وزارة التموين لا تدير بطاقات الدعم الغذائي.. الإنتاج الحربي يفعل

مواطنون سددوا غرامات سرقة التيار الكهربائي وأتموا التصالح القضائي ومع ذلك تظل بطاقاتهم التموينية موقوفة، في ظل منظومة إلكترونية تديرها وزارة الإنتاج الحربي لا التموين، وشكاوى بلغت الملايين بعد تحرير 3.4 مليون محضر كهرباء، وباب تظلمات فُتح في 14 يونيو دون إجابة على السؤال الأساسي: من يملك تصحيح البيانات؟
Picture of زاوية ثالثة

زاوية ثالثة

مطلع أبريل الماضي، توجّه محمود أحمد، المقيم بمدينة شربين في محافظة الدقهلية، إلى أحد منافذ صرف السلع التموينية للحصول على مقررات أسرته، إلا أن التاجر أبلغه بإيقاف البطاقة التموينية، وعند استعلامه عبر منصة “مصر الرقمية”، فوجئ بأن الدعم أُوقف مؤقتًا بسبب محضر متعلق بسرقة التيار الكهربائي، مع الإشارة إلى إحالة الواقعة إلى القضاء لحين الفصل فيها.

وتعود الأزمة إلى سبتمبر الماضي، عندما توجه “محمود” إلى فرع شركة شمال الدلتا لتوزيع الكهرباء، بطلب تركيب عداد كهرباء لشقة يمتلكها ضمن عقار مرخص في منطقة تُصنّف عشوائية، وبحسب روايته، أبلغه موظفو الشركة بأن تركيب عداد قانوني تقليدي غير متاح في حالته، وأن الخيار الوحيد هو تركيب عداد كودي مسبق الدفع، وهو النظام المخصص للمباني المخالفة أو الواقعة في المناطق العشوائية لضمان محاسبة المستهلك على استهلاكه الفعلي بدلًا من نظام “الممارسة”.

ويقول “محمود” إن الموظفين أخبروه كذلك بضرورة تحرير محضر سرقة تيار كهربائي باعتباره إجراءً روتينيًا لاستكمال إجراءات تقنين الوضع وتركيب العداد الكودي.،وبناءً على ذلك، سدد غرامة مالية قدرها 2672 جنيهًا بموجب إيصال رسمي مقابل ما وصفته المستندات بـ”ضبطية قضائية للاستيلاء غير المستهلك”، وفي 19 مارس جرى تركيب العداد الكودي بالشقة بصورة رسمية.

غير أن المفاجأة جاءت بعد أقل من شهر على تركيب العداد، إذ فوجئ بإيقاف الدعم التمويني المخصص له ولثلاثة من أفراد أسرته المقيدين على البطاقة التموينية، رغم سداد الغرامة وإنهاء إجراءات التقنين، ويأتي ذلك على خلاف ما سبق أن أكده مسؤولون في وزارتي الكهرباء والتموين في تصريحات إعلامية، من عدم وجود علاقة بين تركيب العدادات الكودية واستحقاق الدعم التمويني.

ورغم تقديمه مستندات رسمية صادرة عن شركة الكهرباء، اطلعت عليها “زاوية ثالثة”، تثبت سداد الغرامة وتركيب العداد الكودي، فإن مكتب التموين أبلغه بتوقف استقبال التظلمات، ولم يجد أمامه سوى التقدم بشكويين رسميتين إلى منظومة الشكاوى الحكومية الموحدة التابعة لمجلس الوزراء، إلا أنه لم يتلقَّ حتى الآن ردًا يحسم موقفه، وفق ما أكده لـ”زاوية ثالثة”.

 

نموذج بيانات عداد كودي مؤقت (يمين). إيصال سداد ضبطية قضائية للاستيلاء غير مستهلك (يسار)

 

وتأتي حالة محمود ضمن شكاوى متزايدة خلال الأسابيع الأخيرة لمواطنين فوجئوا بإيقاف بطاقاتهم التموينية، سواء الفردية أو العائلية، عند صرف الخبز والسلع المدعمة، وعند استعلامهم عن أسباب الإيقاف عبر المنصات الإلكترونية الرسمية، تبين أن القرار استند إلى مخالفات أو محاضر قديمة تتعلق بسرقة التيار الكهربائي، رغم إتمام إجراءات التصالح وسداد الغرامات المقررة.

ومنذ أغسطس 2024، تطبق الحكومة المصرية قرارًا بوقف الدعم عن المواطنين حال ثبوت سرقتهم للتيار الكهربائي، في إجراء تقول إنه يهدف لمواجهة الظاهرة التي تصفها بـ”المتفاقمة”، فيما تواجه القرارات انتقادات واسعة بسبب تحول الدعم الحكومي إلى وسيلة عقابية.

وتستعد الحكومة المصرية، في الوقت الراهن للتحول من نظام الدعم السلعي والخبز المدعم (العيني) إلى نظام “الدعم النقدي المشروط” بدءاً من العام المالي الجديد (يوليو 2026)، ومن المتوقع أن يُصرف الدعم عبر كارت ذكي بقيمة تتراوح بين 300 إلى 325 جنيهاً للفرد شهريًا، بدلًا من السلع التموينية المباشرة. 

شكاوى دون رد!

قبيل صدور قانون التصالح في بعض مخالفات البناء وتقنين أوضاعها بالقانون رقم 187 لسنة 2023، كانت الشركة القابضة للكهرباء تحاسب أصحاب العقارات المخالفة لتصاريح البناء، عبر نظام الممارسة، وهي قيمة تقديرية يتم احتسابها عبر تحرير محاضر متكررة لسرقة التيار الكهربائي يتم تحريرها من شرطة الكهرباء أو مفتش الشركة للمنشآت التي لا تملك عداد قانوني.

وفي أغسطس 2024، أصدر الدكتور محمود عصمت، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، قرارًا بتركيب العدادات الكودية المؤقتة مسبقة الدفع لجميع العقارات والمنشآت دون استثناء، وذلك لقياس استهلاك الكهرباء الذي يتم الحصول عليها بشكل غير قانوني.

القرار دفع ياسر مبروك، الذي يمتلك متجرًا صغيرًا داخل عقار مخالف في محافظة البحيرة، إلى محاولة تقنين أوضاعه، فتوجه إلى شركة كهرباء البحيرة بطلب التقديم على عداد كودي تجاري لمتجره، وكإجراء روتيني، حرر قطاع الشؤون التجارية بالشركة، محضر ضبطية قضائية لاستيلاء مستهلك (أحمال خارج العداد)،  في شهر مارس 2025،  ضد ياسر والذي قام بسداد الغرامة المالية البالغة قيمتها 4864 جنيه.

 وفي أبريل العام الماضي، تم التصالح لدى نيابة شبراخيت بعد تقديم المستندات وباتالي انقضاء الدعوى القضائية، وإثر ذلك تم تركيب عداد كودي تجاري لمتجره، في مطلع شهر يونيو 2025، ورغم ذلك، توقفت بطاقة التموين الخاصة بأسرته التي تضم خمسة أفراد، في مطلع مايو الماضي، وعجز عن صرف الخبز المدعم والسلع التموينية، وفي مكتب التموين أُبلغ بأن سبب الإيقاف هو وجود محضر سرقة تيار كهربائي محرر ضده.

إثر ذلك قام بتقديم شكوتين رسميتين عبر منظومة الشكاوى الحكومية الموحدة التابعة لمجلس الوزراء، حملتا الرقمين (12323227 و 12268381). وبحسب الرد الوارد من وزارة التموين، فإن سبب استبعاده يعود إلى اتهام من شركة الكهرباء بسرقة التيار الكهربائي. ويؤكد لـ”زاوية ثالثة” أنه عندما تقدم بشكوى ثانية، حولها النظام الإلكتروني تلقائيًا إلى وزارة التموين، دون أن يتيح له تقديم تظلم أو شكوى مباشرة إلى وزارة الكهرباء للطعن على الاتهام أو مراجعته. 

شهادة إتمام التصالح لدى نيابة شبراخيت (يمين) إيصال سداد ضبطية قضائية لاستيلاء مستهلك (يسار)

 

أما مي مصطفى، المقيمة بالعريش في محافظة شمال سيناء، ففوجئت باتهام مباحث الكهرباء لها في مايو العام الماضي، بالتلاعب في عداد الكهرباء القديم الخاص بشقتها السكنية، عبر التسبب عمدًا في خلل تقني، وحررت لها محضر سرقة تيار كهربائي وسددت رسوم الغرامة، ليتم التصالح وإزالة العداد القديم واستبداله بعداد ذكي مسبق الدفع، في يونيو الماضي.

لكن بعد مرور عام على الواقعة فوجئت بحرمانها هي وأربعة من أفراد أسرتها من صرف السلع التموينية وشراء الخبز المدعم، بعد وقف بطاقة التموين الخاصة بهم، وعندما توجهت إلى مديرية التموين للشكوى والتقدم بتظلم، أخبرها الموظفون أن البطاقة ستعود للعمل بعد شهر.

تقول لـ”زاوية ثالثة”: “حاولت صرف التموين في أول شهر يونيو الجاري لكن وجدت البطاقة التموينية لا تزال موقوفة، وعندما قصدت المديرية، قال لي الموظفون إن الأمر بيد الإنتاج الحربي، ولا شيء بأيديهم ليفعلوه لي!”.

أما غادة الشناوي، المقيمة في محافظة الغربية، والتي توقفت بطاقة التموين الخاصة بأسرتها منذ مطلع مايو الماضي، على خلفية وجود بناء مخالف باسمها واستخدامها لنظام الـ”ممارسة”، أدى إلى تحرير محضر سرقة تيار كهربائي ضدها العام الماضي، كانت قد سددت الغرامة المالية المقررة وتقدمت بمصالحة، وتم تركيب عداد كهرباء كودي باسمها.

وعندما قصدت مديرية التموين في طنطا للشكوى، ومعها المستندات التي تثبت حدوث المصالحة مع شركة الكهرباء وانقضاء الدعوى، أبلغها الموظفون بأن باب التظلمات مغلق، بحسب ما تقول لـ”زاوية ثالثة”.

وكان رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، قد أعلن في 2024، أن عدد حالات سرقة الكهرباء في مصر يصل إلى الملايين سنويًا، أن الحكومة ستجمد الدعم التمويني والدعم المخصص للأسمدة المقدم للمواطنين الذين تُحرر ضدهم محاضر سرقة الكهرباء، بشكل مؤقت حتى يتم الفصل القضائي في تلك القضايا.

إثر ذلك أعدت شركات الكهرباء قوائم بأسماء المواطنين الذين تم تحرير محاضر سرقة التيار الكهربائي ضدهم، لتقديمها إلى وزارة التموين، وتضمنت المرحلة الأولى من الحصر، وحدها 500 ألف مواطن، وفي 2025 كشفت وزارة الكهرباء عن تحرير نحو 3.4 مليون محضر، من بينها 1.9 مليون محضر تم تحريرها في فترة 6 أشهر فقط.

ولا توجد إحصائية رسمية تظهر أعداد بطاقات التموين الموقوفة على خلفية مخالفات الكهرباء، من أصل 67 مليون بطاقة يستفيد منها أكثر من 70 مليون مواطن للحصول على الخبز المدعم والسلع التموينية الأساسية، ويحصل المستفيدون من منظومة الدعم التمويني على 50 جنيهًا للفرد المقيد على البطاقة التموينية حتى أربعة أفراد، بينما يتم صرف 25 جنيهًا للفرد الخامس وما يليه.

 

نوصي للقراءة: بعد الأراضي والقمح والأسماك.. جهاز مستقبل مصر يتولى 40 ألف منفذ تمويني

كلمة السر الإنتاج الحربي 

كشف خطاب دوري، بتاريخ 13 مايو الماضي، حصلت “زاوية ثالثة” على نسخة منه، موجه من مساعد وزير التموين للخدمات الرقمية، الدكتور محمد عادل شتا، إلى مديريات التموين بالمحافظات بشأن آلية بطاقات التموين الخاصة بالمواطنين المتضررين من قرارات الإيقاف المرتبطة بمخالفات سرقة التيار الكهربائي، أن الوزارة تلقت عددًا متزايدًا من شكاوى المواطنين الذين تم إيقاف بطاقاتهم التموينية على خلفية ثبوت ارتكاب مخالفات تتعلق بسرقة التيار الكهربائي أو توصيل الكهرباء لمبانٍ عشوائية.

وبحسب الخطاب، تم إيقاف البطاقات التموينية للمواطنين الذين يثبت ارتكابهم مخالفات سرقة التيار الكهربائي استنادًا إلى البيانات الواردة من وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة، كما نص على إعادة تشغيل البطاقة التموينية في حال قيام المواطن بتركيب عداد كودي لمحاسبة استهلاكه من الكهرباء، وذلك وفقًا للبيانات التي ترد من وزارة الكهرباء.

وأشار الخطاب إلى أن مديريات التموين تتولى، تنفيذًا لتوجيهات وزير التموين، استلام المستندات المقدمة من المتظلمين ومراجعتها، ثم مخاطبة وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة للتأكد من صحة البيانات الواردة بشأنهم، وبعد التحقق من استيفاء الشروط المطلوبة، تتخذ الوزارة الإجراءات اللازمة لإعادة تشغيل البطاقات التموينية للمواطنين الذين يثبت أحقيتهم في ذلك.

 

حصلت زاوية ثالثة على خطاب بتاريخ 13 مايو الماضي موجه من مساعد وزير التموين للخدمات الرقمية محمد عادل شتا إلى مديريات التموين بالمحافظات، يكشف أن إيقاف البطاقات يستند إلى بيانات واردة من وزارة الكهرباء، وأن إعادة التشغيل مشروطة بتركيب عداد كودي “وفقًا للبيانات التي ترد من وزارة الكهرباء”

في السياق ذاته يؤكد مصدر مسؤول بوزارة الكهرباء لـ”زاوية ثالثة”، أن أزمة وقف بطاقات التموين لبعض المواطنين على خلفية مخالفات الكهرباء، رغم إتمامهم إجراءات التصالح أو تسوية أوضاعهم، تخضع حاليًا للمراجعة على مستوى الجهات الحكومية المعنية، متوقعًا التوصل إلى آلية لمعالجة هذه الحالات خلال الفترة المقبلة عبر مكاتب التموين.

ويوضح المصدر أن المشكلة تعود في الأساس إلى آليات الربط الإلكتروني بين قواعد بيانات الجهات المختلفة، إذ يتم تسجيل بعض المواطنين على المنظومة بمجرد رصد مخالفة أو وجود مشكلة مرتبطة بالكهرباء، ثم تُنقل البيانات إلى الجهات المعنية بإدارة الدعم، لكن بعض الحالات تستمر بياناتها على النظام الإلكتروني حتى بعد إنهاء المخالفة أو التصالح بشأنها، ما يؤدي إلى استمرار آثار الإجراء رغم تسوية الموقف القانوني.

ويشير إلى أن الشكاوى المتعلقة بهذا الملف تزايدت خلال الفترة الأخيرة، وتم عرضها على الجهات المختصة ومناقشتها على مستويات حكومية مختلفة، في ضوء ما تسببه من مشكلات للمواطنين الذين أنهوا بالفعل إجراءات التصالح أو سداد المستحقات المطلوبة.

ويشرح أن معالجة الأزمة لن تكون مسؤولية وزارة الكهرباء أو وزارة التموين بشكل منفرد، نظرًا لارتباطها بمنظومة إلكترونية مشتركة وآليات تبادل بيانات بين أكثر من جهة حكومية، موضحًا أن الحل المنتظر سيصدر من خلال قرار أو توجيه حكومي على مستوى أعلى لضمان تسوية أوضاع المتضررين وتحديث البيانات بما يعكس مواقفهم القانونية الحالية.

وفي المقابل يوضح مصدرمطلع بوزارة التموين لـ”زاوية ثالثة” أن قرارات وقف البطاقات التموينية المرتبطة بمخالفات الكهرباء تستند إلى كشوف واردة من الجهات المختصة بمخالفات الكهرباء، موضحًا أن الوزارة لا تتلقى هذه البيانات مباشرة من وزارة الكهرباء، وإنما من خلال آليات تنسيق تشمل جهات أخرى معنية بمتابعة المخالفات.

ويلفت إلى أن غالبية الحالات التي جرى إيقاف بطاقاتها تتعلق بمخالفات سبق تسجيلها، سواء كانت مرتبطة بنظام الممارسة أو بمحاضر خاصة باستخدام الكهرباء، مشيرًا إلى أن بعض المواطنين يكونون قد سددوا المستحقات أو أتموا إجراءات التصالح لاحقًا، إلا أن بيانات الإيقاف تكون قد أُدرجت بالفعل ضمن قواعد البيانات المستخدمة في مراجعة المستفيدين من الدعم.

ويكشف المسؤول أن وزارة التموين ليست الجهة التي تدير المنظومة الإلكترونية الخاصة بالبطاقات التموينية بشكل مباشر، وإنما تتم إدارة النظام الإلكتروني من خلال مركز معلومات تابع لوزارة الإنتاج الحربي، والذي يتولى تشغيل وإدارة قواعد البيانات الخاصة بمنظومة التموين.

وتم توقيع عقد اتفاق بين مركز نظم المعلومات والحواسب التابع لوزارة الإنتاج الحربي و هيئة السلع التموينية التابعة لوزارة التموين، في نوفمبر 2017؛ ليتولى المركز إدارة والإشراف على تشغيل منظومة الخبز والسلع التموينية بإستخدام بطاقة الأسرة الذكية.

وتولى مركز نظم المعلومات والحواسب التابع لـ وزارة الإنتاج الحربي عددًا من المشروعات القومية، أبرزها ميكنة وتطوير بطاقات التموين، وبناء البنية الرقمية لربط منظومة التأمين الصحي الشامل، ودعم وتحديث قواعد بيانات منظومة الحيازة الزراعية (كارت الفلاح الذكي)، بجانب منظومة تتبع الأدوية، وتوريد، تركيب، وإصلاح شبكات الاتصال وأنظمة المراقبة. 

فيما يشدد المسؤول بوزارة التموين،  الذي رفض ذكر اسمه، على أن إجراءات الإيقاف لم تصدر من الوزارة بشكل منفرد، وإنما جاءت بناءً على بيانات ومعلومات وردت من الجهات المختصة بمخالفات الكهرباء، وتم التعامل معها داخل المنظومة الإلكترونية المعنية بإدارة الدعم.

وفيما يتعلق بالحالات التي تؤكد عدم وجود محاضر أو مخالفات مسجلة ضدها، أو التي حصلت على إفادات رسمية تفيد بسداد المستحقات أو إتمام التصالح، يؤكد المسؤول أن الوزارة تعمل حاليًا على وضع آلية رسمية للتظلمات تتيح للمواطنين مراجعة أوضاعهم وتصحيح البيانات حال وجود أخطاء أو تغير في الموقف القانوني للمخالفة.

يقول: “الوزارة تعكف على إعداد هذه الآلية بالتنسيق مع الجهات المعنية، في ضوء الشكاوى المتكررة من المواطنين وصعوبة تحديد الجهة المختصة بالتعامل مع هذه الحالات، والإعلان عن إجراءات التظلم وآليات تقديم الطلبات من المتوقع أن يتم خلال أيام”.

ويضيف أن الهدف من الآلية الجديدة هو تسهيل الإجراءات أمام المواطنين وتقليل الوقت والجهد اللازمين لإثبات الموقف القانوني للحالات التي سوت أوضاعها أو ترى أنها أُدرجت ضمن قوائم الإيقاف عن طريق الخطأ، بما يضمن سرعة فحص التظلمات واتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنها.

ومن المقرر أن تفتح وزارة التموين باب التظلمات على وقف الدعم التمويني، في 14 يونيو المقبل، بحسب منشور دوري لمديرية التموين والتجارة الداخلية بمحافظة الجيزة. 

منشور دوري لمديرية التموين والتجارة الداخلية بمحافظة الجيزة

 

نوصي للقراءة: تخوفات من إلغاء الدعم العيني.. ما الذي ينتظر الأسر الفقيرة في مصر؟

أصداء الشكاوى تصل للبرلمان

دفعت الأزمة عددًا من نواب البرلمان للتحرك بشأنها، إذ تقدم النائب بسام الصواف، في 7 مايو الماضي، بطلب إحاطة بشأن إشكالية وقف بطاقات التموين للمواطنين على خلفية مخالفات الكهرباء وتعقيدات استعادتها بعد التصالح.

وذكر النائب أن شركات توزيع الكهرباء قامت بإخطار الجهات المعنية بوزارة التموين بوجود مخالفات على بعض المواطنين تحت مسمى “ممارسة الكهرباء” أو “سرقة التيار”، الأمر الذي يترتب عليه وقف بطاقات التموين الخاصة بهؤلاء المواطنين بشكل مفاجئ، دون إخطار مسبق واضح أو إتاحة فرصة كافية لتوفيق أوضاعهم.

وأضاف أن تطبيق هذا الإجراء، الذي يستهدف بالأساس ضبط منظومة استهلاك الكهرباء، ترتب عليه أضرار اجتماعية جسيمة، تمثلت في حرمان أسر كاملة من الدعم التمويني الذي يمثل في كثير من الحالات مصدراً أساسياً للغذاء، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.

 وفي 14 مايو، تقدم النائب أحمد فرغلي بطلب إحاطة إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير الكهرباء بشأن تطبيق نظام المحاسبة الموحدة على العدادات الكودية، ورفع سعر الكيلووات/ساعة إلى 2.74 جنيه مع إلغاء نظام الشرائح، إلى جانب احتساب فروق مالية بأثر رجعي على عدادات قائمة منذ سنوات، ما مثل عبئًا إضافيًا على المواطنين، خاصة محدودي ومتوسطي الدخل، في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة.

وانتقد النائب إيقاف بعض البطاقات التموينية استنادًا إلى بيانات من وزارة الكهرباء تخص المشتركين بنظام الممارسة، مؤكدًا أن ذلك انعكس على استحقاق الدعم التمويني لبعض الأسر في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.

في ذات السياق يرى النائب البرلماني الدكتور فريدي البياضي أن استبعاد المواطنين من منظومة الدعم التمويني بسبب مخالفات مرتبطة بالكهرباء يثير تساؤلات قانونية واجتماعية مهمة، مشيرًا إلى أن الحرمان من الدعم يمثل في جوهره عقوبة تستوجب وجود نص قانوني واضح يحدد الحالات التي يجوز فيها اتخاذ مثل هذا الإجراء. ويؤكد أنه لا يعلم بوجود نص تشريعي يجيز رفع الدعم التمويني عن المواطنين على خلفية هذه المخالفات.

ويشير “البياضي” إلى أن ملف الكهرباء والعدادات يرتبط في كثير من الحالات بتعقيدات إجراءات التصالح في مخالفات البناء، موضحًا أن أعدادًا كبيرة من المواطنين يسعون إلى تقنين أوضاعهم، لكنهم يواجهون عقبات بيروقراطية وتعقيدات ناتجة عن اللائحة التنفيذية لقانون التصالح والإجراءات المرتبطة به، ما يجعل من غير المنصف التعامل مع جميع الحالات باعتبارها مخالفات متعمدة أو ناتجة عن سوء نية.

يقول لـ “زاوية ثالثة”: “أي منظومة إدارية قد تشهد أخطاء في التطبيق، ما قد يؤدي إلى استبعاد مواطنين مستحقين للدعم، لذا يجب أن توجد آلية تظلم فعالة وسريعة تتيح تصحيح الأخطاء وإعادة المستحقين إلى منظومة الدعم دون إجراءات معقدة أو فترات انتظار طويلة، لا سيما أن الأمر يتعلق باحتياجات أساسية تمس الغذاء والمعيشة اليومية للأسر”.

ويرفض “البياضي” الربط التلقائي بين ارتكاب مخالفة بناء وبين عدم استحقاق الدعم، موضحًا أن المخالفات العمرانية تشمل أوضاعًا متباينة للغاية، فقد تتعلق بحجرة أو مساحة سكنية بسيطة أُنشئت دون ترخيص، كما قد تتعلق بمشروعات أو مبانٍ ضخمة، ومن ثم، فإن وجود مخالفة لا يعني بالضرورة أن صاحبها يتمتع بقدرة مالية تجعله غير محتاج للدعم الحكومي.

ويضيف: “مخالفات البناء لها بالفعل عقوبات وإجراءات قانونية محددة، ولذلك فإن حرمان المواطن من الدعم بسبب المخالفة ذاتها يثير إشكالية تتعلق بازدواج العقوبة، خاصة إذا ترتب عليه المساس بحقوق أساسية للأسرة في الحصول على السلع التموينية المدعمة”.

ويربط البياضي هذه الإشكاليات بمشكلات أوسع تواجه مشروعات التحول الرقمي في الجهات الحكومية، معتبرًا أن استمرار شكاوى المواطنين من أخطاء الأنظمة الإلكترونية وصعوبة تصحيح البيانات أو تقديم التظلمات يعكس قصورًا في تنفيذ منظومات الرقمنة.

ولا يفصل النائب إيهاب منصور، أزمة وقف بطاقات التموين عن المشكلات المرتبطة بملف التصالح في مخالفات البناء وما ترتب عليه من أعباء مالية وإجرائية على المواطنين، مشيرًا إلى أن أعدادًا كبيرة من المواطنين تقدمت بطلبات للتصالح وسعت إلى تقنين أوضاعها، إلا أن الإجراءات الحكومية لا تزال تستغرق فترات طويلة، ما يجعل المواطنين يتحملون تبعات لم يتسببوا فيها بشكل مباشر.

ويؤكد أن العديد من المتضررين من قرارات وقف الدعم أو زيادة تكاليف الكهرباء سبق لهم سداد الرسوم المطلوبة أو التقدم بطلبات التصالح، إلا أن بعض الجهات لا تزال تتعامل معهم باعتبارهم مخالفين، دون الأخذ في الاعتبار المستندات أو الإجراءات التي اتخذوها لتوفيق أوضاعهم.

يقول لـ “زاوية ثالثة”: “ما يحدث بأنه امتداد لسياسات تفرض أعباء مالية متزايدة على المواطنين، واستمرار تطبيق أسعار الكهرباء المرتفعة على أصحاب العدادات المرتبطة بمخالفات البناء، بالتوازي مع وقف الدعم التمويني لبعض الحالات، يؤدي إلى مضاعفة الضغوط الاقتصادية على الأسر، خصوصًا في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع تكاليف الحياة”.

ويشدد منصور على أنه لا يدافع عن المخالفات أو يشجع عليها، لكنه يرى أن المواطنين الذين تقدموا بطلبات التصالح أو دخلوا بالفعل في إجراءات تقنين أوضاعهم يجب ألا يتعرضوا لإجراءات عقابية إضافية قبل انتهاء الدولة من فحص طلباتهم والبت فيها بشكل نهائي؛ إذ أن تأخر الإجراءات الحكومية أو بطء إنجاز ملفات التصالح لا ينبغي أن يتحمل المواطنون نتائجه.

ويدعو النائب إلى وقف قرارات استبعاد المواطنين من منظومة التموين أو تحميلهم أعباء إضافية مرتبطة بالكهرباء إلى حين الانتهاء من مراجعة الملفات وتنقية قواعد البيانات، بما يضمن التمييز بين الحالات التي ما زالت مخالفة والحالات التي شرعت بالفعل في تسوية أوضاعها وفق القنوات القانونية، مؤكدًا أن الأوضاع الاقتصادية الراهنة تتطلب قدرًا أكبر من المراعاة الاجتماعية عند اتخاذ القرارات المرتبطة بالدعم والخدمات الأساسية، خاصة في ظل معدلات الفقر المعلنة رسميًا واتساع شريحة المواطنين الذين يعتمدون على الدعم الحكومي لتلبية احتياجاتهم الأساسية.

وتبلغ نسبة الفقر في مصر 29.7% وفقًا لأخر تقارير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، الصادر في 2020، في حين تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن معدلات الفقر الوطنية في مصر قد ارتفعت في السنوات الأخيرة لتتراوح بين 32.5% و 35.7%. في حين تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن معدلات الفقر في مصر قد ارتفعت في السنوات الأخيرة لتتراوح بين 32.5% و 35.7%.

 

نوصي للقراءة: الأمن الغذائي في مصر.. 21% فقر و49% بلا غذاء كافٍ


العقوبات خارج إطار الأحكام القضائية

 من جانبه يعتبر المحامي الحقوقي مالك عدلي، مدير المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أن وقف بطاقات التموين على خلفية مخالفات الكهرباء يثير إشكالية قانونية تتعلق بطبيعة العقوبات التي تفرضها السلطة التنفيذية خارج إطار الأحكام القضائية. 

ويوضح أن القانون يعرف ما يسمى بالعقوبات التبعية والعقوبات التكميلية، وهي عقوبات لا تُفرض إلا بنص قانوني أو بموجب حكم قضائي، مشيرًا إلى أن ما يحدث في بعض حالات وقف الدعم التمويني يمثل، من وجهة نظره، توسعًا من جانب الحكومة في توقيع آثار عقابية إضافية على المواطنين دون سند قضائي مباشر.

ويقول لـ “زاوية ثالثة”: “حرمان المواطنين من الدعم بسبب مخالفات الكهرباء لا يرتبط بالضرورة بمعايير الاستحقاق الاجتماعي أو الاقتصادي للدعم، بقدر ما أصبح وسيلة إضافية لمعاقبة المخالفين”.

 ويضيف أن استحقاق الدعم يجب أن يُقاس بمستوى الدخل والقدرة الاقتصادية للأسرة، لا بمجرد وقوع مخالفة، لافتًا إلى أن الظروف الاجتماعية والاقتصادية قد تدفع بعض المواطنين إلى ارتكاب مخالفات مرتبطة بالحصول على الخدمات الأساسية.

ويؤكد عدلي أن التعامل الحكومي مع مخالفات الكهرباء يتسم أحيانًا بعدم التمييز بين حالات مختلفة جذريًا من حيث طبيعتها وخطورتها، موضحًا أن محاضر سرقة التيار قد تشمل أوضاعًا متباينة تبدأ من شخص حصل على وصلة كهرباء لتلبية احتياجات معيشية أساسية، وصولًا إلى منشآت أو مصانع تحقق مكاسب اقتصادية من خلال الاستيلاء على الكهرباء بصورة غير مشروعة. 

ويرى أن المحاكم عادة ما تراعي هذه الفوارق عند تقدير العقوبة، بينما لا تنعكس هذه التفرقة بالقدر نفسه في الإجراءات الإدارية المرتبطة بوقف الدعم، مشيرًا إلى أن القضية ترتبط أيضًا بالبعد الاجتماعي للجريمة، إذ أن هناك فارقًا بين من يرتكب مخالفة بدافع الربح والاستغلال، ومن يلجأ إليها نتيجة ظروف معيشية واقتصادية قاسية. 

وفيما يتعلق بملف مخالفات البناء والعدادات الكودية، يرى عدلي أن الأزمة تعكس تعقيدات أوسع في إدارة ملف البناء غير الرسمي، مشيرًا إلى أن العديد من المواطنين الذين اشتروا وحدات سكنية في مبانٍ مخالفة وجدوا أنفسهم ضحايا لممارسات قام بها ملاك أو مطورو العقارات، بينما لم تنجح السياسات الحكومية دائمًا في الوصول إلى المسؤولين الأصليين عن المخالفة.

ومن محاضر شركة الكهرباء إلى قواعد بيانات منظومة التموين التي تديرها وزارة الإنتاج الحربي، يجد آلاف المواطنين أنفسهم عالقين في دوامة بيروقراطية معقدة، محرومين من الدعم التمويني الذي يعتمدون عليه للحصول على رغيف الخبز والسلع الأساسية، رغم سدادهم للغرامات أو إتمام إجراءات التصالح. 

وبينما تعِد الحكومة بفتح باب التظلمات ووضع آلية لتصحيح البيانات، تبقى الأسئلة مطروحة حول مدى مشروعية ربط استحقاق الدعم بمخالفات الكهرباء، وحول قدرة منظومات التحول الرقمي على حماية حقوق المواطنين بدلًا من تحويل الأخطاء الإدارية والتقنية إلى أعباء معيشية إضافية تتحملها الأسر الأكثر احتياجًا.

 

Search