هل تستعد الدولة لاستعادة مقعد نقيب الصحفيين؟

نتائج أول استبيان تجريه النقابة لأعضائها منذ عشرين عامًا أظهرت أن 72% من الصحفيين يتقاضون أجورًا تقل عن الحد الأدنى، وأن 79% غير راضين عن مستوى دخولهم، بينما يعتمد 48.6% على بدل التدريب والتكنولوجيا مصدرًا رئيسيًا للمعيشة، ولا يستخدمه في غرضه المخصص سوى 17.2%. كما يلجأ 65.5% إلى العمل الإضافي لتعويض ضعف الأجور
Picture of شيماء حمدي

شيماء حمدي

بعد أشهر قليلة، تنتهي الولاية الثانية لنقيب الصحفيين الحالي، خالد البلشي، التي بدأها بفوزه في انتخابات التجديد النصفي الأخيرة. فقد أُعيد انتخابه نقيبًا في 2 مايو 2025، بعدما حصد 3346 صوتًا، متقدمًا على أقرب منافسيه، النقيب الأسبق ورئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام السابق عبد المحسن سلامة، الذي نال 2562 صوتًا، بفارق 784 صوتًا، في انتخابات وُصفت بأنها شهدت أعلى نسبة مشاركة في تاريخ النقابة.

وكان هذا الفوز امتدادًا لمفاجأة انتخابية حققها البلشي، المعروف بانتمائه إلى التيار اليساري وبمسيرته في الدفاع عن حرية الصحافة، قبل عامين، حين فاز بالمنصب للمرة الأولى في 17 مارس 2023، بحصوله على 2450 صوتًا مقابل 2211 صوتًا لمنافسه خالد ميري، رئيس تحرير صحيفة الأخبار آنذاك. وأنهت تلك النتيجة ست سنوات من تولي مرشحين مدعومين من مؤسسات الدولة، فاعتبرها صحفيون وخبراء بداية لإعادة رسم موازين القوى داخل النقابة، مع صعود تيار يرفع شعارات الاستقلال النقابي والحريات الصحفية.

ورغم أن انتخابات التجديد النصفي المقبلة لم تبدأ رسميًا، ولم تتضح بعد خريطة المرشحين ولا التحالفات، فإن الاستعدادات المبكرة لخوض المعركة على مقعد النقيب باتت محل حديث في الأوساط الصحفية. ويقول صحفيون وقياديون مهنيون تحدثوا إلى «زاوية ثالثة» إن المنافسة هذه المرة لا تقتصر على اختيار نقيب جديد، بل تمثل اختبارًا لمستقبل التوازنات التي أفرزتها انتخابات عامي 2023 و2025.

ويرى هؤلاء أن الولاية الثانية للبلشي اختلفت عن الأولى، إذ شهدت تصاعدًا في الجدل حول عدد من الملفات النقابية، من بينها تأخر صرف بدل التدريب والتكنولوجيا في يوليو الماضي، وإن كان تأخر صرفه في تلك الفترة متكررًا في السنوات الأخيرة لارتباطه ببداية العام المالي، إلى جانب الجدل الذي رافق مشروع ميثاق الشرف الصحفي، لا سيما ما تضمنه من نصوص تتعلق بالنوع الاجتماعي تحت مسمى «الجندر».

ويذهب هؤلاء إلى أن هذه الملفات استُخدمت لتأجيج الاستقطاب داخل النقابة، بهدف إعادة تشكيل المزاج العام قبل الانتخابات، وتعزيز فرص استعادة مقعد النقيب عبر مرشح محسوب على المؤسسات الصحفية القومية أو يحظى بدعم من مؤسسات الدولة، بينما ترفض أطراف أخرى هذا الطرح، وترى أن ما يجري لا يعدو كونه تنافسًا انتخابيًا طبيعيًا يسبق كل استحقاق نقابي.

الانتخابات المقبلة أكثر المعارك النقابية صعوبة وتنافسًا

في هذا الإطار، يتوقع الكاتب الصحفي والنقابي البارز هشام فؤاد أن تختلف الانتخابات المقبلة عن الاستحقاقين السابقين، مرجحًا أن تشهد مستوى أعلى من الاستقطاب والتنافس على مقعد النقيب ومقاعد المجلس.

ويقول فؤاد، في حديثه لـ«زاوية ثالثة»، إن مؤشرات عدة تدفعه إلى هذا التقدير، من بينها ما يصفه بتراجع أجواء الانفتاح التي صاحبت انطلاق الحوار الوطني، واستمرار حبس عدد من الصحفيين وإحالة بعضهم إلى المحاكمة في قضايا نشر، إلى جانب ما يعتبره تشددًا أكبر في التعامل مع الحراك النقابي داخل عدد من النقابات المهنية.

ويستشهد في هذا السياق بالقبض على أربعة من أعضاء نقابة أطباء الأسنان على خلفية تحركات نقابية للمطالبة بتكليف دفعة 2023، وكذلك القبض على القيادي النقابي في نقابة المهن التعليمية محمد زهران، على خلفية مطالبته بتنفيذ حكم قضائي يتعلق بإجراء الانتخابات النقابية، معتبرًا أن هذه الوقائع تعكس تشددًا متزايدًا في التعامل مع العمل النقابي.

ويرى فؤاد أن هذه المؤشرات قد تلقي بظلالها على انتخابات النقابة المقبلة، متوقعًا أن تبذل مؤسسات الدولة جهدًا أكبر لاستعادة منصب النقيب وأغلبية المجلس، خلافًا للمجلس الحالي، انطلاقًا من الأهمية السياسية والرمزية لنقابة الصحفيين بوصفها «نقابة الرأي». ويربط بين هذا التقدير واستمرار الجدل حول بدل التدريب والتكنولوجيا، معتبرًا أن توقيت أي زيادة محتملة قد يحمل دلالات انتخابية.

ومع ذلك، يؤكد فؤاد أن نتيجة الانتخابات لا تزال مفتوحة، وأن نجاح أي طرف سيظل مرهونًا بأداء المرشحين، وبقدرة تيار الاستقلال النقابي على الحفاظ على تماسكه، فضلًا عن المزاج العام للجمعية العمومية، ويقول: «النتيجة ليست محسومة، لكن الانتخابات المقبلة ستكون من أكثر المعارك النقابية صعوبة وتنافسًا».

وخلال الأيام الماضية، طُرح عدد من الأسماء بوصفها مرشحة محتملة على مقعد النقيب، استنادًا إلى معلومات عن اجتماعات ومشاورات وتحركات انتخابية مبكرة جرت في الأسابيع الأخيرة، أو إلى ترجيحات يتداولها بعض الصحفيين، في وقت لم يعلن فيه أي من هذه الشخصيات ترشحه رسميًا حتى الآن.

ومن أبرز الأسماء المتداولة ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام حاليًا ونقيب الصحفيين الأسبق، الذي تولى المنصب لدورتين متتاليتين. وترتبط فترة ولايته، لدى قطاع من الصحفيين، بأزمة تجديد واجهة مبنى النقابة التي عُرفت بـ«تكفين النقابة»، إذ ظلت الواجهة مغطاة سنوات خلال أعمال التطوير، وهو ما دفع بعض الصحفيين آنذاك إلى وصف تلك المرحلة بـ«سنوات التكفين».

وإلى جانب رشوان، برزت أسماء أخرى قالت مصادر لـ«زاوية ثالثة» إنها بدأت مشاورات أولية بشأن الانتخابات، شملت بحث تشكيل قوائم انتخابية واستطلاع فرص الحصول على دعم في الأوساط النقابية. ومن بينها خالد ميري، وكيل النقابة السابق الذي خسر أمام البلشي في انتخابات 2023، وعبد المحسن سلامة، النقيب الأسبق الذي خسر أمامه في انتخابات 2025، وعبد الرؤوف خليفة، مدير تحرير مؤسسة الأهرام وعضو مجلس إدارتها وعضو مجلس النقابة الحالي، إضافة إلى رفعت رشاد، عضو مجلس إدارة مؤسسة الأخبار الذي خسر في انتخابات 2019 و2021 حين ترشح أمام رشوان.

كما تردد اسم السكرتير العام الحالي للنقابة، جمال عبد الرحيم، الذي تنتهي عضويته في المجلس بالتزامن مع الانتخابات المقبلة، وإن لم يحسم موقفه من الترشح بعد. وبحسب مصادر أخرى، طُرح أيضًا اسم عضو المجلس محمد سعد عبد الحفيظ، رغم أن مدته القانونية لا تزال ممتدة عامين آخرين، ودون أن يصدر عنه أي إعلان بشأن خوض السباق، فيما تظل قائمة الأسماء مفتوحة حتى الآن بلا إعلان رسمي من أي منهم.

نوصي للقراءة: بين دعوتين رئاسيتين لتطوير الإعلام: 21 صحفيًا محبوسًا وقانون معطل

انتخابات الصحفيين.. دلالات تتجاوز اختيار النقيب أو المجلس

ويختلف الكاتب الصحفي ونقيب الصحفيين الأسبق يحيى قلاش مع الطرح القائل إن الانتخابات المقبلة ستشهد استقطابًا كبيرًا يحسم نتائجها، معتبرًا أن التجارب المتعاقبة في عدد من النقابات المهنية أثبتت محدودية تأثير محاولات الاستقطاب على خيارات الناخبين، بل إن التدخلات المباشرة قد تؤدي أحيانًا إلى نتائج عكسية، مستشهدًا بنتائج انتخابات نقابة المهندسين ونادي القضاة الأخيرة.

ويقول قلاش، في حديثه لـ«زاوية ثالثة»، إن انتخابات نقابة الصحفيين تكتسب خصوصية لا تتوافر في معظم النقابات المهنية، فرغم محدودية عدد أعضائها مقارنة بنقابات أخرى، تحظى نتائجها باهتمام يتجاوز حدود العمل النقابي، وتُقرأ بوصفها مؤشرًا على اتجاهات الرأي العام داخل إحدى أهم جماعات الرأي في المجتمع. ويشير إلى أن هذه الانتخابات كانت، تاريخيًا، محل متابعة من دوائر سياسية ودبلوماسية.

ويرى قلاش أن الصراع على مقعد النقيب لا يرتبط بشخص الفائز بقدر ارتباطه بالرمزية التي يمثلها المنصب، مؤكدًا أن نقيب الصحفيين «ليس مجرد رئيس لنقابة مهنية، وإنما رمز لمكانة المهنة وتأثيرها في المجال العام». وفي الوقت نفسه، يشدد على أن العلاقة بين الدولة والنقابة لم تقم تاريخيًا على الصدام الدائم، بل على ما يصفه بـ«سياسة الاحتواء»، موضحًا أن جميع النقباء تعاملوا مع الدولة وفق قواعد مؤسسية، بصرف النظر عن انتماءاتهم.

ويطعن قلاش في التصنيف الشائع بين «نقيب خدمات» و«نقيب استقلال»، معتبرًا أن التجربة العملية لا تسنده. ويستشهد بنقباء يُصنفون ضمن تيار الاستقلال، مثل جلال عارف وكامل زهيري، مؤكدًا أنهم حققوا إنجازات خدمية وتشريعية بارزة، من بينها معالجة الأزمة المالية للنقابة، وإطلاق صندوق الطوارئ، وإنشاء مدينة الصحفيين، والدفاع عن الضمانات القانونية لحرية الصحافة.

ويضيف أن الاستقطاب الحاد بين مرشحي «الدولة» و«الاستقلال» لم يكن السمة الغالبة على تاريخ النقابة، وإنما برز بوضوح منذ انتخابات عام 1981، في ظروف سياسية استثنائية أعقبت اتفاقية كامب ديفيد والخلافات بين النقابة والرئيس الراحل أنور السادات. ومنذ ذلك الحين، ترسخت، بحسب قلاش، ثنائية لا تعكس بالضرورة حقيقة العمل النقابي، إذ إن «تيار الاستقلال» لا يعني الانتماء إلى المعارضة، وإنما الدفاع عن استقلال قرار النقابة وحقوق الصحفيين، بصرف النظر عن الخلفيات السياسية أو الحزبية لأعضائه.

هل تستعد الدولة لمعركة «نقيب الجسور»؟

أما الكاتب الصحفي كارم محمود، أستاذ كلية الإعلام والسكرتير العام الأسبق لنقابة الصحفيين، فيقول إن سعي الدولة إلى استعادة مقعد النقيب ليس جديدًا، وإنما نمط تكرر في معظم انتخابات النقابات المهنية بدرجات متفاوتة، خاصة في النقابات ذات التأثير العام، وفي مقدمتها نقابة الصحفيين.

ويضيف، في حديثه لـ«زاوية ثالثة»، أن أهمية منصب النقيب لا ترتبط بعدد أعضاء النقابة، وإنما بطبيعة دورها بوصفها «نقابة الرأي»، وهو ما يجعل نتائج انتخاباتها محل اهتمام سياسي يتجاوز حدود الجماعة الصحفية؛ لذلك تحرص الدولة في كل دورة على الدفع بمرشح قريب منها أو يحظى بثقتها، لضمان قيادة نقابية لا تدخل معها في صدام.

ويوضح أن المعركة المقبلة لم تبدأ رسميًا بعد، لكن التحركات تجري بالفعل في الكواليس، عبر لقاءات ومشاورات بين مرشحين محتملين، ومحاولات مبكرة لتشكيل قوائم انتخابية وتنسيق المواقف، وإن ظلت بعيدة عن المشهد العلني.

ويتوقف محمود عند أحد أكثر المفاهيم حضورًا في انتخابات النقابة، وهو مفهوم «نقيب الجسور» الذي ظهر بقوة منذ ثمانينيات القرن الماضي، ويقوم على فكرة أن النقيب القريب من دوائر السلطة هو الأقدر على جلب الخدمات والمزايا المالية للصحفيين، مستفيدًا من علاقاته بمؤسسات الدولة.

ويشير إلى أن هذا المفهوم ظل حاضرًا في الخطاب الانتخابي لعقود حتى صار جزءًا من الثقافة الانتخابية داخل النقابة، إلا أن التجربة العملية أثبتت أن العلاقة ليست بهذه البساطة، وأن قرب النقيب من السلطة لا يعني بالضرورة تحقيق مكاسب أكبر للجمعية العمومية.

ويضرب مثالًا بالنقيب الأسبق جلال عارف، الذي انتُخب مرشحًا لتيار الاستقلال، لكنه نجح في تحقيق مكاسب مالية وخدمية للنقابة مع الحفاظ على استقلال قرارها، وهو ما تكرر إلى حد كبير مع البلشي في ولايته الأولى، التي شهدت تعاونًا مع مؤسسات الدولة في عدد من الملفات دون التخلي عن استقلالية النقابة.

وفي المقابل، يشير إلى أن بعض النقباء المعروفين بقربهم من السلطة لم يحققوا الطفرة الخدمية التي وعدوا بها، بل إن فترة بعضهم كانت قاتمة بلا خدمات أو عمل نقابي حقيقي، وهو ما يطرح تساؤلات حول صحة الربط بين قرب النقيب من الحكومة وقدرته على تحسين أوضاع الصحفيين.

ويؤكد محمود أن أزمة النقابة لم تعد مرتبطة بشخص النقيب وحده، وإنما باتت أزمة هيكلية تمس مستقبل المهنة، في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجه المؤسسات الصحفية، وتراجع أوضاع الصحفيين المعيشية، وغياب فرص العمل، وهي ملفات لن تُحل، بحسب رأيه، بمجرد انتخاب نقيب قريب من السلطة أو بعيد عنها، بل تحتاج إلى رؤية أوسع تتعلق بمستقبل الصحافة وسياسات الدولة تجاه الإعلام.

ويختتم محمود بالتأكيد على أن معيار النجاح في انتخابات النقابة يجب ألا يكون قرب المرشح من دوائر الحكم أو بعده عنها، وإنما قدرته على الدفاع عن استقلال النقابة وتحقيق مصالح أعضائها، والحفاظ على مساحة الحوار مع مؤسسات الدولة دون أن يتحول ذلك إلى تبعية أو صدام.

ولا تنفصل الانتخابات المقبلة عن واقع مهني متأزم، كشفت ملامحه نتائج أول استبيان تجريه النقابة لأعضائها منذ عشرين عامًا، شارك فيه 1568 صحفيًا، في إطار الاستعداد لمؤتمرها السادس في ديسمبر 2024.

فقد أظهرت النتائج أن 72% من الصحفيين يتقاضون أجورًا تقل عن الحد الأدنى، وأن 79% غير راضين عن مستوى دخولهم، بينما يعتمد 48.6% على بدل التدريب والتكنولوجيا مصدرًا رئيسيًا للمعيشة، ولا يستخدمه في غرضه المخصص سوى 17.2%. كما يلجأ 65.5% إلى العمل الإضافي لتعويض ضعف الأجور، وتعرض 27.4% للفصل التعسفي، وأكد نحو 70% ممن فُصلوا أن مشكلاتهم لم تُحل.

ولم تتوقف المؤشرات عند الأوضاع المعيشية، بل امتدت إلى ما يحاصر المهنة عمومًا، إذ رأى 57.3% أن الصحافة لم تعد تؤدي دورها في المجتمع، وأعرب 88.4% عن عدم رضاهم عن آليات اختيار القيادات الصحفية، وتوقع 67.5% تراجع دور الصحافة مستقبلًا أمام تنامي نفوذ منصات التواصل الاجتماعي.

وتكشف هذه المؤشرات أن أزمات الصحفيين والصحفيات متجذرة، تراكمت على مدار سنوات وتفاقمت خلال العقد الأخير، في ظل التحديات الاقتصادية وأزمات صناعة الصحافة وتراجع أوضاع المؤسسات الإعلامية. وتزامنت هذه المرحلة مع تعاقب أكثر من نقيب، من بينهم عبد المحسن سلامة (2017-2019)، ثم ضياء رشوان لدورتين متتاليتين (2019-2023)، وهما من الشخصيات المعروفة بانتمائها إلى المؤسسات الصحفية القومية وقربها من دوائر صنع القرار، ومع ذلك ظلت غالبية مشكلات الصحفيين، من الأجور إلى الاستقرار الوظيفي والرعاية الاجتماعية ومستقبل المهنة، قائمة بل ازدادت تعقيدًا منذ عام 2016، عام اقتحام نقابة الصحفيين. وهو ما يطرح تساؤلات حول قدرة أي نقيب، مهما كانت علاقته بمؤسسات الدولة، على معالجة أزمة تجاوزت حدود العمل النقابي وباتت مرتبطة ببنية صناعة الصحافة والسياسات المنظمة لها.

نوصي للقراءة: تحت الألواح الشمسية ظل.. لا يصل إلى العمال


استعادة مقعد النقيب ومحاولات التأثير غير المباشرة

وترى الكاتبة الصحفية والنقابية فيولا فهمي أن محاولات استعادة مقعد النقيب ستكون حاضرة في الانتخابات المقبلة، لكن بصورة غير مباشرة. وتقول، في حديثها لـ«زاوية ثالثة»: «الدولة، أو بعض أجهزتها إذا صح التعبير، ستحاول استعادة المقعد، لكن ليس عبر التدخل في صندوق الاقتراع، لأن انتخابات النقابة ما زالت تحتفظ إلى حد كبير بإرادة الجمعية العمومية، وإنما عبر التأثير في إرادة الناخبين».

وتوضح أن هذا التأثير يجري، بحسب تقديرها، من خلال استمرار تعثر ملفات نقابية تمس الحياة اليومية للصحفيين، مثل أوضاع المؤقتين في المؤسسات القومية، وتأخر معالجة ملف الأجور، وزيادة بدل التدريب والتكنولوجيا، واستمرار الفصل التعسفي في بعض المؤسسات، معتبرة أن تعطيل هذه الملفات «يدفع قطاعًا من الصحفيين إلى الاعتقاد بأن النقيب الأقرب إلى الحكومة أقدر على إنهاء هذه الأزمات وتحقيق المكاسب».

وتشير فهمي إلى أن هذا التصور يتجاهل أن النقيب لا يملك وحده سلطة حسم تلك الملفات، وتقول: «الناس أحيانًا تتصور أن النقيب يملك عصا سحرية، بينما نحن أمام مشكلات مزمنة متراكمة منذ سنوات، وهناك ملفات توجد رغبة لدى جهات مختلفة في ألا تُحل، وبالتالي لا تُحل». وتؤكد أن البلشي «حاول إدارة هذه الملفات باتزان كبير، لكنه في النهاية ليس صاحب القرار».

وعن استعداد تيار الاستقلال للانتخابات المقبلة في ظل هذا الاستقطاب، تستشهد فهمي بتجربة البلشي نفسه، الذي خسر ثلاث انتخابات متتالية على عضوية المجلس قبل أن يفوز بالمنصب عام 2023، وتقول: «تيار الاستقلال لم ينضب، ولا يزال يفرز قيادات جديدة باستمرار، لكن العامل الحاسم في انتخابات النقابة يبقى الظرف العام داخل الجمعية العمومية، لا الأسماء وحدها».

وتربط فهمي أهمية الصراع على المنصب بالمكانة الخاصة لنقابة الصحفيين بوصفها «نقابة الرأي»، وتقول إن النقابة «ليست مجرد نقابة مهنية، وإنما ترتبط بحرية الصحافة وتداول المعلومات، وهما من أهم مؤشرات الحريات في أي دولة»، مضيفة أن الصحفيين «ليسوا مجرد أصحاب مهنة، بل يؤدون دورًا في تشكيل الوعي العام، إلى جانب المؤسسات التعليمية والدينية».

وبين محاولات استعادة المقعد عبر مرشحين يُنظر إليهم بوصفهم الأقرب إلى دوائر السلطة، وتمسك قطاع من الصحفيين باستقلال النقابة، تبقى الجمعية العمومية صاحبة الكلمة الأخيرة. غير أن الاستبيان الأخير، وشهادات الخبراء والنقابيين الذين تحدثوا إلى «زاوية ثالثة»، تكشف أن الأزمة الحقيقية تتجاوز أسماء المرشحين، إذ ترتبط بأزمات بنيوية تراكمت عبر سنوات، من تدني الأجور وغياب الاستقرار الوظيفي إلى القيود المفروضة على العمل الصحفي وتراجع البيئة المهنية. لذلك تبقى هوية النقيب المقبل مهمة، لكنها وحدها لن تكفي ما لم تقترن بإرادة حقيقية لمعالجة جذور الأزمة واستعادة الدور المهني للنقابة والصحافة معًا.

شيماء حمدي
صحفية مصرية، تغطي الملفات السياسية والحقوقية، وتهتم بقضايا المرأة. باحثة في حرية الصحافة والإعلام والحريات الرقمية.

Search