حجب المستندات وتزوير الرواتب: نساء يكتشفن أن محاميهن خصم لا مدافع

نساء يكتشفن أن محاميهن لم يقدم الصيغة التنفيذية لأشهر ثم يطالب بمضاعفة الأتعاب، وأن دعوى زيادة النفقة خُسرت لأنه قدّم مفردات راتب الزوج من 2019 في قضية 2023، في ظل مادة قانونية تجيز حبس الوثائق ومدونة سلوك مهنية للمحامين معلقة منذ 2023
Picture of مروة محيي الدين

مروة محيي الدين

في أكتوبر الماضي وكلت رانيا كمال، كاتبة روائية، محاميًا لاستكمال إجراءات دعوى “متجمد نفقة”، اضطرت إليها بعد امتناع طليقها، عن تنفيذ حكم صادر من محكمة الأسرة لسداد نفقات  زوجية و نفقة صغير.

وهي دعوى تُقام أمام محكمة الأسرة من جانب الزوجة الحاصلة على حكم نهائي بالنفقة ضد الزوج الممتنع عن السداد، رغم قدرته على الوفاء بالمبلغ المحكوم به، وتستند إلى (المادة 76)  مكرر من قانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية، والتي تجيز للمحكوم له طلب حبس المدين بالنفقة إذا ثبت للمحكمة قدرته على السداد وامتناعه عن التنفيذ.

وكانت “رانيا” تعرفت إلى هذا المحامي بعد ظهورها في برنامج نسائي شهير، سردت فيه مشكلتها حول امتناع زوجها عن تسديد النفقة، لتتلقى اتصالًا، منه بعدها، أخبرها خلاله أنه شاهد الحلقة وعلى معرفة بالزوج “أكد أنه يمتلك مستندات وعقودًا لقطع أراض ستدعم موقفها القانوني حتى لا يتهرب أمام المحكمة”، وقد وافقت  على توكيله لقضيتها مع منحه كل الثقة. 

وبعد عدة أشهر، فوجئت في أبريل الماضي بأنه لم يسلم الصيغة التنفيذية للدعوى، إلى المُحضر، حتى يخطر الزوج، وكان موعد التسليم في نوفمبر الماضي، بعد صدور الحكم، بالرغم من تأكيده أنه قدمها وأعلن الخصم، ليبدأ في إجراءات السداد بينما ظلت رانيا منتظرة أي جديد في قضيتها طوال هذه المدة، دون جدوى. 

توضح “رانيا في حديثها لـ”زاوية ثالثة، أنها اكتشفت الأمر، عندما ذهبت إلى المحكمة لاستلام جزء من متجمد النفقة التي وصلت في الإجمالي وقتها إلى 86 ألف جنيهًا، بناءً على المعلومات التي وردتها من المحامي قبل أن تلغي التوكيل، بأن الزوج قد أُعلن ودفع قسطًا منها. 

وبعد استفسارات عديدة، أبلغها أحد الموظفين في المحكمة، أن المحامي قدم الأوراق منقوصة، ولم سجلها وفق الإجراء القانوني المُتبع، و بمواجهته صُدمت برفضه تسليمها الصيغة التنفيذية، مشترطًا مضاعفة الأتعاب، رغم أنها “تكفلت بمصروفات القضايا، من انتقالات ورسوم إدارية، ولديّ ما يثبت التحويلات المالية إلى رقمه، فيما اتفقت معه على تقاضي نسبة 15% من النفقة بعد استلامها”.  

قررت “رانيا”، تحرير محضرًا ضده في مركز شبين القناطر، لكنها تراجعت بسبب تدخل النقابة الفرعية لتسوية الأمور وديًا، لكنها “فوجئت بنقيب المحامين يطلب منها التوقيع على إيصال أمانة بقيمة 15 ألف أتعاب المحامي، في حين أنه تعطل بصرف نفقة ابنها وتسبب في إيذائها وخان الأمانة، بحد وصفها، لذلك رفضت التوقيع واشترطت عمل عقد اتفاق، يضمن حقها في إعادة الصيغة التنفيذية وفي المقابل تدفع الـ 15% المتفق عليها فقط، لا أكثر فيما طلب المحامي 30 بالمئة، وذلك بعد استلام النفقة، ما تسبب بفشل الاتفاق.

وتواصلت “زاوية ثالثة” مع النقابة الفرعية، للحصول على رد رسمي بشأن ما ورد في الشكوى، إلا أننا لم نستطع الحصول على تعليق.

 

نوصي للقراءة: قانون اللجوء المصري يدخل التنفيذ: مخاوف من تهميش الحماية لصالح الأمن

ضرر مادي.. وبداية من الصفر

تصف “رانيا” ما تعرضت له بأنه “صادم وقاسٍ”، وتقول إنه بدلًا من أن تقترب من إنهاء المشوار، عادت إلى الصفر، بعد أن اضطرت إلى رفع دعوى لسحب الصيغة التنفيذية، حتى تتمكن من إعلان الزوج ومطالبته بدفع متجمد النفقة، وما يزيد الأمر سوءًا أن طفلها يعاني من الغدة الدرقية ويحتاج إلى متابعة دورية من فحوصات وتحاليل، بالإضافة إلى مصروفات الحضانة، ذلك إلى جانب متطلبات المنزل من مسكن ومأكل وغيره.

تحكي أنها طوال الفترة الماضية ووالدها يتولى مسؤوليتهما كاملة، رغم تقاعده، كما أنها اضطرت إلى بيع ذهبها، لتسهم في نفقات المعيشة بجانب أبيها لحين استرداد حقها.

رانيا ليست الوحيدة، فرغم غياب الإحصاءات الرسمية التي ترصد حجم الشكاوى، تؤكد مؤسسات قانونية وحقوقية، على توسع الظاهرة مؤخرًا، وتقول جواهر الطاهر، مديرة برنامج الوصول للعدالة بمؤسسة قضايا المرأة المصرية، إن المؤسسة تستقبل شكاوى متكررة في هذا الصدد، من سيدات تعرضن لخسارة القضايا أو تعطلها بسبب إهمال متعمد من قبل المحامين أو تواطئ لصالح أزواجهن، مقابل التنازل عن الدفاع “عن طريق دفع مبلغ مالي من قبل الزوج للمحامي لحجب مستند ما أو تزوير”.

وتوضح لـ”زاوية ثالثة” أنهم يكتشفون هذا التقصير من خلال حيثيات الحكم أو إجراءات التقاضي، إذ يتبين أن المحامي لم يقدم المستندات المطلوبة منذ بداية الدعوى وتعمد إخفاؤها سواء كان في دعاوى زيادة النفقات أو غيرها، مضيفة “عندما نراجع الحكم ولا نجد زيادة في النفقة، نعرف أن مفردات المرتب أو الوثائق عمومًا لم تُقدم بشكل صحيح أمام المحكمة”، لأن القاضي يذكر أسباب إصدار الحكم بالرفض “هنا بعرف إن المحامي لم يؤدي عمله كما ينبغي”.

وواجهت رنا محمد، المقيمة في الجيزة، والتي تبلغ 35 عامًا، واقعة أخرى صادمة، ولم تتمكن من الحصول على زيادة نفقة صغيرها، فبعد أن ألغت توكيلًا لمحامي، لم تسلم من الذي تلاه.

تحكي لـ”زاوية ثالثة”: “في 2023 وكلت محاميًا لرفع زيادة نفقة، وبعد فترة تواصل معي أبلغني أنه حُكم لي بزيادة 2000 جنيهًا، ثم انقطعنا عن التواصل بسبب تعرضي لحادث، وحين اتصلت به فيما بعد، أخبرني بأنني خسرت القضية، سألته عن السبب طالما حُكم في أول درجة بالزيادة، كذب عليّ وحجته إن المحامي المساعد أورد له معلومات خاطئة، ما جعلها تندهش وتتساءل كيف يحدث ذلك ويوجد باركود مخصص لكل قضية للكشف عن بياناتها”.

وبعد وقت قصير اكتشفت “رنا” أن السبب الرئيسي في خسارة الدعوى، هو تقديم المحامي نفس مفردات أجر الزوج 2019 في عام 2023 حتى لا تحصل على الزيادة، موضحة أن “لا تُرفض دعوى زيادة نفقة سوى في حالة إحضار نفس الأجر”.

ذلك ما كشفه مدير الشركة التي يعمل فيها طليقها بعد أن قررت ألا توكل محاميًا مرة أخرى، وتسعى بنفسها لتحصيل طلبات القاضي حتى تثبت الدخل الحقيقي، فأخبرها أن الدخل الذي يتقاضاه لم يكن المُقدم للمحكمة في هذه السنة، بل كان مضاعفًا، مؤكدًا أنه “كان يتقاضى راتب أعلى بكثير من المقيد”.

قبل ذلك ظلت رنا لمدة عامين غير قادرة على الإنفاق على طفلها، الذي وُلد في 2018، بسبب المحامي الذي تعرّفت عليه من خلال صديقة لرفع دعوى نفقة زوجية وصغير، بعد قدوم مولودها، وجدت نفسها عالقة في دوامة الانتظار، وهي تظن أن التأخير يعود لطول الإجراءات القضائية، حتى صُدمت أن المحامي رفع الدعوى في 2019، أي بعد عام من طلبها، دون أن يخبرها، مما أثر عليها وطفلها في وقت لم تملك وظيفة أو دخل شهري “كنت أتواصل معه شهريًا حتى أعرف موعد حكم النفقة، وأطلب منه أن يعجل”.

ولم يكتف بذلك، تضيف رنا لـ “زاوية ثالثة” أنه “استلم الصيغ التنفيذية لأحكام النفقات، رفض أن يسلمها لها، وطلب مضاعفة الأتعاب”، فيما عرفت من مساعدته “أنه يعمل في مهنة أخرى غير المحاماة، وهو ما لا يتوافق قانونًا مع قواعد المهنة. 

وفي 2023 فوجئت نادية علي، اسم مستعار، التي تبلغ 42 عامًا، والمقيمة في الشرقية، بقرار بالطرد من محلها الذي ورثته وشقيقاتها عن والدها، بسبب نزاع قضائي بين ورثة أبيها من أشقائه، لتكتشف بعد ذلك أن المحامي الذي وكلته بالنظر في القضية لم يحضر الجلسات، ولم يقدم الأوراق الكافية لضمان حقها، ما تسبب بضياعه. 

يُعد عدم إبلاغ الموكل بمواعيد الجلسات أو مستجدات الدعوى إخلالًا بواجبات المحامي المهنية المنصوص عليها في المادتين 63 و78 من قانون المحاماة رقم 17 لسنة 1983، اللتين تلزمانه بإحاطة موكله بمراحل سير الدعوى والأحكام الصادرة فيها ومواعيد الطعن عليه.

إشكاليات إجرائية تدفع ثمنها النساء

من جانبها، تقول المحامية هبة عادل، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة محاميات مصر، إنه يوجد إشكالية في مسار الإجراءات، تنعكس على مصائر النساء، مشيرة إلى استمرارية استخدام القانون أدوات غير فعالة في التنفيذ، وبدائية طرق التحري في قضايا النفقات تحديدًا، ما يفتح الباب أمام التلاعب القانوني ووقوع جرائم التزوير.

وتضيف لـ”زاوية ثالثة” أن هناك حلول للحد من حدوث أي تلاعب، مقترحة فرض إجراء قانوني يسمح بوضع معايير محددة للتحري عن الدخل، مع تفعيل الاستقطاع المباشر من دخل الزوج تلقائيًا، وتفعيل الزيادة الدورية وفقًا لتغير راتبه على مدار السنين، إلى جانب تفعيل النص القانوني الخاص بتحديد نفقة مؤقتة لحين الفصل في الدعاوى.

وترى “هبة” أن مثل هذه الحلول من الممكن أن تساهم في تحسين الأوضاع وتسد باب التلاعب بالإجراءات، مضيفة أن معاملة التحري عن الدخل كعبء إثبات على أطراف الدعوى وإتاحة الفرصة لهم بالتواصل مع جهات العمل واستلام التحري وتسليمه بالمحكمة يفتح الباب أمام استغلال البعض لهذه الثغرات الواسعة في القانون.

وتلفت إلى أنه وفقًا لتقارير وحدة الدعم القانوني بالمؤسسة فإن معدل استغلال المحاميات لهذه الثغرات القانونية أقل بكثير من المحامين، مؤكدة أن لهذا السبب يفضلن العديد من النساء اللجوء إلى المحاميات، تحديدًا في قضايا الأحوال الشخصية والعنف، لأنهن يشعرن بالأمان أكثر.

وتوضح “هبة” أن القانون يعطي الحق للخصم في الطعن على المستندات المعروضة أمام المحكمة، في أي مرحلة من مراحل الدعوى، وفي هذه الحالة تلزم المحكمة الطرف الآخر بتقديم أصل المستند، وإذا ظنّ وجود تزوير في المعلومات، أو تزوير مادي فإن المحكمة تتخذ إجراءات الطعن بالتزوير، ومن ثم إحالة المستندات إلى الفحص الفني للتأكد من سلامتها، مشيرة إلى أن الوقائع والمخالفات التي تصدر عن المحامين لها طريقين للملاحقة القانونية، الأول تأديبي من خلال نقابة المحامين حال الإخلال بقواعد وسلوك وآداب مهنة المحاماة، والثاني إذا كان الفعل يمثل جريمة جنائية فيكون الإبلاغ والمحاسبة وفقًا لقانون العقوبات.

ويمنح القانون الخصوم الحق في الطعن بالتزوير على المستندات المقدمة في أي مرحلة من مراحل الدعوى، عبر تقرير يُودع قلم الكتاب، وفقًا للمادة 49 من القانون رقم 25 لسنة 1968. 

وتؤكد المحامية انتصار السعيد، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، أن من حق النساء الحصول على صور من جميع المستندات المتعلقة بقضاياهن حماية لهن من أي تلاعب قانوني أو نزاعات محتملة، موضحة أن ذلك يشمل الاحتفاظ بصورة من التوكيل، ونسخة من ملف الدعوى، وأيضًا الحصول على رقم الدعوى القضائية للمتابعة، موضحة أنه من المفترض أن يسلم المحامي أصل الصيغة التنفيذية للموكلة، التي استلمها، خاصة أنها تُصدر مرة واحدة لا غيرها.

ويُشكل  تقديم مستندات دخل أو مفردات مرتب مزورة أمام المحكمة جريمة تزوير في محررات رسمية واستعمالها مع العلم بتزويرها، وهي جرائم يعاقب عليها قانون العقوبات بالسجن المشدد وفقًا للمادتين 206 و214 من القانون رقم 58 لسنة 1937. ومؤخرًا، قضت محكمة جنايات أسيوط بالسجن ثلاث سنوات على عدد من السيدات في القضية المعروفة إعلاميًا بـ”فتيات أسيوط”، بعد إدانتهن بتزوير مفردات مرتب والدهن واستخدامها أمام محكمة الأسرة لزيادة قيمة النفقة المقضي بها.

ويعد إخفاء الأوراق جريمة عقوبتها السجن المشدد وفقًا للمادة 112 و113 من قانون العقوبات، التي تنص على أن كل موظف عام اختلس مالًا أو أوراقًا أو غيرها وجدت في حيازته بسبب وظيفته يعاقب بالسجن المشدد، والمادة 113 إذا كل موظف عام استولى بغير حق على مال أو أوراق لإحدى الجهات المبينة في المادة 119 سهل ذلك لغيره بأية طريقة كانت يعاقب عليها بالسجن المشدد.

وفي المادة 89 من القانون نفسه، تنص أن على المحامي عند انتهاء توكيله لأي سبب من الأسباب أن يقدم بيانًا إلى موكله بما يكون قد تم دفعه أو تحصيله ناشئًا عن الدعوى أو العمل الموكل إليه بمناسبتها وأن يرد إلى الموكل جميع ما سلمه إليه من أوراق ومستندات ما لم يكن قد تم إيداعها وأن يوافيه بصور المذكرات والإعلانات التي تلقاها باسمه، كذلك يمكن للموكل مطالبة المحامي بتعويض مدني جراء الأضرار التي نتجت عن أخطائه المتعمد.

وترى أميرة البنا، محامية جنائية، أن تقاعس بعض المحامين عن أداء واجبهم المهني قد يكون في أحيان كثيرة تكاسل لصالح الخصم، موضحة لـ”زاوية ثالثة أن بعض المحامين يتقاضون رشاوي تحديدًا في قضايا النفقات مقابل التراخي في البحث لإثبات الدخل الحقيقي، أو أي ممتلكات أخرى قد تفيد في مجرى القضية، لافتة إلى أنها تعرضت لذلك، إذ عرض عليها خصم موكلتها مبلغ مالي حتى لا تجري تحرياتها عن أجره الذي يتقاضاه من عمله في الخارج، وامتلاكه العديد من العقارات والسيارات.

وتؤكد أن هذه الوقائع تتنافى مع نص المادة 63 من قانون المحاماة بإلزام المحامي بالدفاع عن المصالح التي تعهد إليها بكفاية وأن يبذل في ذلك غاية جهده وعنايته، وألا يقدم أي مساعدة أو مشورة للخصم بأي شكل.

 

نوصي للقراءة: عزة سليمان: التعامل الأمني مع حالات اليأس حل قاصر.. والدولة تراجعت عن الحماية الاجتماعية


إباحة حجز المستندات

في المقابل يرى محامون أن احتجاز الأوراق عُرف سائر داخل المهنة، معتبرين ذلك ضمانًا لتحصيل مستحقاتهم المالية، في حال تهرب الموكلين من سدادها، ويتضاعف خطر الإشكالية بتأييد المادة 90 من القانون رقم 17 لسنة 1983 وتعديلاته، التي تمنح المحامي حق حبس الوثائق الخاصة بموكله، في حال وجود عقد كتابي على الأتعاب أو حبس المبالغ المحصلة لحسابه بما يعادل قيمة الأتعاب المتفق عليها التي لم يتم سدادها له.

وإذا لم يوجد اتفاق كتابي على الأتعاب، للمحامي أن يستخرج صورًا من هذه الأوراق والمستندات التي تصلح سندًا له في المطالبة، وذلك على نفقة موكله، ويلتزم برد الصور الأصلية لهذه الأوراق متى استوفى من موكله مصروفات استخراجها، حتى لا يترتب على حبس الأوراق والمستندات تفويت أي ميعاد محدد لاتخاذ إجراء قانوني يترتب على عدم مراعاته سقوط الحق فيه.

وقد رفضت المحكمة الدستورية العليا الطعن على دستورية هذه المادة في عام 2023، في الدعوى رقم 73 لسنة 35 قضائية التي أقامها أحد المحامين عام 2013، بعد أن دخل في نزاع قضائي مع أحد موكليه، بسبب استيلائه على وثائق خاصة بموكله، واستخرج صورة تنفيذية لحكم صادر لصالح الأخير، واحتبسها لديه، دون اتفاق كتابي على الأتعاب مما أضر بمصلحة موكله، وحكمت المحكمة غيابيًا على المحامي بستة أشهر في مايو 2011، ومازالت المادة موجودة على صفحة نقابة المحامين. 

وتقول محامية بالنقض، فضّلت عدم ذكر اسمها، إن احتجاز الوثائق أو الامتناع عن تسليمها أو تقديم مستندات وبيانات غير دقيقة أمام المحكمة، مما يؤثر على سير القضايا وحقوق الموكلات جريمة يعاقب عليها القانون، ويمثل خطأ مهنيًا جسيمًا، حتى في حال وجود خلافات تتعلق بالأتعاب، لأنه ينتج عنها وقوع أضرار مادية ومعنوية كبيرة.

وتوضح أن في هذه الحالة للموكلة الحق في التقدم ببلاغ إلى النيابة العامة جراء احتجاز أوراقها وستقوم النيابة باستدعاء المحامي للتحقيق على الفور، حتى ولو لم تملك أي إثبات لإدانته، لأنه يكون قد وقع في المحكمة باسمه وبموجب رقم توكيل على استلام هذه المستندات والأحكام التنفيذية، فبإمكانها استخدام ذلك في البلاغ، لأنه المُدان الوحيد “لأن ليس حقه في التحفظ على أوراق، بذلك هو مُدان”، مشيرة إلى وجود إشكالية في استبعاد غالبية النساء لهذه الخطوة، وإقامتهن دعاوى لاستخراج الأحكام التنفيذية مرة أخرى، وبذلك يهدرن وقتهن.

وتلفت إلى أنه يوجد مسارًا آخر، يتمثل في التقدم بشكوى إلى النقابة الفرعية التي حدثت الواقعة في دائرتها، التي تُحال إلى اللجنة التأديبية، قبل إرسالها إلى النقابة العامة للتحقيق في مضمونها.

وتضيف أن في حال ثبوت الواقعة ومخالفة المحامي ضوابط المهنة، قد يواجه عقوبات تأديبية تصل إلى وقوفه عن مزاولة المهنة لمدة تصل إلى ثلاث سنوات، فضلًا عن إمكانية إحالته إلى المحاكمة الجنائية، بحسب تصريحها لزاوية ثالثة.

وفي حال امتنعت النقابة الفرعية تحرير الشكوى، أو اتخاذ إجراءات بشأنها كما حدث مع رانيا، تشير المحامية إلى أن من حق الموكلة التقدم بشكوى ضد النقابة الفرعية نفسها أمام النقابة العامة للمحامين.

 

نوصي للقراءة: أين تذهب مخصصات التغذية المدرسية في مصر؟


تمكين النساء قانونيًا

من جانبها توضح جواهر الطاهر أن مؤسسة قضايا المرأة المصرية تحاول التصدي لهذه الإشكالية، منذ بداية التعاقد مع المحامين، من خلال متابعة القضايا ومطالبتهم بتقديم تقارير منتظمة بآخر تحديثات من حيث صدور القرارات، مواعيد الجلسات، واستلام الأحكام، ذلك إلى جانب الاطلاع على صحيفة الدعوى، لافتة إلى أن وجود أطراف أخرى يلجأن الموكلات لهم غير المحامي يضمن حقهن خصوصًا في حال شكواهن من عدم حضور المحامي وإبلاغهن بمعلومات غير صحيحة.

وترى أن تمكين النساء قانونيًا أصبح أمرًا ضروريًا، ولا يحدث ذلك إلا من خلال تقديم الوعي طوال الوقت بحقوقهن القانونية، وكيفية الحصول على مطالبهن، حتى لا يجدن أنفسهن عرضة للابتزاز والاستغلال من قبل الغير، مشيرة إلى أن يوجد نسبة تعاني من الأمية القانونية بسبب تلقي معلومات خاطئة من الخارج قد تضرهن.

ولهذا السبب توضح الطاهر أن من الضروري إلمامهن بكافة المعلومات والوقت المستغرق في كل قضية “إذا شُطبت الدعوى، يجب أن تكون على علم بالسبب، وتفسير إصدار حكم قضائي معين، بالإضافة إلى مواعيد الجلسات، ومدى أهمية حضورها من عدمه”.

بدورها تؤكد أسماء دعبيس، ناشطة نسوية ومؤسسة مبادرة “بنت النيل”، على ضرورة متابعة الإجراءات مع المحامين، مع التأكيد دائمًا على حضور الجلسات حتى ولو كانت غير مهمة.

وتنصح بطلب التوضيح فيما يخص التحديثات، والحصول على المعلومات كاملة؛ ومسار التقاضي؛ معللة ذلك “أن العلاقات لا يجب أن تبنى على الثقة المطلقة”، خاصة في ظل تواتر الشهادات حول سلب المحامين الأتعاب وفي المقابل إيهام النساء بتطور قضاياهن وإعطاؤهن مواعيد مزيفة للجلسات مما يطول طول فترة الدعاوى، مؤكدة أن الموكلة غير ملزمة سوى بالأتعاب المتفق عليها إلا في حال زيادة عدد القضايا.

وفي السياق ذاته تشدد المحامية بالنقض على أهمية إبرام اتفاق الأتعاب داخل مكتب المحامي مباشرة، مع توثيق المبالغ المالية التي يتسلمها مقابل مباشرة الدعوى في عقد يوقعه الطرفان، كما توصي بضرورة تحرير إيصال أو ورقة تفيد باستلام المحامي، المستندات الخاصة بالقضية من موكله، بإمضاء المحامي، بما يضمن توثيق الأوراق المقدمة إليه واستخدامها ضمن ملف الدعوى.

 

نوصي للقراءة: النفقة مقابل الخدمات: هل تدفع الدولة الآباء للسداد أم تدفعهم خارج سوق العمل؟

غياب الرقابة

وبسؤالها عما إذا هناك فرض رقابة على أداء المحامين داخل المحاكم، كشفت المحامية بالنقض أنه لا يوجد رقابة فعلية لا على أداء المحامين ولا الأتعاب المستحقة لكل محامي.

وفي هذا السياق تحدثت مشروع مدونة السلوك الذي أُصدر من قبل النقابة العامة في 2023، لتنظيم العلاقة بين المحامي والموكل، قائلة إنه مازال معلقًا إلى الآن.

وكانت نقابة المحامين أعلنت عن مشروع مدونة السلوك المهني للمحامين بعد الاطلاع على أحكام الدستور بالمواد 77، 98، 198 والاطلاع على قانون المحاماة بالمواد 62 وما يليها، بعد اتفاق مجلس النقابة العامة على إصدارها، لعرضها على الجمعية العمومية.

وجاءت المدونة تطبيقًا لنص الفقرة الثانية من المادة 62 من قانون المحاماة رقم 17 1983 والمُضافة بالقانون رقم 147 لسنة 2019، بتعديل بعض أحكام قانون المحاماة.

وأشارت إلى أن أهم محاورها حجب التعامل بين المحامي وخصم الموكل، إلا بعد إنهاء الأعمال بينه وموكله الأصلي، فلا يصح أن يقبل قضايا من الخصم؛ حفاظًا على أسرار موكله وإلا سيكون مخالفًا لقواعد المهنة، وسيحول إلى التأديب، مضيفة أنها تناقش أهمية مظهر المحامي وسلوكياته وأداؤه المهني بالأخص، وبالاطلاع على المدونة فهي تهدف إلى فرض مجموعة من الضوابط والقواعد التي يجب أن تتوافر لدى المحامي أثناء التعامل مع عملائه.

في ظل غياب إحصاءات رسمية وآليات رقابة فعالة على أداء المحامين، تجد بعض النساء أنفسهن في مواجهة معركة قانونية مزدوجة؛ الأولى لتحصيل حقوقهن أمام المحاكم، والثانية لمواجهة أخطاء أو تجاوزات من يفترض أنهم يمثلون خط الدفاع الأول عن هذه الحقوق. وبين حجب المستندات، والتأخير في اتخاذ الإجراءات، وتقديم بيانات غير دقيقة، تتضاعف كلفة التقاضي على النساء ماديًا ونفسيًا، ما يبرز الحاجة إلى تعزيز الرقابة المهنية، وإقرار مدونة السلوك المعلقة، وتمكين الموكلات قانونيًا من متابعة قضاياهن ومعرفة حقوقهن الإجرائية، بما يضمن ألا تتحول رحلة البحث عن العدالة إلى مسار جديد من التجاوزات.

مروة محيي الدين
صحفية مصرية، عملت بعدد من المواقع المصرية والعربية، مهتمة بالصحافة الإجتماعية والإنسانية والتحقيقات

Search