نريد ذويينا أحرارًا: مبادرة أسر السجناء السياسيين في مصر

أسر السجناء السياسيين في مصر تطالب بالإفراج عن ذويهم مع تسليط الضوء على المعاناة الشديدة التي يعانونها نتيجة الحبس الاحتياطي الطويل والأوضاع الصعبة داخل السجون.
شيماء حمدي

“لا أريد من الحياة سوى حرية ابني عائل الأسرة الذي خسر شبابه وجامعته، فأنا أم لبنات ثلاث، توفي زوجي، وخسرت صحتي ونفذت طاقتي، واستمرار الأمر هكذا يعني تدمير لأسرة كاملة”. بتلك الكلمات بدأت أمل سليم العدوي والدة عُمر، أحد المسجونين في سجن بدر حديثها عن نجلها المسجون سياسيًا منذ نحو عشر سنوات.

ألقي القبض على عمر محمد في مطلع يونيو عام 2015 من أمام مطعم ومعه صديقان آخران؛ إسراء الطويل وصهيب سعد. كان عمره حينذاك 22 عامًا، طالبًا بكلية الهندسة، ويعمل في أحد المصانع الحربية. وفي 29 مايو لعام 2016، أصدرت المحكمة العسكرية بالقاهرة حكمها في القضية التي عُرفت إعلاميًا بـ “خلية القاهرة”، وقضت المحكمة بإعدام ثمانية والمؤبد لـ 12 والحبس 15 سنة لستة متهمين وبراءة اثنين. فيما كان عمر واحدًا من المحكوم عليهم بالسجن المؤبد، بتهمة إفشاء أسرار عسكرية والتخطيط لاستهداف مسؤولين في الدولة وغيرها من التهم. وفي سبتمبر من العام نفسه صدق وزير الدفاع على الحكم الصادر بحقه.

تقول والدة عمر لزاوية ثالثة: “ابني الآن عمره تجاوز الـ30 عامًا ومحبوس في سجن بدر، وحالته النفسية السيئة تجاوزت بكثير حالته الجثمانية المتدهورة، إذ أصبح يعاني حالات تشنج واكتئاب أدى به للإضراب عن الطعام مرتين قبل ذلك، بهدف التخلص من الحياة، كما أنه يعاني مشكلات صحية متعددة؛ من بينها ارتفاع متكرر في درجات حرارة جسده غير معروف أسبابه، وغيرها من الآلام والمضاعفات النفسية والجسدية نتيجة الحبس”. 

تضيف: “عمر الآن ممنوع عنه الورقة والقلم وهذا كان متنفسه، أصبح وحيدًا في زنزانته من شهر سبتمبر الماضي بعد خروج زميله الذي كان يرافقه في الزنزانة نفسها”. وفي أبريل الماضي للمرة الثانية، ناشد عمر والدته منحه الإذن بالانتحار خلال زيارتها له في مكان احتجازه فعل هذا تحت وطأة اليأس إذ ودّع حلم الحرية، ولم يرَ أمامه سوى هذا الخيار.

يعد عمر محمد أحد المسجونين في مجمع سجون بدر، الذي افتتحته السلطات المصرية في نهاية عام 2021، في منطقة بدر شمال شرقي العاصمة القاهرة. ولا يوجد إحصائيات دقيقة حول عدد المحبوسين سياسيًا سواء احتياطيًا، أو الذين أصدر بحقهم حكمًا نهائيًا.

 

مبادرة أسر السجناء

في مطلع شهر يوليو الجاري، أطلق عدد من أسر السجناء السياسين مبادرة لمناشدة الأجهزة المعنية بالإفراج عن ذويهم. ونشرت المبادرة في أول تدوينة لها استمارة لأسر السجناء الراغبين في الانضمام للمبادرة، وكذلك لتوقيع المتضامنين من المواطنين والمهتمين.

تواصلت زاوية ثالثة مع أحد مسؤولي المبادرة عبر الصفحة الرسمية على الفيسبوك، الذي فضل عدم ذكر اسمه خوفًا من الملاحقة الأمنية وإعمالًا بنصائح المحامين، إذ يقول: “يوجد عشرات الآلاف من الأسر المحبوس ذويهم بين حبس احتياطي على ذمة التحقيقات والصادر بحقه حكمًا نهائيًا. تضم المبادرة أسرًا من جميع المحافظات ممن اعتقل ذويهم في أحداث مختلفة منذ عام 2013 وحتى احتجاجات التضامن مع غزة الأخيرة”.

يضيف: “أولادنا ينتهون من قضية ليجدوا أنفسهم في أخرى دون أسباب سنوات وسنوات تضيع من أعمارهم، فضلًا عما نعانيه نحن أسر المحبوسين من استنفاذ لطاقاتنا النفسية والجسدية، أعمارنا وحياتنا تضيع هباء في صفوف الزيارات”.

يتابع: “على مدار السنوات الماضية توجهنا لعدد من المؤسسات على أمل الإفراج عن ذوينا؛ مثل المجلس القومي لحقوق الإنسان والنيابة العامة بلا جدوى، وعندما بدأت لجنة العفو عاد الأمل إلينا، وقدمنا أسماء ذوينا بشكل متكرر وتواصلنا مع أعضاء لجنة العفو، لكن مع الأسف دون نتيجة حتى الآن”.

يؤكد المسؤول في المبادرة الوليدة أن استعداد أسر السجناء المنضمين إلى المبادرة لأية شروط إذا كان ذلك يعني عودتهم من السجن للحياة، مؤكدًا أن المبادرة مستقلة لا تنتمي إلى جماعة أو حزب أو مؤسسة، ولا أحد يمثل المبادرة سوى أسر السجناء، مشيرًا إلى أن المبادرة ليس الغرض منها محاولة للضغط، وإنما رجاء ومناشدة وأمل.

بعد أيام قليلة وصل عدد الموقعين على استمارة المبادرة إلى 7295. النسبة الغالبية منهم من أسر سجناء بواقع  5222، فيما بلغ عدد المتضامنين الموقعين على المبادرة نحو 2073. وانضم ودعم المبادرة عدد من الشخصيات العامة من بينهم؛  النائب عبد المنعم إمام عضو البرلمان، والمحامي طارق العوضي عضو لجنة العفو الرئاسي، ووزير القوى العاملة الأسبق كمال أبو عيطة، وعضو لجنة العفو الرئاسي، والسياسي ياسر الهواري.

 

ملف مزعج

تعليقًا، يقول المحامي طارق العوضي -عضو لجنة العفو الرئاسي-، أن هذه المبادرة مقدمة من أسر السجناء تطالب بإطلاق سراح ذويهم في مقابل تقديم كافة الضمانات والتعهدات، مشيرًا إلى أن استشعار الأسر أهمية تنظيم أنفسهم في هيئة مبادرة لإطلاق مناشدات جماعية وحديث بشكل جماعي أمر محمود.

يوضح عضو لجنة العفو الرئاسي أن المبادرة تواصلت معي ومع الوزير أبو عيطة، ومن جهتهم قدمنا هذه المبادرة للأجهزة المعنية في مصر، مضيفًا: “نتمنى أن يحدث تواصل بشكل مباشر بين الدولة والأسر، ويكون هناك رسائل لـطمأنتهم واضحة”.

ويعتقد “العوضي” أن حديث وزير الشؤون النيابية والاتصال السياسي المستشار محمود فوزي عن إعادة العفو الرئاسي مرة أخرى يعد استجابة لهذه المبادرة، متمنيًا خروج كل المحبوسين في قضايا الرأي، مؤكدًا ضرورة إغلاق ملف السجناء السياسيين، الذي وصفه بـ “المزعج”، ومشيرًا إلى أنه من مصلحة الدولة المصرية أيضًا إغلاق هذا الملف بشكل عاجل.

في تصريحات صحفية قال المستشار محمود فوزي – وزير المجالس النيابية والقانونية والتواصل السياسي-، إنه يجري حاليًا إعداد قوائم الشباب المحبوسين تضامنًا مع فلسطين، مشيرًا إلى أنه ستُرْسَل إلى السلطات القضائية المختصة للنظر فيها.

وأشار إلى تلقيه توجيهات من رئيس الحكومة مصطفى مدبولي، بتكثيف التواصل مع لجنة العفو الرئاسي واللجان المشابهة، معربًا عن تفاؤله بحدوث انفراجة في هذا الشأن خلال الأسابيع القليلة المقبلة، يتابع: “كُلِّفْت من مدبولي بتكثيف التواصل مع لجنة العفو الرئاسي وكل اللجان المشابهة، بحيث أن حالة الانفراجة التي حدثت في المجتمع المصري تتسع وأجواء الارتياح تسود، نأمل خيرًا وإن شاء سنجد خطوات إيجابية سريعة في الأسابيع القليلة المقبلة”.

في السياق ذاته، يقول السياسي ياسر الهواري أحد الذين استهدفتهم المبادرة لتبنيها: “تواصلت معي المبادرة منذ يومها الأول، ولم أحاول استفسر عن هويتهم؛ لأن بالنسبة لي الموضوع ليس فيمن وراء المبادرة، وإنما ما هو موضوعها. بعد قراءتي للمبادرة وجدت أن صياغتها والمناشدة التي تتضمنها مقبولة جدًا، ما دفعني إلى نشر المبادرة والتوقيع عليها”.

ويميل “الهواري” إلى هذه النوعية من المبادرات التي وصفها بالعقلانية، مضيفًا: “نحن طرفان منذ أكثر من عشر سنوات وحتى الآن في صراع دون الوصول إلى نتيجة، فهذه النوعية من المبادرات بها عقلانية شديدة، وأنا تقديري أن الدولة تستجيب لهذه النوعية من المبادرات والمناشدات، وفي النهاية نحن نريد ونتمنى انتهاء الأزمة وخروج المحبوسين على ذمة قضايا رأي هذا الهدف، وليس الهدف تسجيل مواقف وفقط لأنها لم تأت بثمارها على مدار السنوات الماضية”.

الجدير بالذكر أنه في أبريل من عام 2022، أعيد تفعيل لجنة العفو الرئاسي عقب حفل إفطار الأسرة المصرية، الذي دعا فيه الرئيس عبد الفتاح السيسي، إلى عقد حوار وطني، قائلاً: “إن الوطن يتسع لنا جميعًا، وأن الاختلاف في الرأي لا يفسد للوطن قضية”. ومنذ هذا التاريخ أصدر عدد من قرارات إخلاء السبيل لبعض من المحبوسين احتياطيًا، إضافة إلى قرارات عفو لمن أصدرت في حقهم أحكامًا نهائية، إلا أن تلك القرارات اختفت مرة ثانية في ظروف غامضة دون أسباب.

 

 

الحبس الاحتياطي 

أخذت الحرب على غزة والأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد نصيب الأسد من انتباه الرأي العام خلال الأشهر الماضية، ما ألقى بظلاله على ملف السجناء السياسين، وسط تراجع شديد في أعداد المخلى سبيلهم والمعفو عنهم.

من جهته، يرى المحامي الحقوقي ممدوح جمال، أن هذه المبادرة ستعيد إحياء ملف السياسيين المحبوسين سواء على ذمة قضايا نشر أو رأي، وسواء محبوسين احتياطيًا، أو صدر في حقهم عقوبة جنائية، خصوصًا أن في الأشهر الماضية تراجع الاهتمام بالملف، بسبب الأزمات المتتالية من أوضاع اقتصادية وقضايا إقليمية؛ ما نتج عنه تذيل هذا الملف قائمة أولويات الرأي العام، مشيرًا إلى أهمية الخطاب الإنساني الذي تبنته المبادرة بدلًا من السياسي.

يوضح أن استمرار حبس السياسيين احتياطيًا، واستخدام عقوبة الحبس بشكل عام ضد السياسيين بسبب آرائهم أو مواقفهم ضد الحكومة والسلطة الحالية هو أمر في غير محله إطلاقا سياسيا وأمنيًا.

يشير المحامي الحقوقي إلى أن لجوء الأجهزة المعنية إلى الحبس الاحتياطي خلال الفترة 2013 و2014، “كان له مبرر لما كانت تمر به البلاد من عمليات نوعية إرهابية وحالات عنف، فكان للسلطات مبررها في توسيع دائرة الاشتباه، لكن الآن هذه الحالة غير موجودة، وأصبح لا يوجد مبرر لاستخدام هذه العقوبة والاستمرار فيها”.

يستطرد أن حبس السياسيين احتياطيًا بافتراض حسن النية يطعن في كل المؤشرات والحديث عن انفراجة سياسية بين السلطة والمعارضة، وإذا كانت الدولة تتحدث عن الجمهورية الجديدة، فهذا يتطلب بالتأكيد سياسات جديدة في التعامل مع المعارضين.

يؤكد “جمال” أن أزمة السجون ليست في التكدس، لكن في حبس المتهم بين جدران دون ممارسة أية أنشطة ما يشعره بالموت البطيء، والسجن يفترض أنه دار إصلاح وتأهيل بالمسمى الحديث لقطاع الحماية المجتمعية بدلًا من السجون سابقًا، فمن المفترض أن يعاد تأهيل المتهم داخل القطاع، لكن ما يحدث عكس ذلك سواء للمسجون السياسي أو الجنائي، موضحًا أن قرار إخلاء سبيل السجناء السياسيين يصدر عن النيابة العامة، والمحكوم عليه نهائي يصبح أمامه العفو الرئاسي من قبل رئاسة الجمهورية. ونأمل أن نشهد خلال الفترة القادمة قرارات إخلاء سبيل من النيابة وعفو رئاسي.

ويؤكد المحامي الحقوقي أن هناك وسائل وآليات كثيرة من الممكن أن تلجأ إليها السلطات المعنية بدلًا عن استخدام عقوبة الحبس الاحتياطيّ؛ أهمّها الأسورة الإلكترونيّة والّتي طبّقت كنموذج في بعض المجتمعات، ولكنّ هذا يتطلّب تعديلًا تشريعيًّا، فمن الممكن أن تطبق إجراءات أخرى بدلًا من ضياع أعمارهم في الحبس.

 وعن تراجع نشاط لجنة العفو، يرى “ممدوح” أنّ اللجنة لا تلام، إذًا أنّها أعدّت القوائم اللازمة، وأنّ اللوم الشديد يقع على الأجهزة الأمنيّة والسياديّة الّتي لم تتّخذ القرار، وأنّ الصورة الذهنيّة للزجّ بالناس داخل السجون ليست إنقاذًا وطنيًّا، لأنّ النتيجة مكلّفة جدًّا، وأظنّ أو من مصلحة الجميع مواطنين ونظام سياسيّ إنهاء هذا الملفّ سريعًا.

 

مزيد من المحبوسين

وردت معلومات إلى زاوية ثالثة تُظهر تصاعد حدة الحملات الأمنية على في الأيام الأخيرة على خلفية دعوات مجهولة للتظاهر غدًا الجمعة، إذ تُكثّف السلطات عمليات التفتيش العشوائي للمواطنين في الشوارع والأماكن العامة، وتفتش هواتفهم المحمولة، وتحتجز من تشتبه به، فبالتالي تتصاعد أعداد السجناء السياسيين. وقد ترددت أنباء عن القبض على عدد من المواطنين والتحقيق معهم في نيابة أمن الدولة العليا، وحتى الآن لا توجد أية بيانات رسمية أو تصريحات بشأن تلك الأنباء.

يقول الباحث الحقوقيّ والسياسيّ مصطفى شوقي، أنّ هناك تناقضًا رئيسيًّا بين خطاب الحكومة ممثّلة في رئيس الوزراء الّذي أكّد أمام البرلمان أنّ أحد أهمّ أهداف الحكومة، العمل على تحقيق مخرجات الحوار الوطنيّ والتحضير لــجولة جديدة له، مبيّنًا أنّ الضمانات الّتي قبلت على أساسها القوى السياسيّة المشاركة في الحوار لا تزال معلّقة، وعلى رأس هذه الضمانات ملفّ سجناء الرأي.

يوضّح شوقي، أنّه بالإضافة إلى تعثّر ملفّ سجناء الرأي هناك استباحة أمنيّة للمواطنين على خلفيّة أيّ دعوات مجهولة للتظاهر، ما يزيد عدد سجناء الرأي بشكل فجّ منذ القبض على المواطنين على خلفيّة التضامن مع غزّة وما تلاها من أحداث وتحرّكات، مشيرًا إلى أنّ جميعها إشارات توضّح أنّ السلطة تتراجع للخلف في دعوات الإصلاح السياسيّ ومسارات التهدئة الّتي كانت تتبنّاها آخر عامين. ويبدو من هذا المناخ أنّه لا توجد فرص حقيقة لانتخابات برلمانيّة تنافسيّة مسموح فيها لكلّ الأطراف الوصول للجمهور والتفاعل معه، ما يعني إعادة إنتاج مشهد انتخابات 2020 وهو مشهد مسيء ومضرّ للبلاد.

في مايو من عام 2022، أطلقت عدد من المنظمات الحقوقية مقترحًا بمعايير وضوابط للإفراج عن جميع السجناء السياسيين في مصر، ضمن مبادرة “أول سبع خطوات” التي أطلقتها ووقعت عليها في 2021 أكثر من 50 من منظمات المجتمع المدني والأحزاب وتجمعات المصريين في الداخل والخارج وهيئات حقوق الإنسان الإقليمية والدولية.

وقدم المقترح أولويات عاجلة لقرارات الإفراج عن المسجونين السياسيين؛ من بينها حالات المرضى والقاصرين وكبار السن، والمحبوسين في قضايا النشر، بالمخالفة للدستور، وجميع من تجاوزوا الحد الأقصى للحبس الاحتياطي، حتى لو حُبِسُوا على ذمة قضايا جديدة ما يعرف بظاهرة “تدوير المعتقلين السياسيين”. فضلًا عن الإفراج عن كل المحبوسين احتياطيًا ممن مر على حبسهم ستة أشهر كحد أقصى، دون أن يتوافر لدى النيابة ما يكفي من الأدلة لإحالتهم للمحاكمة. والعفو عن باقي العقوبة لمن سبق الحكم عليهم بتهم سياسية، وقضوا أكثر من نصف العقوبة، وحُرِمُوا من حقهم في الإفراج الشرطي دون مبرر سوى طبيعة التهم الموجهة إليهم.

شيماء حمدي
صحفية مصرية، تغطي الملفات السياسية والحقوقية، وتهتم بقضايا المرأة. باحثة في حرية الصحافة والإعلام والحريات الرقمية.

Search