عمال مصريون في فخ الميليشيات الليبية: رحلة البحث عن الرزق انتهت في سجون التعذيب والسُخرة

عمال مصريون يروون احتجازهم وتعذيبهم وإجبارهم على العمل في ليبيا رغم دخول بعضهم بإجراءات رسمية.
كولاج توضيحي عن معاناة العمال المصريين والاحتجاز في ليبيا.
Picture of آية ياسر

آية ياسر

لم يتوقع محمد خميس، النجار القادم من إحدى قرى محافظة الفيوم، أن رحلته إلى ليبيا عام 2019 ستتحول إلى مأساة. خرج وهو يحمل أملاً بسيطًا: أن يعمل بضع سنوات، ليجمع ما يكفي لشراء شبكة عروسه وأثاث بيته، ويعود إلى بلدته ليبدأ حياته الزوجية. وصل إلى بنغازي في رحلة قانونية تمامًا، حاملًا جواز سفر مختوم من الحكومة الليبية، وإقامة رسمية للعمل في ورش الإنشاءات، وسط حركة إعمار بدت واعدة.

لم تمض سوى أشهر قليلة بعد سفر محمد، وتغيرت ظروف العمل، في بنغازي، الخاضعة لسيطرة الحكومة المكلّفة من مجلس النواب، برئاسة أسامة حماد، وقادته الفرصة لاحقًا إلى طرابلس، ومنها إلى مصراته، شمالي غرب ليبيا؛ حيث عاش مع زملائه العمال في سكن بسيط على أمل أن تكون الحياة أكثر استقرارًا.

في البداية، كانت مصراتة، الخاضعة لسلطة حكومة الوفاق الوطني، – برئاسة فايز السراج، وقتئذٍ -، تبدو آمنة بما يكفي، لكن شيئًا فشيئًا، تغيّر كل شيء، بعد تولي حكومة عبد الحميد الدبيبة؛ فالميليشيات المسلحة صارت تقتحم مساكن المصريين ليلًا، تفتّش وتسرق وتُهين، وتُلصق بهم تهمة “الهجرة غير النظامية”.. كان محمد يسمع قصصًا مؤلمة، لكنه لم يتخيل يومًا أن يصبح جزءًا منها.

في الرابع من يوليو 2024، قبل أيام من موعد عودته إلى مصر لإتمام زفافه، تحطّم كل شيء، اقتحمت ميليشيات مسلّحة السكن بعد منتصف الليل، استولت على أموال العمال وهواتفهم وملابسهم ومدخراتهم القليلة، وجرى اعتقالهم بطريقة مهينة، ثم نُقلوا من مدينة مصراتة، شمالي غرب ليبيا، إلى مركز أمني في طرابلس، حيث بدأت رحلة الاحتجاز والتعذيب.

يتذكر محمد تلك الليلة جيدًا..“أخذوا مني كل ما كنت أملكه. ثم نُقلت من مصراتة إلى طرابلس. احتُجزنا في سجن يسمونه عين زارة… لم يكن هناك شيء يمكن أن يُسمى حياة. قطعة خبز صغيرة وجبن فاسد هي كل ما كنا نحصل عليه”، يقول لـ"زاوية ثالثة".

كان السجن، المعروف أيضًا بسجن الرويمي، الواقع في ضاحية عين زارة جنوب شرق طرابلس العاصمة الليبية، مكانًا يختلط فيه الظلام برائحة العفن، وتتعالى فيه أصوات الصراخ أكثر من أي شيء آخر.. مكانٌ تسيطر عليه مجموعات مسلحة رغم تبعيته لوزارة العدل، وشهد انتهاكات موثقة لحقوق الإنسان منذ عام 2011، بحسب منظمات حقوقية.

وهناك أُجبر المحتجزون على دفع مبالغ مالية مقابل الإفراج عنهم، ومن عجز عن الدفع عُرض عليه العمل دون أجر، مقابل وعود كاذبة بالحرية، وكان من بينهم محمد الذي تعرض مع عشرات المصريين للعمل القسري والابتزاز المالي على أيدي المجموعات المسلحة التي تدير مركز الاحتجاز.

وغالبًا ما يتم إطلاق سراح المهاجرين غير النظاميين الذين يُلقى القبض عليهم في ليبيا، مقابل المال، لا سيما في سجون طرابلس، وبئر الغنم، والمطار، وهي سجون حكومية يقول إنها تُدار فعليًا من قِبل الميليشيات، التي تحدد المبالغ المطلوبة لكل محتجز، إذ تتراوح ما بين 10 آلاف و25 ألف دينار، وبعض العائلات تدفع لاستعادة ذويها، فيما يعجز آخرون عن ذلك، بحسب ما يؤكد مصدر محلي لـ”زاوية ثالثة”.

غير أن محمد ورفاق محبسه من العمال المصريين والسودانيين، الذين صدقوا وعود سجانيهم، غادروا زنازينهم التي عاشوا بها لأشهر كسجناء، ليتحولوا إلى عبيد يعملون بالسخرة في أعمال شاقة تمتد من الفجر حتى منتصف الليل، تحت تهديد السلاح، تضمنت الحفر، والهدم، ونقل الحديد والأسمنت من مواقع عسكرية كانت تابعة للجيش الليبي في عهد القذافي، وتعرضت للتدمير خلال الحرب.

ويضيف: "في الليل كان يُنقل ثلاثة عمال لجمع الحديد والأسمنت من مواقع مهدمة، موضحًا أن من يرفض يُضرب أو يُحبس، وكان صلاح هجرس المسؤول عن احتجازنا كان يستغل سلطته لتحقيق مكاسب شخصية عبر بيع الحديد المستخرج من مواقع القصف".

كان المسؤول عن احتجازهم، كما يروي، مسلّحًا يُدعى "صلاح هجرس"، يتبع فصيلًا يقوده “أسامة نجيم”، المطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية، والذي يُزعم أنه كان مسؤولاً عن مرافق السجون في طرابلس، وهو متهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية تشمل القتل والتعذيب والعنف الجنسي -، بحق آلاف الأشخاص.

يتذكّر محمد أنه رأى رجالًا، فقدوا قواهم العقلية تحت وطأة الاحتجاز الطويل، أحدهم كان يقف أمام الباب متسمّرًا، عاجزًا عن الدخول أو الخروج، كأن الزمن توقف داخله تمامًا، وتطارده ذكرى تعرّض أحد زملائه العمال للضرب بلوح خشبي اخترق مسمارُه رأسه لمجرّد أنه قال إنه مرهق ولا يستطيع مواصلة العمل أثناء الخدمة، مؤكدًا أن بعض المحتجزين ظلوا في السجون لأكثر من عامين دون أي تواصل مع أسرهم.

ويروي أيضًا كيف كُسرت حقن الأنسولين أمام عامل مريض بالسكري عقابًا له على طلب العلاج، وكيف كان بعض العمال يُضرَبون حتى الموت أو يُتركون بلا طعام لأيام. ولم يسلم كبار السن ممن تجاوزوا الستين من الإهانات والضرب، ولا ينسى محمد مشهد عامل معاق، يحمل ساقًا صناعية، وهو يتعرّض للضرب لأنه قال فقط إن قدمه تؤلمه.

يحكي محمد أن السفارة المصرية في طرابلس كانت تتواصل مع السلطات الليبية بين الحين والآخر بشأن المحتجزين، لكن الميليشيات كانت تخدع المحتجزين بادعاء أن “السفارة ألغت تعاقدها معهم ولن تتدخل”، بهدف إجبارهم على دفع الفدية أو العمل القسري.

استمرت معاناة محمد أربعة أشهر وعشرين يومًا، حتى خرج بوساطة شخصية ليبية نافذة، لكنه خرج خالي الوفاض: بلا مال، بلا صحة، بلا أوراق.. لم يعد يعرف كيف يعود إلى مصر؟؛ فجواز سفره صادرته الميليشيات، وإقامته لم تعد صالحة، والحدود تبعد 1400 كيلومتر ومحطات التفتيش تنتشر في الطريق.

اليوم، يجلس محمد في طرابلس بعيدًا عن أسرته وخطيبته، عاجزًا عن اتخاذ الخطوة التالية، لا يملك إلا أمنية واحدة: أن يعود حيًا إلى بلده، وأن ينسى,إن استطاع,ما عاشه من أهوال خلف تلك الأسوار.

وتتقاطع روايته مع شهادة العامل المصري، "محمود الشرقاوي"، الذي تحولت رحلته إلى ليبيا، العام الماضي، , التي بدأها بكل الإجراءات الرسمية اللازمة، وبجواز سفر مختوم عبر منفذ مساعد البري,إلى واحدة من أقسى التجارب التي عاشها في حياته، فحالة الانقسام بين حكومتي طرابلس وبني غازي كانت كفيلة بأن تجعل كل خطوة داخل ليبيا مغامرة غير محسوبة.

قبل سفره دفع محمود 50 ألف جنيه لوسيط داخل مصر، تكفّل بكل شيء: الأوراق الرسمية، التصاريح، تجهيز جواز السفر. بالنسبة له، كان الأمر يشبه رحلة عمل بسيطة، خطوة لتحسين حياته وحياة أسرته، لكنه اكتشف سريعًا أن المشكلة تبدأ فور دخول الأراضي الليبية، إذ تُختم الجوازات بختم بنغازي، الذي لا تعترف به طرابلس، والعكس، وبين سلطتين لا تعترفان ببعضهما، يصبح العامل الأعزل هو الضحية.

تسيطر حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة على طرابلس والغرب، وهي المعترف بها دولياً من الأمم المتحدة كحكومة انتقالية رئيسية. في بنغازي والشرق، تدير حكومة الاستقرار (أو الحكومة المكلفة من مجلس النواب) برئاسة أسامة حماد الشؤون المحلية، مع دعم من البرلمان في طبرق وقوات الجيش الوطني.

“إذا أوقفتك أي بوابة أو نقطة تفتيش – سواء تابعة لسلطات رسمية أو ميليشيات – ووجدت أن لديك ختم بنغازي، يتم احتجازك فورًا، وغالبًا ما تُؤخذ إلى السجن”.. يقول لـ "زاوية ثالثة".

في الساعة الواحدة والنصف ليلًا، داهم مسلحون السكن الذي يقيم فيه محمود في مدينة صبراتة، ـ مع نحو أربعين عاملًا آخر من قرية "جرادة" بمحافظة الفيوم ـ، وصادروا جوازات السفر والمعدات والأموال، وحتى المتعلقات الشخصية مثل: خواتم الزواج والهواتف المحمولة، وأثناء ذلك تعرض العمال للضرب والتهديد بالسلاح أثناء المداهمة.

اقتيد محمود وزملاؤه أولًا إلى مديرية أمن صبراتة دون أي تحقيق، ثم نُقلوا إلى "سجن السكة" في طرابلس,سجن تحت الأرض، سيئ السمعة، تصفه الجمعية الليبية لسجناء الرأي، بأنه من أسوأ أماكن الاحتجاز في ليبيا.. وهناك، صودرت جوازاتهم وأموالهم بدعوى أنهم “قيد الترحيل”، لكن ما كان في انتظارهم هو التعذيب، والإهانات، وضياع كامل للحقوق.

وبعد فترة، نُقلوا إلى مقر آخر يُعرف باسم “الشيخ حكيم”، حيث احتُجزوا لأربعة أشهر، يصف محمود ظروف الاحتجاز بأنها قاسية وغير إنسانية.

"كل عنبر داخل السجن كانت مساحته نحو مائة متر مربع، يُحتجز فيه ما بين 700 إلى 1300 شخص من جنسيات مختلفة، الطعام كان شحيحًا للغاية، يحصل كل شخص على نصف رغيف ونصف قطعة جبن مثلثات يوميًا، وكانت المياه غير كافية، فكانت تحدث شجارات يومية بين المحتجزين للحصول على لقيمات من الطعام أو جرعة من الماء".. يحكي

بعض السجناء كانوا يموتون أو يُصابون جراء الضرب، فيما كان “الأطباء” يقفون على مسافة خوفًا من العدوى، ولا يقدمون سوى مسكنات بسيطة يتقاسمها عدد من المحتجزين، وأثناء فترة احتجازه أصيب محمود بتلوث في المعدة والجرب بسبب غياب النظافة، وعدم السماح لهم بالاستحمام أو استخدام مياه نظيفة، ـ بحسب روايته ـ.

ويكشف العامل عن أن بعض السجناء يُجبرون على العمل في المهن الحرفية مثل النجارة والمحارة والسيراميك لصالح مسلحين ليبيين بشكل غير رسمي، مقابل وعود زائفة بالإفراج عنهم بعد إنجاز العمل، مضيفًا: “يقولون للعامل اشتغل أسبوعًا وتعود إلى بلدك، لكنه قد يعمل لأشهر أو حتى سنة كاملة، ولا يخرج إلا إذا مرض أو عجز عن العمل”.

ويبيّن أن معظم السجناء من الحرفيين المهرة الذين تستفيد منهم الميليشيات في أعمال البناء والصيانة، وأن “المحبوسين الجدد يصدقون هذه الوعود على أمل الخروج، بينما من قضى وقتًا طويلًا في السجن يعرف أنها أكاذيب فيفضل انتظار الترحيل أو تدخل السفارة”.

ظل محمود محتجزًا أربعة أشهر حتى تمكّن من الهرب بمساعدة طبيب ليبي تعاطف معه وساعده سرًا، لكن دون أن يستعيد جوازه أو أوراقه. حاول العودة إلى العمل مجددًا ليعيل أسرته، إذ كان دخله في ليبيا 200 دينار ليبي يوميًا,أضعاف ما يحصل عليه في مصر,لكن الميليشيات كانت قد أخذت كل مدخراته، واضطر للبدء من الصفر.

بعد أكثر من عام من خروجه، اتخذ قرار العودة إلى مصر، بأي ثمن، وبسبب فقدان أوراقه، لم يجد سوى طريق المهربين، إذ استقل سيارة من منطقة بني العالم بطرابلس مقابل 1200 دينار، لكن رحلة العودة كانت عذابًا من نوع آخر.

عند بوابة مصراتة، أوقفه مسلحون وانتزعوا منه 500 دينار بعد تهديده بالعودة إلى طرابلس. تكررت الانتهاكات في سرت، ثم عند بوابة الـ200 قرب طبرق، حيث فُتِّش بطريقة مهينة وصودرت متعلقاته الشخصية بما فيها السجائر والزيوت والعطور التي كان ينوي إهداءها لعائلته، وعند وصوله إلى بوابة طبرق، اضطر لدفع 200 دينار أخرى.

ورغم ذلك، يقول إن المعاملة داخل الجمرك الليبي الرسمي كانت محترمة، إذ دفع رسوم الخروج (200 دينار) ونُقل بسيارة رسمية مع أمتعته حتى الحدود المصرية.

لكن عند وصوله إلى الجمرك المصري ليلًا، لم يكن الوضع أقل إرهاقًا، بسبب عدم حيازته لجواز سفره، طُلب منه الانتظار في العراء حتى اكتمال العدد، فقضى الليل في برد قارس، وفي اليوم التالي، احتُجز داخل غرفة صغيرة حتى انتهاء الإجراءات، قبل أن يُسمح له أخيرًا بالعودة إلى الوطن، لكنه عاد منهكًا، محمّلًا بالخسائر.

وتُقدّر أعداد المصريين المتواجدين في ليبيا حوالي 350 ألف مصري منهم 200 ألف متواجدين في المنطقة الشرقية قرب الحدود مع السلوم والـ150 ألف الآخرين في المنطقة الغربية، بحسب تصريحات سابقة للسفيرة سهى الجندي وزيرة الهجرة، في عام 2023.

وبحسب تقديرات منظمة الدولية للهجرة لعام 2022، فإنه يوجد 144,543 مهاجراً مصرياً في ليبيا، وهو ما يمثل 21% من إجمالي عدد المهاجرين في البلاد وثاني أكبر حصة بين جميع الجنسيات بعد مواطني النيجر.

فيما يُقدّر الناشط الحقوقي نور خليل، مدير منصة اللاجئين في مصر، أعداد المحتجزين المصريين في ليبيا في الشرق والغرب، بأنها تتجاوز الآلاف، وأن عدد المفقودين خلال العام 2025 فقط والمُبلّغ عنهم من العائلات يتجاوز العشرات، وعدد الأطفال القصر غير المعروف مصيرهم بعد نقلهم بين عدة مقرات احتجاز بالمئات، مُشيرًا إلى أن عدد المصريين الذين غرقوا خلال هذا العام غير معروف حتى الآن، وأن هناك عشرات الحالات تم التعرف على جثامينهم سواء في ليبيا أو في الجنوب الأوروبي.

بؤرة للابتزاز والاتجار بالبشر

خلال السنوات الأخيرة، تفاقمت معدلات الهجرة غير النظامية من وإلى ليبيا، ويرى المحلل السياسي الليبي، محمد الترهوني ، أن المنطقة الغربية التي تحولت إلى بؤرة للابتزاز والاتجار بالبشر، بينما تشهد المنطقة الشرقية استقرارًا أمنيًا يتيح بيئة عمل آمنة للعمالة الأجنبية، وعلى رأسها العمالة المصرية، موضحًا أنّ المناطق الممتدة من الحدود الليبية–المصرية حتى سرت، والمنطقة منها إلى الجنوب، تضم ما يقارب مليوني عامل مصري يعملون في شركات الإعمار، في ظل انضباط كبير وأوضاع أمنية يصفها بالجيدة، معتبرًا أن تلك المناطق “توفر أرضية خصبة ومستقرة للعمل والإنتاج، نتيجة سيطرة مؤسسات الدولة ووجود أجهزة أمنية فاعلة”.

ويشرح المحلل السياسي أنّ الوضع يختلف جذريًا في المنطقة الغربية، لاسيما في الزاوية وصبراتة وصرمان وزوارة، حيث “أصبحت هذه المدن بمثابة بوابات لعمليات الهجرة غير الشرعية، ومراكز لاحتجاز المهاجرين وتعذيبهم واستغلالهم”، مؤكدًا أنّ بعض الجماعات المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة تتخذ من هذه الأنشطة مصدرًا للتمويل والاسترزاق.

يقول لـ "زاوية ثالثة": إن “الانفلات الأمني في المنطقة الغربية هو السبب الجوهري وراء انتشار الانتهاكات ضد المهاجرين والعمالة الوافدة، بما في ذلك الخطف والابتزاز والتعذيب، في حين أن المنطقة الشرقية – الممتدة من طبرق ودرنة وبنغازي والبيضاء والمرج وأجدابيا حتى سرت والجنوب –، تشهد حالة من الأمن والاستقرار مكّنت شركات عربية وأجنبية من تنفيذ مشروعات إعمار واسعة دون تسجيل انتهاكات تُذكر بحق العمالة الأجنبية”.

ويختم الترهوني حديثه معنا، بالتأكيد على أن استمرار غياب الأمن في الغرب الليبي يتيح للجماعات المسلحة استغلال المهاجرين كورقة ضغط، محذرًا من أن هذا الانفلات “يهدد ليس فقط حياة العمال الأجانب، بل أيضًا استقرار ليبيا ككل”.

وعلى مدار الـ12 شهرًا الماضية، وثّقت تقارير حقوقية دولية ومنظمات محلية انتهاكات خطيرة لحقوق المهاجرين، تشمل: جرائم القتل خارج نطاق القانون، والاحتجاز التعسفي، والتعذيب الممنهج، والاستغلال الجسدي والاقتصادي، إضافة إلى حالات اختفاء قسري واتجار بالبشر، وسط تواطؤ أو تهاون الجهات الأمنية، مُبينة أنها تعكس استمرار سياسة الإفلات من العقاب التي تكرّست على مدى السنوات الماضية، ووثّقت التقارير، في غرب ليبيا، الخاضعة تحت سيطرة حكومة الوحدة الوطنية، عمليات تعذيب ممنهج وابتزاز للمهاجرين في طرابلس ومصراتة والزاوية من قبل عناصر أمنية، بما في ذلك إجبارهم على دفع فدية مقابل إطلاق سراحهم، إضافة إلى تعريضهم لاعتداءات جسدية قاسية وصلت إلى حدّ القتل.

سجون خاصة ومراكز احتجازٍ غير رسمية

في السياق نفسه يرى السفير رخا أحمد حسن، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية وعضو الجمعية المصرية للأمم المتحدة، أن غياب العقود القانونية لدى العمال المصريين المتوجهين إلى ليبيا يجعلهم عرضة مباشرة لانتهاكات جماعات الجريمة المنظمة، خاصة في غرب البلاد، حيث يزداد نفوذ الميليشيات المسلحة في ظل غياب حكومة مركزية قوية.

ويوضح أن جزءًا كبيرًا من العمال، خصوصًا من محافظات الصعيد، يدخلون ليبيا بطرق غير رسمية أو من دون عقود عمل، ما يجعل إقامتهم غير شرعية ويحوّلهم إلى “فريسة سهلةٍ” للعصابات التي تمارس الابتزاز والسرقة والاتجار بالبشر، مؤكدًا أن السفارة المصرية في طرابلس والقنصلية في بنغازي تتلقى باستمرار شكاوى تتعلق بتعرض عمال مصريين لهجمات ونهب واحتجاز تعسفي، إلا أنّ التعامل مع هذه الحالات يزداد صعوبةً في ظل الأوضاع الأمنية المعقدة.

يقول لـ"زاوية ثالثة": "إن الانقسام السياسي بين حكومتي الشرق والغرب يلعب دورًا كبيرًا في تفاقم الأزمة؛ فالجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر يسيطر على شرق ليبيا، بينما تعتمد حكومة الدبيبة المعترف بها دوليًا في الغرب على تحالفات واسعةٍ مع الميليشيات المسلحة التي تفرض نفوذًا فعليًا على الأرض. ونتيجةً لذلك، تنتشر منذ عام 2011 سجونٌ خاصة ومراكز احتجازٍ غير رسمية، بعضها مجهول التبعية، تُمارس فيها انتهاكات خطيرة بحق المهاجرين من جنسيات مختلفة، من بينهم مصريون، وتستغلها مجموعاتٌ مختلفة لاحتجاز العمال وابتزازهم".

ويُبيّن السفير أن مجلس النواب في الشرق يعتبر حكومة الدبيبة غير شرعيةٍ منذ نحو عامين، بعد فشلها في تنظيم الانتخابات، وقام بتعيين حكومةٍ موازيةٍ برئاسة أسامة حماد، إلّا أن المجتمع الدولي لا يعترف إلا بحكومة طرابلس، بينما يظل جيش حفتر قوةً مستقلةً لا تخضع لأي من الحكومتين بشكلٍ كامل، موضحًا أن هذا الانقسام، يجعل كل طرفٍ متمسكًا بمكاسبه، ويعرقل جهود الأمم المتحدة التي فشلت حتى الآن في جمع الأطراف للتوافق على مسار انتخابيّ موحد بسبب تضارب المصالح.

وحول طبيعة العلاقات بين مصر والغرب الليبي، يؤكد السفير أنها “علاقاتٌ فاترةٌ”، لكنها تشهد تحركًا سريعًا عند تعرض مصريين للاحتجاز أو طلب فدية. ففي هذه الحالات، تتدخل السفارة والأجهزة الأمنية المصرية للتواصل مع الجهات الليبية المختلفة، إضافةً إلى الاستعانة بنفوذ القبائل والعشائر، في محاولةٍ للتفاوض والإفراج عن المحتجزين، وهو ما تكرر في العديد من الوقائع السابقة.

وكانت السلطات المصرية، استعادت مؤخرًا 131 مواطنًا مصريًا، بينهم عمال وطلاب وأسر عالقة في ليبيا، بعد محاولات بعضهم الوصول إلى أوروبا عبر شبكات الهجرة غير النظامية، وذلك في عملية رسمية أشرفت عليها وزارة الخارجية وسفارة القاهرة في طرابلس، وبحسب السفير حداد عبد التواب الجوهري، مساعد وزير الخارجية للشئون القنصلية، فقد استعادت مصر 1132 مواطن مصريًا من طرابلس والمنطقة الغربية في ليبيا، إضافة إلى أكثر من 1500 مواطن مصري من بني غازي والمنطقة الشرقية، منذ بداية العام 2025، داعيًا المواطنين إلى اتباع الطرق الشرعية والقانونية بشأن إجراءات السفر والدخول إلى الدول المجاورة، وعدم الانجرار وراء عصابات الهجرة غير النظامية التي تعرض حيواتهم للخطر.

الأزمة الاقتصادية هي السبب

من ناحيته يعزي الدكتور عمرو الشوبكي، الكاتب والمفكر السياسي والخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، سفر العمال المصريين إلى ليبيا، رغم ما يواجهونه من مخاطر واستهداف، إلى تأثير الضغوط الاقتصادية وتدهور الأوضاع المعيشية في الداخل، الأمر الذي يدفع العديد من المواطنين إلى قبول السفر إلى دول تعاني أوضاعًا أمنيةً مضطربة، والذهاب دون عقود عمل أو وجهةٍ واضحة، ما يجعلهم عرضةً لانتهاكاتٍ جسيمة.

ويؤكد أن السبب الرئيس وراء استمرار سفر أعدادٍ كبيرةٍ من المصريين إلى ليبيا، سواء عبر مسارات الهجرة غير الشرعية أو بحثًا عن عمل، هو الأزمة الاقتصادية الداخلية؛ فالصعوبات المعيشية تدفع الكثيرين إلى اتخاذ قراراتٍ محفوفة بالمخاطر، بدءًا من التوجه إلى مناطق صراع بحثًا عن فرصة عمل، وصولًا إلى ركوب قوارب الهجرة غير الشرعية نحو أوروبا، بما تحمله هذه الرحلات من احتمالات الموت أو الإعادة القسرية.

ويشير الخبير بمركز الأهرام إلى أن الوضع في ليبيا يرتبط جذريًا بالانقسام القائم بين الشرق والغرب، إذ تعاني البلاد من غياب مؤسسات دولةٍ موحدةٍ يمكن اللجوء إليها أو التعامل معها بشكلٍ رسمي، فلا توجد سلطةٌ قضائيةٌ واحدة، ولا أجهزة أمنية موحدة، ما أدى إلى إضعاف الرقابة على الانتهاكات وتكرارها على مدار السنوات الأخيرة.

وفي ما يتعلق بالعلاقات المصرية مع حكومة غرب ليبيا، يقول لـ"زاوية ثالثة": "إن التأثير النظري لهذه العلاقات على مصير العمال المصريين المحتجزين يجب أن يكون منعدمًا، لأن هؤلاء العمال مدنيون مسالمون لا يمثلون طرفًا في أي صراعٍ سياسي، لكن الواقع يثبت عكس ذلك، إذ تؤثر الخلافاتُ السياسية والتباينات بين الحكومات بشكلٍ مباشرٍ وغير مباشر على أوضاع العمالة المهاجرة، وهو أمرٌ شهدته ليبيا ودول أخرى عدة".

وبشأن أبرز الانتهاكات التي يتعرض لها العمال والمهاجرون في غرب ليبيا، يشير الشوبكي إلى أن التقارير الدولية وما يجري تداوله من شهادات تكشف عن تعرضهم للاحتجاز لفتراتٍ طويلة، والأذى البدني، وسوء المعاملة، ضمن سياقٍ أمنيٍّ هش يسمح بتوسع نشاط شبكات الاتجار بالبشر.

ويرى أنه على الحكومة المصرية مسؤوليةَ تنظيم هذا النوع من السفر، عبر وضع قواعد وضوابط تحدّ من تنقل العمالة من دون عقودٍ رسمية، باعتبار أن الهجرة غير المنظمة أو العمل غير الموثق يعرض المواطنين لمخاطر كبيرةٍ، قد تصل إلى الاحتجاز والابتزاز أو الاتجار بالبشر، مشددًا على أهمية دور الدولة في التوعية بمخاطر السفر إلى مناطق غير مستقرة، ووضع ضوابط واضحة تحصر سفر العمالة في إطار عقود عمل رسمية فقط، بما يحدّ من تعرضهم للانتهاكات أو استغلال الأسر عبر الابتزاز المالي.

ويضع الانقسام السياسي الليبي، ووجود حكومتين متنافستين، ومجلسي نواب ومصرف مركزي مختلفين، القاهرة أمام خيار دعم جهة بعينها، ما يُدخل العلاقات في تعقيدات دبلوماسية وعملياتية، في وقتٍ يستدعي تزايد نشاط جماعات مسلحة وتهريب سلاح ومواد عبر الشريط الحدودي، استراتيجيات مشتركة بين مصر وحكومة بني غازي، لمكافحة الإرهاب والأنشطة التهريبية، بينما يقلب إنتاج الطاقة والغاز في شرق ليبيا، حسابات الربط الكهربائي والغازي مع مصر؛ الأمر الذي يهدد مشاريع الربط والتعاون الاقتصادي، وتعتقد القاهرة أن وجود ميليشيات وقوات أجنبية والنفوذ التركي في غرب ليبيا، والصراعات بين فصائل من الشرق والغرب، يهدد الأمن القومي المصري، لذا تسعى لإرساء عملية سياسية شاملة وتحقيق توافق سياسي يراعي مصالحها الأمنية والاقتصادية.

احتجاز وتعذيب وسرقة

في سياق مشابه كشف تقريرٌ صادر عن منظمة العفو الدولية، في أكتوبر 2021، أن قوات الأمن الليبية والميليشيات في طرابلس استخدمت القوة المميتة غير القانونية وغيرها من أشكال العنف في حملة اعتقال غير مسبوقة لأكثر من 5000 رجل وامرأة وطفل من دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، واحتجزهم في ظروف مروعة، تضمنت التعذيب والاعتداء الجنسي.

وذكرت المنظمة أنه في الأول من أكتوبر، اقتحم مسلحون من ميليشيات وقوات أمنية تابعة لوزارة الداخلية الليبية منازل وملاجئ مؤقتة في منطقة قرقارش بطرابلس، التي تؤوي عددًا كبيرًا من اللاجئين والمهاجرين، وأطلقوا النار بالذخيرة الحية، وأتلفوا ممتلكاتهم، وسرقوا مقتنياتهم الثمينة، ثم نُقل المهاجرون واللاجئون المرعوبون، بمن فيهم عدد من المسجلين لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إلى مراكز احتجاز في طرابلس، حيث حُرموا من الوصول المنتظم والسري إلى المفوضية والوكالات الإنسانية، وتعرضوا للتعذيب وسوء المعاملة.

بدورها تتهم نداج الأحمر، الباحثة في منظمة العفو الدولية، قوات الأمن والميليشيات والجماعات المسلحة، وغيرها من الجهات الفاعلة غير الحكومية في مختلف أنحاء ليبيا، بمواصلة ارتكاب انتهاكاتٍ وإساءاتٍ منهجية واسعة النطاق لحقوق الإنسان ضد اللاجئين والمهاجرين، في ظلّ تمتّعٍ واضحٍ بالإفلات من العقاب.

وتوضح الأحمر أنّ حملات القبض التعسفية تصاعدت على نحوٍ واسع في جنوب ليبيا خلال السنوات الأخيرة، مستهدفةً المهاجرين على أساس وضعهم القانوني فحسب، كما استمرت تلك الممارسات في مناطق أخرى عقب عمليات اعتراض في عرض البحر، أو خلال مداهمات نفّذتها ميليشيات وجماعات مسلحة على مخيماتٍ عشوائية للاجئين أو أوكارٍ يُعتقد أنها تخصّ المهرّبين والمتاجرين بالبشر.

تقول لـ"زاوية ثالثة": "هناك أكثر من ألفَي أجنبي ما زالوا رهن الاحتجاز التعسفي في مراكز احتجاز رسمية، بينما يُحتجز آلاف آخرون بشكل غير رسمي على أيدي ميليشيات وجماعات مسلحة خارج نطاق القانون. والمحتجزين يُعانون ظروفًا قاسية وغير إنسانية، ويتعرضون بشكل متكرر للتعذيب وسوء المعاملة، بما في ذلك العنف الجنسي، والابتزاز، والعمل القسري، والحرمان من الرعاية الطبية الملائمة".

وتُبيّن الأحمر أنّ جماعات مسلحة تابعة للقوات المسلحة العربية الليبية في الشرق والجنوب أبعدت قسرًا آلاف اللاجئين والمهاجرين إلى تشاد والسودان ومصر والنيجر، دون منحهم الحق في الطعن في قرارات ترحيلهم أو طلب الحماية الدولية، مشيرة إلى أنّ بعض المُرحّلين كانوا قد أُبعدوا فور إنقاذهم من فترات احتجازٍ طويلة على أيدي المهرّبين، مما يعكس استمرار الانتهاكات الممنهجة بحقّ المهاجرين واللاجئين في ليبيا.

وكانت السلطات الليبية في طرابلس، قد أعلنت في ديسمبر الجاري، عن تسريع وتوسيع عمليات ترحيل المهاجرين غير النظاميين إلى بلدانهم الأصلية، في إطار برنامج وطني جديد بدأ تنفيذه منذ أكتوبر الماضي، ويهدف البرنامج، بحسب وزارة الداخلية، إلى منع أي "استقرار دائم" للمهاجرين في ليبيا، وسط تزايد الاحتقان الشعبي ومخاوف رسمية من تداعيات ديموغرافية وأمنية.

وفي ضوء شهادات الناجين من مراكز الاحتجاز والسجون غير الرسمية في غرب ليبيا، والتي تتضح الصورة القاتمة التي يعيشها آلاف العمال المصريين هناك؛ حيث واقع يتجاوز حدود سوء المعاملة ليقترب من أنماط موصوفة في التقارير الأممية بأنها اتجار بالبشر وعمل قسري واحتجاز تعسفي تمارسه مجموعات مسلحة في ظل فراغ سياسي وأمني ممتد منذ سنوات.

الخبراء الذين تحدثوا لـ"زاوية ثالثة" يؤكدون أن جذور الأزمة ليست فردية ولا ظرفية؛ فهي تبدأ من الداخل، من ضغوط اقتصادية تدفع العمال إلى السفر دون عقود أو حماية قانونية، مرورًا بالثغرات الهائلة في الرقابة على سماسرة السفر ووسطاء التشغيل، وصولًا إلى الانقسام السياسي الليبي الذي خلق سلطات متوازية وأختامًا غير معترف بها، وسجونًا تعمل خارج أي نظام قضائي، وفي ظل هذا المشهد، تصبح حياة العمال وأجسادهم وسيلة ضغط وابتزاز، لا حقوقًا مصونة.

وبرغم التحركات الدبلوماسية المتكررة، يبقى التعامل مع هذه الانتهاكات محدودًا بتعقيدات الواقع الليبي وتشابك ولاءات الميليشيات التي تتقاسم السيطرة على الأرض. وفي حين تشير شهادات الناجين إلى تدخلات فردية مكّنت بعضهم من الخروج، إلا أن آخرين لا يزالون عالقين داخل هذه الدوامة، بلا أوراق رسمية، ولا إمكانية للعودة، ولا ضمانات للسلامة، ينتظرون النجاة.

أضف زاوية ثالثة إلى مصادرك المفضلة على جوجل

آية ياسر
صحافية وكاتبة وروائية مصرية حاصلة على بكالوريوس الإعلام- جامعة القاهرة.

Search