تبدأ بعثة صندوق النقد، الأحد المقبل، محادثات المراجعة الثامنة والأخيرة لبرنامج تمويل مصر، وبحلول شهر ديسمبر المقبل، تنتهي رسميًا مدة برنامج التعاون المالي القائم مع الصندوق، والمتمثل في اتفاق «تسهيل التمويل الممدد» بقيمة 8 مليارات دولار، إلى جانب تسهيل «الصمود والاستدامة» بقيمة 1.3 مليار دولار.
يأتي هذا التخارج الإجرائي في توقيت تسعى فيه الحكومة المصرية إلى ترسيخ مرحلة جديدة من السياسات الاقتصادية، تستند إلى مبدأ الاعتماد على الرؤية الوطنية للإصلاح، ووضع حد للاعتماد المستمر على برامج الاقتراض من المؤسسات الدولية.
وقد أعلن مجلس الوزراء، خلال فعاليات «منتدى مصر 2026»، عن ملامح «البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي للفترة 2027-2030»، الذي يهدف إلى نقل الاقتصاد من مرحلة إدارة الأزمات وتثبيت الاستقرار المالي إلى مرحلة النمو القائم على الإنتاجية وتمكين القطاع الخاص.
غير أن هذا الانتقال يواجه معادلة اقتصادية مركبة؛ ففي حين تشير البيانات الرسمية إلى تحسن ملحوظ في مؤشرات السيولة الخارجية، تَمثل في صعود صافي الاحتياطيات الدولية إلى 57.35 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2026 ونمو تحويلات العاملين بالخارج، ما تزال الضغوط المالية الهيكلية قائمة بوضوح في الداخل، وتتجلى في استنزاف فوائد الدين لنحو ثلثي إلى ثلاثة أرباع إيرادات الموازنة المصرية، واستمرار معدلات التضخم عند مستويات مرتفعة تؤثر على مستويات المعيشة والنشاط الاستثماري، بحسب مراقبين تحدثوا إلى «زاوية ثالثة».
ما هو "البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي 2027-2030"؟
يأتي البرنامج كمحاولة حكومية للإجابة عن تساؤلات المستثمرين والدوائر الاقتصادية بشأن مسار السياسات العامة بعد انتهاء مظلة الرقابة المباشرة لصندوق النقد، ويمثل وفق البيانات الرسمية الصادرة عن مجلس الوزراء ووزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، إطارًا متكاملاً يمتد لأربع سنوات، مستندًا إلى مخرجات الحوار الوطني، ووثيقة سياسة ملكية الدولة، والبرنامج الوطني للإصلاحات الهيكلية.
ويتضمن حزمة من المستهدفات الرقمية الطموحة التي تسعى الحكومة للوصول إليها بحلول العام المالي 2029/2030، أبرزها، رفع وتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي تدريجيًا ليصل إلى 6.8% بحلول نهاية العقد، مقارنة بنحو 5.1% متوقعة للعام المالي الحالي، بالاعتماد على توسيع القاعدة الإنتاجية وتحفيز التصدير.
كذلك تشمل الخطة زيادة نسبة الاستثمار الكلي إلى الناتج المحلي الإجمالي من مستواها الحالي البالغ 12.7% لتصل إلى 20% بحلول 2029/2030. ويترافق ذلك مع استهداف إعادة توزيع هيكل هذه الاستثمارات عبر رفع حصة القطاع الخاص لتصل إلى 67% من إجمالي الاستثمارات المنفذة، صعودًا من نحو 57.7% حاليًا، بما يعكس توجه الدولة نحو تقليص الإنفاق الاستثماري العام لصالح المبادرات الخاصة.
وقد وضعت الحكومة خفض معدل التضخم إلى نطاق يتراوح بين 5% و7% على رأس أولوياتها، مقارنة بمستويات تتجاوز 13% حاليًا، إلى جانب تقليص عجز الحساب الجاري الخارجي من 5.1% إلى 2.3% من الناتج المحلي، وخفض معدل البطالة من 5.8% إلى نحو 5.5%.
وبالإضافة إلى ذلك، يستهدف البرنامج زيادة الإيرادات الضريبية بنقطتين مئويتين لترتفع من 13% إلى 15% من الناتج المحلي الإجمالي، مع التأكيد الرسمي على تحقيق ذلك عبر توسيع القاعدة الضريبية، وميكنة الإجراءات، ودمج الاقتصاد غير الرسمي، دون فرض أعباء أو شرائح ضريبية جديدة.
وينقسم البرنامج إلى أربعة محاور عمل رئيسية تشمل 40 مستهدفًا و185 إجراءً تنفيذيًا، بالإضافة إلى 20 إصلاحًا تشريعيًا و25 إصلاحًا مؤسسيًا، على أن تخضع هذه الإجراءات للتقييم المستمر عبر 150 مؤشر قياس أداء.
ويركز البرنامج على خمسة قطاعات وُصفت بأنها محركات النمو المستدام، وهي: الزراعة، والصناعات التحويلية، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والسياحة، والطاقة، وتوضح المؤشرات الرسمية أن هذه القطاعات ساهمت بنحو 50% من معدل النمو الحقيقي المحقق أخيرًا، وتستحوذ على قرابة 40% من الناتج المحلي الإجمالي، وتضم حوالي 40% من إجمالي القوى العاملة المشتغلة، فضلًا عن اجتذابها لتدفقات استثمارية ناهزت 3.1 مليار دولار في النصف الأول من العام المالي الماضي.
كيف يراه الخبراء؟
يعتبر الخبير الاقتصادي ورئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل بمجلس النواب، الدكتور محمد فؤاد أن المشكلة المركزية التي تواجه الحكومة لم تعد تكمن في القدرة على تصدير أهداف رقمية طموحة، وإنما في غياب آليات التنفيذ.
ويقول لـ«زاوية ثالثة»: «عندما نتحدث عن رفع الاستثمار الكلي إلى 20% من الناتج المحلي الإجمالي، وزيادة حصة القطاع الخاص إلى 67%، في وقت لا يتجاوز فيه معدل الادخار المحلي الحقيقي نحو 3%، فإن جوهر السؤال هنا لا ينبغي أن يدور حول مدى طموح هذا المستهدف، بل حول الكيفية الواقعية لتمويله، وتحديد مصادر سد فجوة الادخار والاستثمار القائمة، ومدى استدامة هذه المصادر على المدى المتوسط والبعيد».
ويتطرق رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل إلى ملف الدين العام وعلاقته بالحيز المالي للدولة، موضحًا أن: «الأمر ذاته ينسحب على إدارة المديونية؛ فاستحواذ مدفوعات الفوائد على نحو 68% من إيرادات الدولة يفرض قيودًا بالغة الشدة على كفاءة السياسة المالية وحركتها. ومع ذلك، يظل من المستحيل تقييم أو تحديد الحيز المالي المتاح للتنمية والخدمات العامة دون الوقوف على خطة تنفيذية واضحة من الحكومة لإدارة أصل الدين، وخفض كلفة خدمته، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام على نحو جذري».
وينتقد الخبير الاقتصادي تكرار الأطر النظرية للخطط الحكومية دون تقييم مخرجاتها، واصفاً ما يجري بأنه متلازمة مستمرة: «الحقيقة أننا شاهدنا هذا المشهد مرتين على الأقل خلال السنوات الأخيرة؛ الأولى مع إطلاق (رؤية مصر 2030)، والثانية مع طرح (السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية)، وفي كل محطة، نجد أنفسنا نعود إلى نقطة البداية لنناقش الأهداف ذاتها تقريبًا، وننخرط في إعادة شرح ما سبق شرحه، ثم الانتقال السريع إلى إطار نظري جديد قبل أن نكلف أنفسنا عناء قياس نتائج الإطار السابق أو إخضاعه لتقييم موضوعي».
ويضيف أن: «هذا التبارز المستمر في شرح المشروح والانتقال المتعاقب من خطة إلى أخرى دون قواعد تنفيذية واضحة أو خضوع حقيقي للمساءلة عن النتائج، تحول بمرور الوقت إلى استنزاف حقيقي للوقت والجهد، ولا يمكن اعتباره بأي حال بديلاً عن الإصلاح الاقتصادي الهيكلي الجاد».
ويقول «إن انكشاف النموذج الاقتصادي القائم لم يعد طرحًا نظريًا يقبل الجدل؛ فالتطورات الحادة التي يشهدها سعر الصرف، والدرجة المرتفعة من حساسية الاقتصاد لتحركات رؤوس الأموال الساخنة وتقلبات الظروف الخارجية، تكشف بوضوح قاطع استمرار الاختلالات الهيكلية التي كان يُفترض أن تعالجها كل تلك الخطط والبرامج المتعاقبة».
يتفق معه أستاذ الاقتصاد السياسي، الدكتور كريم العمدة، إذ يرى أن ما طُرح في شأن برنامج التحول الاقتصادي يتسم بالعمومية والتعقيد، ولا يمكن التعليق عليه أو تقييمه في المطلق؛ فالحديث عن زيادة الإنتاج الصناعي، وتعميق التصنيع المحلي، وزيادة الصادرات، ورفع معدلات النمو، وخفض نسب البطالة والتضخم، ليس جديدًا في حد ذاته، بل هي مستهدفات سبق طرحها أكثر من مرة في استراتيجيات سابقة مثل خطة مصر للتنمية المستدامة (رؤية 2030) وفي السردية الوطنية.
ويقول العمدة لـ«زاوية ثالثة»، إن التقييم الحقيقي لمدى قدرة الحكومة على تنفيذ هذا البرنامج لا يرتبط بالوقوف عند المستهدفات العامة أو العناوين العريضة للاستراتيجية، فهذا كلام عام سمعناه من قبل، وإنما يتوقف تمامًا على معرفة ماهية وتفاصيل الـ 185 إجراءً التي أعلنت الحكومة عزمها اتخاذها لتحقيق تلك الأهداف؛ فالإجراءات التنفيذية هي الأساس الذي يمكن من خلاله الحكم علميًا وموضوعيًا على إمكانية التطبيق من عدمه.
ويلفت أستاذ الاقتصاد إلى أن وضع مستهدفات لمدى زمني طويل يمتد حتى عام 2030 يثير التخوف من تكرار تجارب سابقة؛ فعلى سبيل المثال، تحدث رئيس الوزراء في عام 2021 عن الوصول لمرحلة الاكتفاء الذاتي في عام 2023، وحينها اعتبر البعض ذلك طرحًا إيجابيًا، لكن ما يحدث غالبًا هو وضع مستهدفات لمدد زمنية متباعدة، وحين نصل إلى عام 2030 يكون الجميع قد نسي ما قيل وأُعلن في نهاية عام 2026.
ويؤكد أن تقديم قراءة دقيقة وتفصيلية، لا يمكن الاكتفاء بالحديث عن الخطط في إطارها العام؛ بل نحن بحاجة إلى إعلان وتوضيح هذه الإجراءات الـ 185 بالتحديد وماهيتها، حتى يتسنى للمتخصصين تحديد ما إذا كانت هذه الإجراءات قابلة للتنفيذ على أرض الواقع أم لا».
أرقام تدعو للتفاؤل.. ولكن
ومن جانبه يرى أستاذ الاقتصاد والمالية في جامعة بورتسموث ببريطانيا، الدكتور أحمد عبود، أن المستهدفات المعلنة برفع نسبة الاستثمار إلى 20% من الناتج المحلي الإجمالي، وزيادة حصة القطاع الخاص إلى 67%، هي في جوهرها أرقام تدعو إلى التفاؤل؛ لكن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في الرغبة برفع معدل الاستثمار، بل في توفير وتأمين التمويل الذي يقود إلى ذلك، لافتًا إلى أنه عندما نقارن معدل الادخار المحلي الحالي، الذي يدور حول 3% من الناتج المحلي، بمستهدف استثماري يبلغ 20%، نجد أننا أمام فجوة تمويلية تقارب 17%.
ويقول لـ«زاوية ثالثة»، إن تحقيق هذا الهدف ليس أمرًا مستحيلاً، لكنه مشروط بتوفير موارد تمويلية واضحة؛ من خلال العمل على رفع معدلات الادخار المحلي، وجذب تدفقات واسعة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، بالإضافة إلى تقليص مزاحمة القطاع العام للقطاع الخاص في المشروعات، لإتاحة مساحة حقيقية لرفع نسبة مساهمته.
وعلى صعيد المالية العامة، يوضح عبود أن استحواذ فوائد الدين على نحو ثلثي الإيرادات الحكومية (حوالي 67%) يمثل قيدًا كبيرًا ونسبة مرتفعة تؤثر بوضوح على قدرة الاقتصاد على توفير الموارد اللازمة للأنشطة والقطاعات الأخرى، لافتًا إلى أن الدولة تتجه في الفترة الحالية إلى محاولة توسيع القواعد الضريبية وتحريك أسعار بعض الضرائب تدريجيًا لزيادة الحصيلة، بالتوازي مع تبني سياسات لخفض الاقتراض لتقليص تكلفة الفوائد، وتسريع وتيرة النمو الاقتصادي؛ إذ لا توجد عمليًا أي مساحة كافية للإنفاق التنموي دون إجراء إصلاحات حقيقية في هيكل الدين العام.
وبشأن السياسة النقدية، يقول إن أسعار الفائدة المرتفعة تظل وضعًا اضطراريًا فُرض على الاقتصاد المصري لمواجهة معدلات التضخم الحالية، وهو إجراء طبيعي يُعمل به حتى في الاقتصادات المتقدمة كأوروبا والولايات المتحدة لكبح التضخم، مشيرًا إلى أن هذه السياسة تهدف أيضًا إلى حماية استقرار سعر صرف الجنيه المصري، والحفاظ على جاذبية السوق أمام الاستثمارات الأجنبية لمنع خروجها؛ إذ إن أي خروج لتلك التدفقات سيشكل ضغطًا على الاحتياطي النقدي وعلى العملة المحلية.
ورغم هذه المكاسب، يرى أستاذ الاقتصاد أن لرفع الفائدة تكلفة ملموسة تتمثل في ارتفاع أعباء الاقتراض، وتأجيل بعض الخطط الاستثمارية، وحدوث تباطؤ في الأسواق المحلية، خاصة القطاع العقاري والصناعة، فضلاً عن تأثيره المباشر على نمط الاستهلاك الأسري.
وبحسب الأرقام المتاحة، تواجه خطة الحكومة معضلة فجوة الادخار والاستثمار؛ إذ تشير البيانات إلى أن معدل الادخار المحلي الإجمالي في مصر يقارب 3% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى متواضع لا يكفي بمفرده لتمويل قفزة استثمارية تصل إلى 20% دون الاعتماد على مدخرات أجنبية، سواء في صورة قروض أو تدفقات استثمارية مباشرة.
بالإضافة إلى ذلك، يرتبط رهان رفع حصة القطاع الخاص إلى 67% بمدى قدرة الدولة على التطبيق الفعلي لقواعد الحياد التنافسي وتنفيذ وثيقة سياسة ملكية الدولة دون انتقائية، فالقطاع الخاص ما زال يطالب بضمانات حقيقية تتعلق باستقرار السياسات الضريبية والجمركية، وتيسير تخصيص الأراضي الصناعية، وإنهاء الامتيازات التفضيلية الممنوحة لبعض الشركات والجهات العامة، فضلًا عن تخفيف الأعباء البيروقراطية.
وتثير مسألة توسيع القاعدة الضريبية تساؤلات عملية حول آليات التنفيذ؛ إذ إن دمج الاقتصاد الموازي يتطلب حوافز حقيقية تفوق تكلفة الالتزام الرسمي، في حين أن محاولات تحصيل المزيد من الموارد في ظل ضغوط التضخم وتراجع القوة الشرائية قد تؤدي عمليًا إلى زيادة العبء على الممولين الملتزمين أصلًا.
كذلك يمثل تراكم المديونية العامة والتكلفة العالية لخدمتها التحدي الأكبر الذي يقيد قدرة المالية العامة على المناورة وتنفيذ خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وقد كشفت التصريحات الرسمية لرئيس الوزراء مصطفى مدبولي بوضوح عن حجم هذا العبء؛ إذ أوضح أن مدفوعات فوائد الدين تستحوذ حاليًا على ما بين 67% إلى 68% من مجمل إيرادات الدولة، واصفًا هذا الارتفاع بأنه المشكلة الأساسية التي تواجه استدامة الاستقرار المالي، إذ تصل مخصصات خدمة الدين الإجمالية (أقساط وفوائد) في موازنة العام المالي الحالي إلى نحو 2.3 تريليون جنيه.
مصر وصندوق النقد الدولي.. ماذا بعد انتهاء القرض؟
في سياق متصل، تتجه الأنظار مع اقتراب شهر ديسمبر نحو صياغة العلاقة المستقبلية بين مصر وصندوق النقد الدولي، بعد سنوات من التعاون التمويلي المكثف الذي بدأ في أواخر عام 2016 وتجدد عبر برامج متعددة كان آخرها اتفاق التسهيل الممدد المعدل في مارس 2024.
تؤكد البيانات الرسمية، المدعومة بتصريحات متطابقة من كبار المسؤولين الحكوميين، أن مصر لا تجري مفاوضات حاليًا للحصول على تسهيل ائتماني أو قرض جديد من الصندوق، وتشير تصريحات رئيس الوزراء إلى أن الاقتصاد المصري لا يتطلب في مرحلته المقبلة تمويلاً جديدًا من الصندوق، وأن التوجه يميل بقوة للاعتماد على البرنامج الوطني المستقل وتأمين الاحتياجات الدولارية من روافد أخرى.
وبلغ إجمالي ما صرفته مصر ضمن البرنامج الحالي نحو 7.3 مليار دولار بعد المراجعة السابعة التي أُقرت في يوليو الماضي بصرف 1.8 مليار دولار (شملت 1.5 مليار من التسهيل الممدد ونحو 273 مليون دولار من صندوق الصمود والاستدامة)، فيما تتبقى شريحة أخيرة بنحو 1.7 مليار دولار مرتبطة بإتمام المراجعة النهائية.
في المقابل، صرح جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد، بأن الصندوق يركز أولًا على استكمال المراجعة النهائية للبرنامج الحالي، موضحاً أن المؤسسة تظل مستعدة لمناقشة خطط الحكومة المصرية وأولوياتها، ودراسة أي طلب مستقبلي لبرنامج جديد إذا ما رغبت السلطات في ذلك، مشيرًا إلى أن القرار النهائي يظل بيد الجانب المصري.
ويؤكد الدكتور أحمد عبود أن تحرر الاقتصاد من برنامج صندوق النقد الدولي وإنهاء الاتفاق الحالي في ديسمبر يُعد أمرًا جيدًا وخطوة إيجابية تدعم الاستقلال التمويلي؛ فالتخارج من البرنامج يعني بطبيعة الحال خفض وتيرة الاقتراض الخارجي بشكل عام، وتفادي الاعتماد المستمر على أموال الصندوق، طالما لم تشر الحكومة إلى أي نية لطلب برنامج تمويلي جديد.
ومن جانبه يحذر محمد فؤاد من الخلط بين تنويع الدائنين وتحقيق السيادة الاقتصادية، مؤكداً: «إن الحصول على تمويلات خارجية من جهات بديلة لا يعني بالضرورة حيازة استقلال اقتصادي أكبر، كما أن إسدال الستار رسميًا على برنامج صندوق النقد الدولي لا يعني بالمطلق إسقاط الالتزامات والتعهدات المرتبطة به، مؤكدًا أن المعيار الحقيقي والوحيد للتعافي يكمن في قدرة الهيكل الإنتاجي للاقتصاد على توليد تدفقات دولارية ذاتية ومستدامة، وتقليص الفجوة التمويلية، وليس مجرد استبدال مقرض بآخر».
خريطة التمويل الخارجي البديل.. إدارة الاحتياجات الدولارية
مع التوجه نحو التوقف عن الاقتراض من صندوق النقد، تطرح التساؤلات نفسها حول كيفية تغطية مصر لاحتياجاتها التمويلية الخارجية وسداد التزامات خدمة الدين. وتشير وثائق المؤسسات الدولية إلى أن مصر أعلنت أن متطلباتها التمويلية الخارجية للوصول لمستهدفات الاحتياطي الأجنبي تبلغ نحو 12.9 مليار دولار في العام المالي 2025/2026، وتنخفض إلى نحو 5 مليارات دولار في 2026/2027.
لتلبية هذه الاحتياجات، تعتمد الاستراتيجية المصرية على ثلاثة مسارات تمويلية بديلة، أولًا؛ مسار الشراكة الاستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي، إذ يمثل الدعم الأوروبي إحدى أهم ركائز السيولة الخارجية للفترة الممتدة حتى 2027، وذلك في إطار حزمة التمويل الشاملة البالغة 7.4 مليار يورو.
وتتوزع هذه الحزمة بين 5 مليارات يورو في شكل قروض ميسرة لدعم الاستقرار المالي والموازنة، و1.8 مليار يورو كاستثمارات إضافية في مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والصناعة، و600 مليون يورو في صورة منح لا تُرد، منها نحو 200 مليون يورو مخصصة لبرامج إدارة الهجرة ومكافحة تدفقاتها غير النظامية.
وقد حصلت مصر بموجب هذه الشراكة على دفعات منتظمة شملت مليار يورو في أواخر 2024، ومليار يورو في يناير 2026، ونحو 1.5 مليار يورو في يوليو 2026، ما ساهم في تعزيز السيولة الرسمية بالنقد الأجنبي.
وبالإضافة إلى ذلك، تتحرك مصر لتأمين التزامات تمويلية ثابتة من مؤسسات التنمية الإقليمية والدولية؛ إذ وافق البنك الدولي في مايو 2026 على حزمة تمويلية بقيمة مليار دولار ضمن برنامج «GROWTH II» الموجه لتعزيز دور القطاع الخاص، ودعم الاستدامة المالية، والتحول الأخضر.
وتتضمن هذه الحزمة ضمانة ائتمانية دولية بقيمة 200 مليون دولار مقدمة من بريطانيا، مع استقطاب تمويل موازٍ من البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية (AIIB)، وتهدف هذه الأدوات إلى استبدال القروض التجارية قصيرة الأجل بقروض تنموية منخفضة الفائدة وطويلة الأجل تخفف الضغط على جدول السداد.
كذلك، تشكل الاستثمارات الخليجية المباشرة بديلًا استراتيجيًا لسياسة الديون؛ إذ انتقلت العلاقة الاقتصادية بين مصر والدول الخليجية من نموذج "الودائع المصرفية" إلى نموذج "الاستثمار في الأصول والمشروعات الكبرى".
الاقتصاد بين المؤشرات الكلية وضغوط الشارع
يرى أستاذ الاقتصاد والمالية بجامعة بورتسموث ببريطانيا، الدكتور أحمد عبود، أن مسار الاقتصاد المصري حتى منتصف عام 2027 يظل رهنًا بثلاثية الاستقرار السياسي، ومآلات الوضع الإقليمي، وحجم تدفقات رؤوس الأموال الخارجية.
ويضع عبود المشهد الاقتصادي أمام سيناريوهين رئيسيين: الأول يقوم على نجاح الدولة في استقطاب تدفقات استثمارية وتمويلية كافية تعزز السيولة الدولارية والاحتياطيات؛ بما ينعكس إيجابًا على تحقيق نمو تدريجي، وهبوط مطرد في معدلات التضخم، ودعم كفاءة السياسة النقدية.
أما السيناريو الثاني فيفترض تعرض الاقتصاد لصدمات خارجية، كارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، واستمرار تراجع عوائد قناة السويس، وتباطؤ الاستثمار الأجنبي المباشر بفعل التوترات الجيوسياسية، وهو مسار من شأنه أن يفاقم الضغوط على العملة ومعدلات النمو، ما قد يضطر الدولة مجدداً لترتيب حزم تمويلية جديدة، سواء عبر صندوق النقد الدولي أو من مسارات بديلة.
وتعكس مؤشرات الربع الأخير من عام 2026 دقة هذه الرؤية القائمة على ازدواجية الأداء؛ إذ يظهر الاقتصاد تماسكًا خارجيًا في مواجهة ضغوط معيشية ومالية داخلية مستمرة، وقد وصل صافي الاحتياطيات الدولية إلى مستوى قياسي بلغ 57.35 مليار دولار بنهاية سبتمبر (بنمو سنوي 15.8% يغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات)، متزامنًا مع تعافي تحويلات المغتربين لتسجل 33.9 مليار دولار في ثمانية أشهر، في المقابل، لا تزال الضغوط الداخلية متصلبة؛ فرغم تراجع التضخم السنوي للمدن إلى 13.9% والأساسي إلى 14.1% في سبتمبر.
ومع اقتراب انتهاء برنامج التمويل الحالي مع صندوق النقد الدولي، تقف مصر أمام اختبار يتجاوز مجرد وقف الاقتراض من المؤسسة الدولية أو تنويع مصادر التمويل الخارجي. فالتحدي الحقيقي يتمثل في قدرة الاقتصاد على الانتقال من الاعتماد على القروض والتدفقات المالية الخارجية إلى نموذج أكثر استدامة، يقوم على الإنتاج والتصدير والاستثمار الخاص، ويوفر موارد دولارية قادرة على تغطية الاحتياجات التمويلية المتزايدة دون إعادة إنتاج أزمة المديونية.
وتكشف آراء الخبراء أن البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي، رغم ما يتضمنه من مستهدفات طموحة، لن يكتسب مصداقيته بمجرد إعلان الأرقام أو تحديد جداول زمنية تمتد حتى عام 2030، وإنما بمدى وضوح إجراءاته التنفيذية، وقدرة الحكومة على معالجة الاختلالات الهيكلية، وخفض تكلفة الدين، وإتاحة مساحة أوسع للقطاع الخاص، فضلًا عن إخضاع النتائج الفعلية للتقييم والمساءلة.
