لم يعد مشهد المياه الداكنة المنهمرة من الصنابير، صادمًا لـ”عفاف”، التي تقطن بمنطقة الخصوص، التابعة لمحافظة القليوبية، بات معتادًا في ضوء أزمة متكررة يواجهها آلاف الأسر، في السنوات الأخيرة، تتعلق باختلاط مياه الصرف الصحي بمياه الشرب، في ظل غياب للحلول الرسمية رغم استمرار المسؤولين طمأنة المواطنين عن قرب انتهاء الأزمة.
تقول “عفاف”، وهو اسم مستعار لربة منزل (50 عامًا) إنها اعتادت هي وجيرانها على استخدام مياه تشبه مياه الصرف الصحي في لونها ورائحتها لا تصلح للاستخدام الآدمي ، على حد وصفها.
تحكي لـ”زاوية ثالثة” أنها بسبب هذه المعاناة، ظلت لسنوات تعبئ مياه من صنبور عام بعيدًا عن منزلها، قيل لها إن مياه نظيفة، لكن مع الوقت بات الذهاب إليه وصعود خمسة أدوار عند العودة؛ لعدم وجود مصعد بالعقار أمرًا عسيرًا، بسبب معاناتها من آلام في مفاصل الفخذين.
وتضيف أنه لم يبق أمامها حلًا غير شراء المياه المعدنية، لحماية ابنتيها اللتين يعانين من أمراض مناعية، خوفًا عليهما من احتمالية وقوع أمراض أخرى.
تقول إنها لجأت لشراء “قارورة” تكفي لخمس أيام فقط، غير أن الفترة الأخيرة زادت الأعباء المادية، خصوصًا بعد انفصالها عن والدهما، وتحمل تدبير نفقات المعيشة التي بالكاد تسد متطلباتهم الأساسية، فضلًا عن متابعة دورية مع الأطباء وشراء الأدوية، موضحة أن استقطاع مبلغ من النفقة للمياه بات عسيرًا، لتعود لملئ المياه من ذاك الصنبور العام من جديد لتقليل التكلفة.
مأساة عفاف ليست فردية، خلال الأسابيع الماضية تصاعدت شكاوى أهالي منطقة الخصوص بمحافظة القليوبية؛ بسبب تغير مياه الشرب، وتحول لونها الصافي إلى داكن، فضلًا عن انبعاث روائح كريهة؛ وأكد قاطني المدينة أنها لم تعد صالحة للاستخدام، وانتشرت الاستغاثات على مجموعات وصفحات موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، بزعم أن المياه مختلطة بمياه الصرف الصحي.
وتجاوز عدد سكان الخصوص مليوني فردًا من أصل 6 مليون و304 ألف نسمة يمثلون عدد سكان محافظة القليوبية)، وفقًا لأحدث إصدارات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
وتعود بداية الازمة إلى 2016، حين التقط أحد ساكني منطقة الأمير بالخصوص، صورًا ترصد تحول مياه الشرب إلى اللون الأسود، مؤكدًا أنها مختلطة بمياه الصرف الصحي؛ لانبعاث رائحة كريهة منها.
ومنذ ذاك الوقت تتكرر الشكاوى، ففي عام 2018، في شارع سالم حافظ خليل بالخصوص، رصد مواطن تغير لون المياه إلى الأصفر، مصحوبة برائحة كريهة، ما تسبب في ضرر كبير للسُكان على إثر ذلك، وأوقف الجميع استعمالها، خوفًا من الإصابة بالأمراض. وكذلك في 2020، استغاث أهالي شارع صلاح السعداوي بنفق عثمان من تغير لون ورائحة المياه، الأمر الذي تسبب في ذعر السُكان خوفًا من أي أضرار صحية تتوالى على ذلك، ومازالت تتعدد الشكاوى والأزمة مستمرة.
نوصي للقراءة: عجز 400 ألف مُعلم في مصر.. عامًا دراسيًا جديدًا بأزمة لم تحل

مياه مختلطة بالصرف الصحي
تؤكد سعاد محمد، ربة منزل، انتقلت من محافظة كفر الشيخ إلى مدينة الخصوص قبل عامين، أنها منذ استقرت في المدينة وتعاني من انبعاث رائحة تشبه الصرف الصحي، مشيرة إلى أنها اشتكت لمالك العقار الذي تقيم فيه، وأخبرها حتى تتجنب المشكلة، يمكنها المشاركة مع السُكان في تركيب وصلة لإدخال مياه الطرمبة وهي مياه نابعة من الآبار والمياه الجوفية؛ لتكن بديلًا عن المياه التي تصل عبر الشبكة العمومية الحكومية.
لحين حل المشكلة، حاولت “سعاد” إيجاد بدائل آمنة قليلًا، فقامت بشراء فلتر للاستخدام الآمن للمياه، إلا أن سوء المياه تسبب في تلف الفلتر أكثر من مرة، ما اضطرها إلى إصلاحه، رغم ما توضحه أن الفلتر عالي الجودة “نوعه أمريكي ومن الصعب أن يُتلف بسهولة”، موضحة لـ”زاوية ثالثة” أنها تضطر إلى تغيير الشمعة الواحدة مرة كل أسبوع، رغم أنه من الطبيعي أن تظل لفترات أطول “من ثلاثة إلى ستة أشهر”، على حد قولها.
وتلفت إلى أن مياه الفلتر بالكاد تغطي أغراض الطهي والشرب وأحيانًا شطف الأواني، بعد غسلها بالمياه الملوثة، فيما تضطر لاستخدام مياه الحنفية في الاستحمام، وغسل الأواني والملابس، التي صارت تضفي إليها عطرًا مخصصًا لتخفيف رائحة المياه الكريهة، التي تسببت مع الوقت في تلف شعرها وتضرر بشرتها.
وازداد الأمر سوءً في الفترة الأخيرة، حتى أوصلها إلى إلقاء الزجاجات التي تملأها، بسبب ثبات رائحة المياه “داخل الزجاجة”، الأمر الذي جعلها تلجأ هي الأخرى إلى شراء مياه معدنية مخصصة للشرب، مشيرة إلى أن ما يحدث كارثة حلت على سكان المنطقة؛ مطالبة بضرورة حل المشكلة في أسرع وقت.

أضرار صحية وتجاهل للشكاوى
منذ أكثر من عشر سنوات وتعاني أسرة منى إبراهيم (اسم مستعار)، 30 سنة، من استمرار أزمة مياه الشرب، التي تفاقمت حدتها في الفترة الأخيرة، إذ تقول إن المياه تظل على هذا الحال معظم ساعات اليوم، ولا تعود إلى طبيعتها سوى مرة واحدة يوميًا وهي الفترة التي تحرص فيها الاسرة خلالها على تخزين احتياجاتها منها.
وتضيف أن والدها قدم شكاوى عديدة في شركة المياه، وفي كل مرة كان الرد بأنهم سيعالجون الأزمة، لكن أحدًا لم يتحرك لإنهائها، والنتيجة أنهم باتوا يلجؤون إلى ملئ عبوات من حنفية قريبة لسكنهم، لاستعمالها في الشرب، كما حال بقية السُكان المجاورين.
أما عن تلبية احتياجاتهم اليومية التي تشمل غسل الأواني والملابس، وأمور أخرى، تشير إلى أنهم يعتمدون على مياه الطرمبة (وهي مياه نابعة من الآبار)، لاستخدامها في الأغراض المذكورة.
وتلفت “منى” إلى أنه في بعض الأحيان يلجؤون إلى شراء مياه معدنية، لكن التكلفة لأربعة أفراد تتطلب ميزانية مرتفعة، مشيرة إلى أن والدها يعمل سائق تاكسي حُر، ولم يملك وظيفة بدوام كامل، أو راتب يسد على هذه التكاليف.
وتوضح أن الأسرة تأقلمت مع جلب المياه بهذه الطرق، إما من مصادر ملئ خارجية، أو الاعتماد على الطلمبة، طوال العشر سنوات الماضية، حتى أصيب والدها بفيروس سي، وأصيبت بعده بجلطة في الكبد، وتقول علل الأطباء ما حدث بسبب تناول مياه ملوثة، فضلًا عن إصابتها بالذئبة الحمراء.
تشير استغاثات سابقة إلى أن أزمة المياه في الخصوص تسببت في وقوع أضرار صحية كبيرة لبعض المواطنين في عام 2015، وأُصيبوا بأمراض منها الفشل الكلوي.
وذكرت “منى” أن أهالي المنطقة التي تقيم فيها اجتمعوا أكثر من مرة وقدموا شكاوى، حتى جارتهم التي تعمل موظفة في شركة المياه، صعدت شكوى هي الأخرى، موضحة أن لا أحدًا رد على شكواهم.
ومن جانبه يقول عزت أحمد، موظف في شركة الغاز الطبيعي، إنه يأس من مخاطبة نائب المدينة، لكن أحدًا لم يجب شكواه “لا حياة لمن تنادي”؛ لحل الأزمة التي وصفها بكارثة حقيقية ستؤدي إلى انتشار الأمراض لأهالي المنطقة، موضحًا أنه ليس في مقدوره شراء مياه بشكل مستمر، مشيرًا إلى أن راتبه بالكاد يسد الطعام والشرب والتعليم، حتى أنه لا يصل إلى تغطية العلاج.

وصلات عشوائية ومواسير متآكلة
بدوره يقول هاني رمزي، أدمن صفحة الخصوص الرسمية لرصد الشكاوى ومتابعتها، إنه منذ سنوات يتلقى بشكل شبه يومي بلاغات من الأهالي بشأن تغير المياه، التي ينقلها بدوره إلى المسؤولين في شركة المياه لحل الأزمة.
ويكشف لـ”زاوية ثالثة” أنه حين استجابت شركة المياه لبعض الشكاوى في منطقة الأمير بالخصوص، وتحركت لتغير خطوط المياه هناك، اكتشفوا وجود مواسير صرف صحي أسفل الأرض أُنشأت بجهود ذاتية، من قبل أهالي المنطقة، قديمًا، مشيرًا إلى أن هذه المواسير أثرت على شبكات مياه الشرب، واختلطت معها، لذا تحول مياه الشرب إلى أصفر داكن مصحوبة برائحة كريهة، وأكد أن ذلك ليس جديدًا على المنطقة.
ويضيف أنه أحيانًا حين تنقطع المياه في كل مرة ثم تعود، يلاحظ أن لونها يميل إلى الاصفرار وتنبعث منه رائحة كريهة، وهو ما يعتبره مؤشرًا على قيام الشركة بأعمال غسيل الشبكات، مؤكدًا أن اختلاط المياه بالصرف الصحي موجود من قديم الأزل.
ويشرح لـ”زاوية ثالثة” من واقع معايشته للمنطقة قبل ثلاثون عامًا، واستقبال شكاوى المواطنين والمتابعة مع شركة المياه، أن استمرار الأزمة يعود إلى تهالك الشبكات نفسها وغياب البنية التحتية الكاملة، وأشار إلى أن معالجة الازمة تتطلب تنفيذ خطوط صرف صحي وخطوط مياه جديدة بشكل كامل، وهو ما يتعطل بسبب الحاجة إلى توسع الشوارع والتنسيق إلى عدة جهات خدمية، من بينها شركات الكهرباء والغاز، الأمر الذي يبطئ من وتيرة العمل.
ويضيف أن الكثافة السكانية المتزايدة في المدينة فاقمت الأزمة، موضحًا أن عدد السكان ارتفع بشكل كبير، خلال فترة قصيرة، ليقترب حاليًا من مليوني مواطن، وأصبح يمثل عبئًا على شبكات الصرف الصحي ومياه الشرب، لافتًا إلى أن الخدمات التي كانت تكفي قديمًا أعداد محدودة لم تعد ملائمة في الوقت الحالي.
وتسببت مواسير الصرف الصحي التي أنشأها المواطنين، في غياب إدخال الخدمات، في حدوث طفح مستمر في الشوارع، وتضررت مناطق عديدة في الخصوص.
وقال أحد المواطنين في عام 2016 منذ أن بدأت الأزمة أن اختلاط المياه بالصرف لأنهم يعتمدون على طلمبات يسمونها طلمبات حبشية قديمة، وأوضح أن هذه الطلمبات يتدفق منها مياه سيئة مختلطة بالصرف الصحي، نظرًا لأنها لم تكن عميقة بشكل كافي.
نوصي للقراءة: وزارة التموين لا تدير بطاقات الدعم الغذائي.. الإنتاج الحربي يفعل

فجوة سكانية وخدمات لا تواكب الواقع
يرى رمزي أنه من الإشكاليات الأخرى المتسببة في تفاقم أزمة المياه، الفجوة بين عدد السكان الفعليين والتقديرات الرسمية المعتمدة، موضحًا أن شريحة كبيرة من السكان يحملون بطاقات مسجلة في مدن أخرى، مثل شبرا، الزاوية، والوايلي، إلى جانب الوافدين من الأرياف والصعيد، ولفت إلى أن عدد المقيدين رسميًا على عنوان الخصوص لا يتجاوز 200 ألف نسمة، وهو ما ينعكس على تقديرات الدولة للاحتياجات الخدمية، رغم أن العدد الفعلي للسكان يفوق ذلك بكثير.
ويشير”رمزي” إلى أن شركة المياه تحاسب مجلس الحي فقط على عدد المقيد بطاقاتهم تبع الخصوص، دون أن تهتم بالمقيمين فيها، ما يعني إنها تحاسب على خدمات أعداد أقل من الحقيقية بكثير (200 ألف نسمة)، ويلفت إلى أنه دعا السُكان إلى تغيير عناوين هويتهم وتسجيلها في الخصوص؛ باعتبار أن ذلك قد يسهم في تحسين تقديرات الخدمات المخصصة للمدينة، إلا أن كثيرين رفضوا ذلك، مفضلين الإبقاء على تسجيل عناوينهم في مناطق تابعة لمحافظة القاهرة.
ويوضح كذلك أن التعامل مع شكاوى المياه يواجه تعقيدات إدارية، في ظل أن عددًا من السكان لا يملكون عدادات مياه مسجلة بأسمائهم، أو بطاقات مثبت بها عنوان الخصوص، وهو ما يحد قدرة الجهات المعنية على حصر المتضررين ومتابعة البلاغات بدقة، لافتًا إلى أن هناك تجهيز لخط مياه سيدخل من منطقة سرياقوس، إلى الخصوص موضحًا أنه جار العمل عليه، وسيحل 90% من أزمة سكان الخصوص.

استغاثات تنفيها الحكومة
رغم انتشار الاستغاثات على الصفحات المحلية للمدينة، واستقبال هاني العديد من الشكاوى يوميًا كما ذكر، يتمسك المسؤولون المحليون بنفي وجود أزمة في المياه، إذ يؤكد عيد عزت محمد، نائب رئيس حي الخصوص، أن الحي لم يتلق أي شكاوى رسمية من أهالي المنطقة تفيد بتلوث مياه الشرب واختلاطها بمياه الصرف الصحي، وهو ما يتقاطع مع تصريحات سابقة لوزير الإسكان السابق عاصم الجزار الذي أوضح أنه من غير الممكن اختلاط مياه الشرب بمياه الصرف الصحي.
ومن قبله المركز الإعلامي لمجلس الوزراء، إذ قال في بيان رسمي إنه تواصل مع الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، والتي أكدت أن الشبكتين منفصلتين، فشبكة مياه الشرب سطحية تعمل بطريقة الضغط، بينما شبكة الصرف الصحي عميقة، ولا يمكن تداخلهما.
يرجح عزت أن حدوث تغير في لون مياه الشرب قد يرجع إلى احتمالين، قد يكون بسبب قيام شركة المياه بغسل الخزانات كل فترة؛ لتنظيف شبكة المياه، والاحتمال الآخر أن يكون هناك كسرًا في أحد المواسير أو الوصلات الموجودة في العقار السكني، الأمر الذي يؤدي إلى سحب رواسب، مقترحًا أنه من الممكن أن يصلحها من خلال سباك.
وبسؤاله إذا شركة المياه قامت بأية إصلاحات مؤخرًا في الشبكات، نفى قدوم شركة المياه لعمل أي إصلاحات، موضحًا أنها لن تتمكن من فعل أي إصلاح حتى تحصل على موافقة المجلس أولًا وتدفع مقابل حفر الشوارع “رد الشئ لأصله”.
ويضيف عزت لـ””زاوية ثالثة أنه في حال وقوع ضرر، ينبغي أن يتقدم المتضررون، بشكاوى رسمية؛ حتى يتخذ المجلس إجراءات عاجلة ويقوم بإبلاغ شركة المياه، لحل المشكلة، لكنه أكد أن لا أحدًا من السُكان تحرك إلى المجلس بعينة من المياه للجزم بأن المياه مختلطة بالصرف الصحي.
ويطالب نائب رئيس الحي السُكان بالتقدم إلى المجلس بشكوى رسمية، وأن يحضر كل فرد معه عينة من المياه، لاتخاذ الإجراءات اللازمة، مؤكدًا أن المجلس سيتحرك بهذه العينات إلى محطة المياه، لفحصها وتحليلها في وزارة الصحة، والتوقف عن الاستغاثات من خلال موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك.
من جانبه يحلل دكتور ضياء القوصي، خبير مياه، ومستشار وزير الري سابقًا، أزمة تغير مياه الشرب وتحولها إلى ما يصفه أهالي المنطقة إلى صرف صحي، بأن السبب قد يعود إلى فرق العمق بين شبكات الصرف الصحي وشبكات مياه الشرب، إذ يقول إنه إذا كانت شبكات الصرف أعمق أمتارًا من شبكات مياه الشرب تحت الأرض، قد ينتج عنه في حال كسور أو تسرب، حدوث تداخل أو اختلاط بين الشبكات.
ويشرح خبير المياه أن اختلاف حركة المياه بين شبكات الصرف الصحي، وشبكات مياه الشرب، قد تؤدي في حال وجود تسرب إلى حدوث تداخل أيضًا بين الشبكتين.
ويوضح هذا الجزء الفني، إذ يقول إن سريان داخل شبكات الصرف بطريقة الانحدار، من الأعلى إلى الأسفل، بفعل تأثير الجاذبية وحدوث ضعف ضغط في خطوط مياه الشرب الرئيسية، قد تدفع الطلمبات التي يعتمد عليها السُكان إلى سحب كميات هائلة من شبكة الصرف نفسها، في حال وجود تسرب في أحد خطوط مياه الشرب، مؤكدًا أن هذا التسرب يسمح بتسلل مياه الصرف إلى الطلمبات، بدلًا من سحب مياه نظيفة من مواسير مياه الشرب، وذلك يحدث بفعل الجاذبية.
ويؤكد لـ”زاوية ثالثة” أن ما يحدث حاليًا في الخصوص بسبب وجود تسرب في مواسير مياه الشرب، أو من مواسير الصرف الصحي، مما تسبب في حدوث اختلاط بين الاثنين “السحب يحدث من مياه الشرب ومن شبكة الصرف الصحي في نفس الموقع، وهنا تكمن الأزمة”.
ويرى أن المشكلة لم تكن في تهالك الشبكات أو كونها قديمة أو حديثة، مضيفًا أنها من الممكن أن تكون جديدة لكن يوجد بها تسرب، وأوضح أن الشبكة الواحدة تتكون من عدة مواسير، كل ماسورة طولها ثلاثة أو أربعة أو خمسة أمتار “تتصل ببعضها”، ولفت إلى إذا حديث تسرب في أي وصلة من هذه الوصلات أصبح هناك مشكلة.
ويؤكد أن الحل الوحيد يكمن في منع هذا التسرب من الشبكات، مطالبًا شركة المياه بالتحرك العاجل، وشدد على أن التداخل الذي يحدث بمياه الشرب ومياه الصرف الصحي، قد ينتج عنه أضرارًا خطيرة، تتمثل في انتشار مرض الكوليرا، والملاريا وأمراض معوية عديدة على حد قوله “لابد أن يُعالج سريعًا”.
وبسؤاله عن اضطرار بعض الأسر لاستخدام فلاتر لتنقية المياه، يقول القوصي إن الفلاتر إذا لم تُنظف بشكل دوري وعلى مدار فترات زمنية قصيرة، ذلك أيضًا سيؤدي إلى أمراض، لأن المياه التي تدخل إلى الفلتر في حد ذاتها تحمل مواد ضارة عالقة.
وينصح الدكتور ضياء المواطنين بالامتناع عن استخدام الفلاتر في الغسيل، لأن شمعة الفلتر من الضروري أن تُنظف بشكل دوري، فضلًا عن تغييرها كل فترة زمنية.

ميزانية متغيرة وجهود برلمانية
من جانبه أكد النائب حسن عمر حسانين، عضو مجلس النواب، أنه يتلقى شكاوى عديدة بشأن تغير لون المياه ورائحتها، لكنه يرى أنها فردية لا عامة، ويضيف أنهم حين يصعدوا هذه الشكاوى إلى الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، يأتي رد الشركة أن سبب تفاقم الأزمة يعود لقدم البيوت والعقارات السكنية، مشيرة إلى أن هذا الخلل قد يكون ناتجًا عن أعمال السباكة الداخلية، وليس له علاقة بشبكات المياه الرئيسية، وأشار إلى أنه في حال ثبوت وجود عطل أو تسرب في الخطوط الرئيسية، يجري التعامل معه والعمل على إصلاحه بشكل فوري.
وعلق النائب على إذا كان بالفعل ارتفاع الكثافة السكانية أصبح لا يتناسب مع ضعف الخدمات، بالإضافة إلى حاجة المدينة إلى إدخال خطوط جديدة بالكامل، قد يكون أحد الأسباب وراء الازمة، نفى مضيفًا أن الشركة تعمل إحلال وتجديد للبعض الشبكات الداخلية كل سنة “يوجد تهالك في بعض الشبكات لكن ليس بصفة عامة”.
وفيما يتعلق بالمخصصات المالية الموجهة للعمل على قطاع المياه في الخصوص، يقول النائب إن حجم الميزانية يخضع للتغير كل سنة، لكنه امتنع عن الإفصاح عن قيمتها أو أي تفاصيل إضافية.
وطالب أهالي المنطقة بالتوجه إلى مكتبه والتقدم بشكاوى جماعية لإرسالها إلى شركة المياه “نحتاج إلى جمع معلومات عن الشاكي من حيث عنوانه تحديدًا في المنطقة، وإذا لديه وصلة، أو يعتمد على مياه الطلمبة، نحتاج تقدم المواطن حتى نتحقق من شكواه”.
تهالك شبكات المياه أسفل الأرض، يشكل أحد أبرز الأسباب التي ينتج عنها هدر كبير في كميات المياه، والتي بدورها تتسبب في تفاقم أزمة العجز المائي التي تحدث عنها وزير الري هاني سويلم.، وكان وزير الري قد أعلن في 2024 أن مصر تعاني من أزمة عجز مائي شديدة، مشيرًا إلى أن احتياجاتنا المائية وصلت إلى 114 مليار متر مكعب سنويًا، بينما تُقدر الموارد المائية 59.6 مليار متر مكعب سنويًا، منها 55.5 مليار متر مكعب حصة مصر من مياه النيل، و30.1 مليار متر مكعب من الامطار.
وقال سويلم إن تراجع نصيب الفرد من المياه من 2000 متر مكعب سنويًا إلى في الستينيات القرن الماضي، إلى تحت خط الفقر المائي أي أقل من 1000 متر مكعب في التسعينيات، ووصل إلى 500 متر مكعب سنويًا حاليًا.
ووفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، انخفض إجمالي كمية المياه المستهلكة بين عامي 2021 و2023 في محافظة القليوبية من 186.9 إلى 178.3 مليون متر مكعب.

إخلال وجريمة إضرار بالصحة العامة
يقول هيثم محمدين، محامي حقوقي، ومتخصص في قضايا العمال، إنه إذا ثبت أن مياه الشرب ملوثة، وغير صالحة للشرب، أو الاستخدام الآدمي، فذلك يمثل جريمة إضرار بالصحة العامة للمواطنين وفقًا لقانون العقوبات.
ويوضح أن لجوء الأهالي إلى شراء مياه للشرب، لأنهم يعانون من كونها ملوثة، يُعد إخلالًا بحق المواطن في الحصول على مياه شرب نظيفة من محطات المياه، كما في مناطق أخرى “هم ليسوا مضطرين إلى فعل ذلك، لأنه يفوق إمكاناتهم المادية”.
ويطالب الأهالي بالتوجه إلى معامل الصحة المتخصصة في فحص عينات المياه، للتأكد من إذا تقوم هذه المعامل بدورها، ويفحصون المياه فعليًا، باعتبار أنهم المسؤولون عن سحب عينات يوميًا من مياه الشرب على مستوى محافظات الجمهورية؛ للتأكد من سلامتها وإذا كانت صالحة للشرب.
وأوضح أن الأهالي بإمكانهم التوجه إليها وأخذ عينات والتأكد من أن هذه العينات من نفس الخطوط الموصلة لمنازل الأهالي، بشرط أن تكون مياه جديدة، مشيرًا إلى ضرورة طلب تقارير بالنتائج من مكاتب الصحة، لافتًا إلى أنه في حال لم تتعاون معامل الصحة، فإن بإمكانهم التقدم بشكاوى إلى مديريات الصحة، بشأن أن المكاتب لم تقم بدورها اليومي في تحليل المياه.
وإذا ثبت للسُكان من خلال التحاليل أن المياه بها مشكلة وغير صالحة للشرب، ذلك يمثل اضرارًا بالصحة العامة، موضحًا أن السُكان من حقهم اللجوء إلى النيابة لتقديم محضر رسمي ضد شركة المياه والصرف الصحي.
وتنص المادة 79 من الدستور المصري 2014 المعدل في 2019، أن لكل مواطن الحق في غذاء صحي وكاف، وماء نظيف، وتلتزم الدولة بتأمين الموارد الغذائية، للمواطنين كافة، كما تكفل السيادة الغذائية بشكل مستدام، وينص قانون رقم 172 لسنة 2025 على تنظيم مرافق المياه والصرف الصحي للمواطنين.
كما تنص اتفاقية سيداو الدولية التي صدقت عليها مصر على الالتزام الدولي بالوفاء بكل الحقوق الاجتماعية والاقتصادية بما فيها الحق في المياه.
ورغم ما أشار إليه فيديو نشره مركز المعلومات واتخاذ القرار بمجلس الوزراء إلى دور الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي في إجراء فحوصات دورية وتحاليل كل ساعتين، أو تحاليل يومية، أو أسبوعية للتأكد من أن جودة مياه الشرب آمنة، والحرص على رفع بعض العينات باستمرار من مراحل التنقية المختلفة، ومحطات المياه وشبكات التوزيع حتى بيوت المواطنين للتحقق من سلامة المياه.
وذلك استنادًا لقرار وزير الصحة 182 لسنة 2025 الذي يشير إلى اختصاص الإدارة المركزية لمعامل وزارة الصحة وما يتبعها فنيًا من المعامل المشتركة بمديريات الشئون الصحية بالمحافظات بإجراء الفحوص والتحاليل الخاصة بالمياه للتأكد من صلاحيتها للشرب والاستعمال الآدمي، من خلال توافر بعض المعايير والمواصفات القياسية منها توافر الخواص الطبيعية مثل اللون أن يكون معدوم، والرائحة معدومة والطعم مقبول، وتوافر نسب محددة من المواد غير العضوية حددتها وزارة الصحة لضمان سلامة المياه.
إلا أنه تظل أزمة مياه الخصوص قائمة، والشكاوى مستمرة، بشأن تغير لون ورائحة المياه واختلاطها بالصرف الصحي، في الوقت الذي يؤكد رئيس شركة المياه مطابقتها للمواصفات القياسية، ما يثير التساؤل حول إذا الشركة تقوم بدورها على ارض الواقع في اتخاذ الاجراءات الدورية نفسها في فحص وتحليل المياه في المنطقة، أم خارج الحساب.
تواصلت زاوية ثالثة مع المهندس نديم أيمن نديم، مدير فرع الخصوص بشركة مياه الشرب والصرف الصحي بالقليوبية، لتوضيح الأسباب الفنية في استمرار الازمة، وما الإجراءات التي تتخذها الشركة لإنهاء الازمة؛ لكنه امتنع عن الادلاء بأي تصريحات صحفية حول الأزمة من خلال التليفون.
حتى نشر التقرير، وتتعالى أصوات أهالي الخصوص، علّ أحدًا يستجب لاستغاثاتهم، قبل أن تُسجل مأساة جديدة، ويفقد أحد فردًا من أسرته، كما حدث لزوجة مسلم عبد الباسط، 65 سنة، التي توفيت قبل أربعة أعوام، بعد صراع مع الفشل الكلوي لثمان سنوات، جاءها إثر استخدامها للمياه الملوثة – بحسب تشخيص الأطباء لحالتها “ووفقًا للتحاليل والأشعة التي أجرتها، ثم رحلت في الأخير”، مناشدين المسؤولين لإنقاذ حياتهم، قبل أن تتحول الازمة إلى كارثة تودي بحياة 2 مليون مواطن.