد منخفضة مقارنة بأسعار الفائدة في السوق. كما ترى أن جدولة المستحقات على فترات طويلة تقلل قيمتها الحقيقية بمرور الوقت. وتصف وضع أصحاب المعاشات بأنه «قاسٍ»، في ظل عجز بعضهم عن تحمل تكاليف العلاج أو العمليات الجراحية، بما يضعهم أمام خيارات صعبة تمس حياتهم مباشرة. ومن المهم التمييز بين عائد استثمار أموال التأمينات ونسبة الزيادة السنوية في قسط الخزانة: الأخيرة كانت، وفق توضيح الهيئة المنشور في 2025، 6% سنويًا، وليست عائدًا موحدًا على كل استثمارات الصندوق.
وتلفت إلى أن التحديات لا تتوقف عند حدود الدخل، بل تمتد إلى التحولات الاجتماعية، مثل تأخر سن الزواج، ما يؤدي إلى خروج كثير من الموظفين للمعاش بينما لا يزال أبناؤهم في مراحل التعليم، وهو ما يضاعف الأعباء المالية في وقت يتراجع فيه الدخل.
نظم قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019 تسوية الالتزامات بين الخزانة العامة والهيئة القومية للتأمين الاجتماعي عبر أقساط سنوية، لمعالجة مستحقات تراكمت على مدى سنوات. وتعود جوانب من الخلاف إلى الترتيبات الإدارية التي أُقرت عام 2005 ونُقلت بموجبها تبعية التأمينات إلى وزارة المالية في عهد يوسف بطرس غالي، وما تلا ذلك من جدل بشأن توظيف أموال الصناديق لتمويل الخزانة. ولا يعني نقل التبعية الإدارية أن أموال التأمينات فقدت قانونًا ملكيتها الخاصة أو أصبحت إيرادًا عامًا عاديًا للدولة.
وبحسب تصريحات صحفية سابقة لرئيس النقابة العامة للعاملين بالمعاشات سعيد الصباغ، بلغت مديونية الحكومة لصناديق المعاشات نحو 642 مليار جنيه في الفترة بين 2006 و2018، نتيجة الاستدانة المتكررة من أموال هذه الصناديق لتمويل عجز الموازنة. فيما وصف رئيس اتحاد أصحاب المعاشات الأسبق البدري فرغلي، في تصريحات تاريخية سابقة لوفاته عام 2021، ما حدث بأنه "اعتداء على أصحاب المعاشات وأموالهم، وأن أصحاب المعاشات يواجهون تجويعًا ممنهجًا".
وفي إطار تسوية أزمة صناديق المعاشات، أصدر البرلمان المصري قانون التأمينات والمعاشات رقم 148 لسنة 2019، الذي وضع آلية لسداد مديونية الحكومة تجاه الصناديق. وينص القانون على أن تقوم الحكومة بسداد التزاماتها تجاه الهيئة على أقساط سنوية تمتد لمدة تصل إلى 50 عامًا، لاستعادة أموال الصناديق تدريجيًا وتحقيق استدامة مالية لمنظومة المعاشات.
وفقًا للخبراء وأصحاب التجارب الذين تحدثوا إلى التقرير فإن أزمة تدني الدخل بعد التقاعد تتقاطع مع ارتفاع تكاليف المعيشة، وأسعار الوقود والسلع الأساسية، والنفقات الصحية المتزايدة. ويرى الخبراء أن الربط بين المعاشات ومؤشرات الأسعار أصبح ضرورة عاجلة لتحقيق العدالة الاجتماعية، وضمان حياة كريمة لأصحاب المعاشات. كما يؤكد الخبراء والمختصون أن الإصلاح الهيكلي لمنظومة المعاشات، إلى جانب الإسراع بإصدار اللوائح التنفيذية للقوانين ذات الصلة، يمثل الطريق الأكثر استدامة لضمان حماية حقيقية ومستدامة للمستفيدين، بدلًا من الحلول المؤقتة التي لم تعد تكفي في ظل الضغوط الاقتصادية والمعيشية المتزايدة.
