الحركة المدنية تعيد هيكلتها وسط انقسامات لم تُحسم منذ سنوات

أعلنت الحركة إلغاء مجلس الأمناء وتعيين أكرم إسماعيل منسقًا عامًا وتشكيل لجنة تنفيذية، فاعترض حزب الدستور على أن التشكيل لا يعكس التنوع السياسي ولم يُعرض على الأمانة العامة قبل إعلانه، وأكد المصري الديمقراطي الاجتماعي أنه لن يعود إلى العضوية بينما ظل المحافظون على تجميدهم ويقولون إنهم لم يتلقوا أي تواصل في شأن إعادة الهيكلة
Picture of رشا عمار

رشا عمار

عادت الخلافات داخل الحركة المدنية الديمقراطية، التي تضم عددًا من الأحزاب والشخصيات السياسية المعارضة في مصر، إلى الواجهة خلال الفترة الأخيرة، بالتزامن مع تحركات لإعادة ترتيب هيكلها التنظيمي وقيادتها التنفيذية، فيما أثارت عملية إعادة التنظيم نقاشات بشأن تمثيل بعض الأحزاب وآليات اتخاذ القرار داخل الحركة، في وقت تسعى فيه إلى إعادة ترتيب صفوفها واستعادة فاعلية أطرها التنظيمية، عقب تجميد عدد من الأحزاب نشاطها داخلها.

ويقول أكرم إسماعيل، المنسق العام للحركة لـ«زاوية ثالثة»، إن الهيكل التنظيمي الجديد يقوم على لجنة تنفيذية وأمانة عامة، موضحًا أن اللجنة التنفيذية تتشكل وفق الأسماء الواردة في البيان الأخير للحركة، بينما تضم الأمانة العامة ممثلي الأحزاب والشخصيات العامة المشاركة فيها.

ويوضح إسماعيل أن الأحزاب المستمرة في الحركة حاليًا هي الكرامة، والتحالف الشعبي الاشتراكي، والعيش والحرية، والاشتراكي المصري، والحزب الشيوعي المصري، والدستور، والجبهة الديمقراطية، مشيرًا إلى أن أي حزب يقرر تجميد عضويته يُعد خارج الحركة خلال فترة التجميد، موضحًا أن الحركة حسمت موقفها من الأحزاب التي أصبحت علاقتها بها «معلقة» أو «ملتبسة»، ويضيف أن الهدف في المرحلة الحالية هو الانتقال إلى العمل والفعاليات، بدلًا من الاستمرار في الدوران حول الخلافات الداخلية.

وتأسست الحركة المدنية الديمقراطية عام 2017 كإطار تنسيقي جمع عددًا من الأحزاب والشخصيات العامة ذات التوجهات المدنية والديمقراطية، من دون أن تتحول إلى حزب سياسي موحد ذي برنامج تنظيمي واحد، وقامت فكرتها على تنسيق المواقف والعمل المشترك في القضايا التي تتوافق بشأنها مكوناتها، مع إبقاء مساحة لكل حزب أو شخصية للحفاظ على مواقفه المستقلة في الملفات التي لا تحظى بإجماع داخلي.

وضمت، عند تأسيسها سبعة أحزاب، هي: الدستور، والمصري الديمقراطي الاجتماعي، والإصلاح والتنمية، والتحالف الشعبي الاشتراكي، والكرامة، ومصر الحرية، والعدل، إلى جانب عدد من الشخصيات العامة، من بينها حمدين صباحي.

واتسعت عضوية الحركة لاحقًا لتشمل نحو 12 حزبًا في مراحل مختلفة، بينها الحزب الشيوعي المصري، والمحافظون، والحزب العربي الديمقراطي الناصري، وحزب الوفاق القومي، غير أن خريطة مكونات الحركة لم تبقَ على حالها، إذ شهدت السنوات الأخيرة تجميد بعض الأحزاب نشاطها داخلها أو ابتعادها عنها، في ظل خلافات ارتبطت، من بين أمور أخرى، بالموقف من الانتخابات وآليات التنسيق واتخاذ القرار والعمل المشترك.

وتعرضت الحركة لهزة عنيفة، في مايو الماضي، على خلفية بيان أصدرته بشأن إزالة القصر المملوك لأكمل قرطام، رئيس حزب المحافظين، في منطقة منيل شيحة، منتقدًا إجراءات الإزالة ورابطًا القضية بمسائل أوسع تتعلق بالملكية والحقوق العامة، وهو ما أثار اعتراضات داخل الحركة على صياغته وعلى مدى توافقه مع آليات اتخاذ القرار المتفق عليها بين مكوناتها.

وقد أعادت الأزمة طرح خلافات أعمق بشأن آليات العمل داخل الحركة، ولا سيما حدود التوافق المطلوب قبل إصدار مواقف أو اتخاذ قرارات باسمها، والجهة المخولة بالتعبير عن مواقف مختلف مكوناتها، وفي أعقابها أعلن حزب العدل انسحابه النهائي من الحركة، بعد فترة من تجميد نشاطه، فيما ظل الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي خارج إطارها منذ تجميد عضويته، مؤكدًا في الوقت نفسه دعمه للتنسيق بين قوى المعارضة في القضايا محل الاتفاق.

 

جيل الوسط يدخل المشهد.. هل تنجح إعادة هيكلة الحركة المدنية في استعادة دور المعارضة؟

اعتراضات على إعادة الهيكلة

وفي إطار مساعي إعادة ترتيب الحركة، أعلنت في 11 سبتمبر إلغاء مجلس الأمناء واختيار أكرم إسماعيل منسقًا عامًا، إلى جانب تشكيل لجنة تنفيذية تضم صلاح عدلي، وسيد الطوخي، وخالد تليمة، وحمدي قشطة وأحمد كامل، مع استمرار النقاش بشأن استكمال تشكيل اللجنة بما يعكس مكونات الحركة الحالية. كما أعلنت الحركة أن الأمانة العامة ستقوم بدور بديل عن مجلس الأمناء، على أن تضم ممثلين عن الأحزاب والشخصيات العامة المشاركة.

غير أن إعادة الهيكلة لم تُنهِ الخلافات، إذ اعترض حزب الدستور على التشكيل المعلن، معتبرًا أن توزيع المقاعد لا يعكس، من وجهة نظره، التنوع السياسي داخل الحركة، كما اعترض على عدم عرض التشكيل والبيان الخاص به على الأمانة العامة قبل إعلانهما، وطالب الحزب بإعادة النظر في التشكيل واعتماد آلية أكثر توافقًا في اتخاذ القرارات، بما يضمن تمثيل مختلف التيارات ومكونات الحركة.

وفي المقابل، أكد الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي أنه لا يعتزم العودة إلى عضوية الحركة، مع تمسكه بأهمية التعاون والتنسيق بين قوى المعارضة في الملفات والقضايا المشتركة.

وبينما تحاول القيادة الجديدة إعادة تنظيم العمل المشترك والحفاظ على الحركة بوصفها إطارًا جامعًا للقوى المدنية المعارضة، يظل استكمال تشكيل الأمانة العامة واللجنة التنفيذية، وآلية إدارة الاختلافات الداخلية، فضلًا عن المواقف التي ستتخذها الحركة في الاستحقاقات السياسية المقبلة، من أبرز الاختبارات أمام الهيكل الجديد.

وفي يونيو الماضي، وصل النقاش إلى بحث مستقبل الهيكل ذاته، مع طرح خيار إعادة الهيكلة إلى جانب خيار استمرار الحركة بصيغة جديدة، في مؤشر على أن الأزمة باتت مرتبطة بصورة أوسع بطريقة إدارة الإطار المعارض وآليات اتخاذ القرار داخله.

هل الحركة تتفكك؟

من جانبه، يرى خالد داود، المتحدث السابق باسم الحركة المدنية الديمقراطية ورئيس حزب الدستور السابق، أن تراجع دور الحركة يرتبط في الأساس بعجز مكوناتها عن التوافق في عدة قضايا، منها على سبيل المثال عدم التوافق على مرشح واحد لدعمه في الانتخابات الرئاسية، وكذلك الخلافات حول الانتخابات البرلمانية، وهو ما دفع أحزاب المصري الديمقراطي الاجتماعي والعدل والإصلاح والتنمية إلى تجميد عضويتها، حين قررت الأحزاب الثلاثة خوض الانتخابات ضمن قوائم التحالف الانتخابي «من أجل مصر».

ويضيف داود لـ«زاوية ثالثة» أن النشاط السياسي والحزبي في مصر شهد تراجعًا ملحوظًا منذ اندلاع الحرب في غزة في 7 أكتوبر 2023، في ظل انشغال القوى السياسية بتطورات الحرب ومخاوف التهجير وتداعيات انخراط مصر في الصراع.

ويوضح أن عددًا من أحزاب الحركة المدنية اتخذ في تلك الفترة موقفًا داعمًا لموقف الدولة المصرية الرافض للتهجير والمدافع عن القضية الفلسطينية، وهو ما أسهم، إلى جانب عوامل أخرى، في حالة الجمود التي أصابت النشاط السياسي والحزبي، بالتزامن مع توقف الحوار الوطني عمليًا خلال تلك الفترة، بحسب تقديره.

ويرى داود أن الخلافات الداخلية داخل الحركة تزامنت مع تضييق المجال المتاح للممارسة السياسية، ما أدى إلى تعميق أزمتها وتراجع حضورها في المشهد العام، مؤكدًا أنه كان يفضل أن تحافظ الحركة على طبيعتها كـ«عباءة واسعة» تضم مختلف الأحزاب التي تتبنى أهدافًا مشتركة تتعلق بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية وفتح المجال العام، مع احترام التباين بين مكوناتها.

ويشدد على أن الحركة، منذ تأسيسها، لم تكن حزبًا سياسيًا مستقلًا، وإنما تحالف بين أحزاب ذات توجهات مختلفة؛ فداخلها تيارات يسارية وناصرية وليبرالية، بينما يجمعها عدد من القضايا الأساسية، مثل المطالبة بفتح المجال العام، وإجراء انتخابات نزيهة، واحترام الدستور.

ويقول إن هذا التباين يفرض العمل على الملفات محل الاتفاق، مع تجاوز القضايا التي يصعب التوافق بشأنها، بدلًا من محاولة فرض موقف موحد على جميع الأحزاب.

وينتقد داود فكرة أن تتولى الحركة عبر قيادة مركزية إصدار قرارات ملزمة لمكوناتها في قضايا مثل الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية، معتبرًا أن قرار المشاركة في أي استحقاق انتخابي يجب أن يظل من اختصاص كل حزب وفق تقديره السياسي، مؤكدًا أن اختلاف الأحزاب بشأن المشاركة في الانتخابات لا يمثل، في حد ذاته، مبررًا لتفكيك الحركة أو إنهاء التحالف بينها.

وفيما يتعلق بإعادة هيكلة الحركة، يقول داود إنه فوجئ بالبيان الصادر أخيرًا، معتبرًا أن لغته اتسمت، بحسب وصفه، بنبرة «استعلائية وإقصائية» لا تتناسب مع وضع الحركة الحالي. ويوضح أن الحركة، في ظل خروج ثلاثة من أحزابها الرئيسية وتراجع حضورها السياسي، كانت بحاجة إلى محاولة استعادة الأطراف المختلفة وتوسيع مظلتها، لا إلى إعادة إنتاج الانقسامات القائمة.

ويضيف أن إعادة التأكيد في البيان على رفض الأحزاب التي شاركت في الانتخابات لم يكن، من وجهة نظره، مناسبًا لمرحلة تسعى فيها الحركة إلى إعادة بناء نفسها، خصوصًا أن القضية تعود إلى خلافات سابقة، ويقول إن الأولوية كان ينبغي أن تكون لمحاولة استعادة مكونات الحركة وتعزيز مساحات الاتفاق بينها، بدلًا من تكريس الخلافات.

وعن بيان قصر أكمل قرطام، يصف داود الأزمة بأنها «القشة التي قصمت ظهر البعير»، مؤكدًا أن الخلافات داخل الحركة كانت قائمة قبل صدوره، مشيرًا إلى أن البيان، من وجهة نظره، جاء خارج السياق ولم يكن مرتبطًا بصورة مباشرة بالقضايا التي اعتادت الحركة الدفاع عنها، لافتًا إلى أن حزب المحافظين نفسه أعلن، وفق بيان صادر عنه، عدم موافقته على البيان.

 

وتشير تقارير سابقة إلى أن الحركة واجهت، منذ عام 2018، تحديات سياسية وأمنية قيدت قدرتها على ممارسة نشاطها والحفاظ على حضورها في المجال العام. واستمر هذا الوضع لسنوات، قبل أن تعود الحركة إلى واجهة المشهد السياسي في أبريل 2022، عقب دعوة الرئيس، خلال حفل إفطار الأسرة المصرية، إلى إطلاق الحوار الوطني بمشاركة قوى سياسية مؤيدة ومعارضة. ومثلت الدعوة آنذاك نافذة لاستعادة الحركة جزءًا من حضورها السياسي وإعادة تنشيط نشاطها في المجال العام.

وقد شهدت مرحلة الحوار الوطني قدرًا من التماسك داخل الحركة المدنية، إذ برز نشاطها بشكل واضح في المطالبة بالإفراج عن المحبوسين على ذمة قضايا الرأي. غير أن هذا التماسك لم يدم طويلًا، وسرعان ما بدأت الخلافات تتصاعد مع اقتراب الانتخابات الرئاسية لعام 2023، ففي البداية تبنّت الحركة موقفًا موحدًا يدعو إلى توفير ضمانات لإجراء انتخابات تنافسية، قبل أن تتباين مواقف مكوناتها لاحقًا بشأن مسألة المشاركة في السباق الرئاسي، ما أدى إلى انقسام داخل صفوفها.

وفي تقرير سابق لـ«زاوية ثالثة» بعنوان «اتفقنا على أن لا نتفق… كواليس انشقاقات المعارضة المصرية»، رصدنا أبرز محطات الانقسام داخل الحركة المدنية الديمقراطية خلال هذه المرحلة، فيما توقع التقرير أن تشهد الحركة تحولًا في طبيعة دورها بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وأن لا تعود إلى وضعها السابق قبل الاستحقاق الانتخابي، وهو ما حدث لاحقًا مع تجميد حزبي المصري الديمقراطي الاجتماعي والعدل لعضويتهما، قبل أن يقرر حزب الإصلاح والتنمية التجميد أيضًا بعد ذلك.

 

نوصي للقراءة: الحركة المدنية في أزمتها الأعمق: بيان واحد كشف ما تراكم منذ 2017

ما موقف حزب المحافظين؟

من جانبه، يوضح عمرو الشريف، نائب رئيس حزب المحافظين، أن الحزب لم يعلن خروجه من الحركة المدنية الديمقراطية، وإنما اتخذ قرارًا بتجميد نشاطه داخلها على خلفية أزمة البيان المتعلق بقصر أكمل قرطام. ويقول إن الأزمة بدأت عقب صدور البيان من دون الرجوع إلى قرطام أو إلى الحزب، ما دفع المجلس الرئاسي للحزب إلى اتخاذ قرار بتجميد النشاط في الحركة.

ويشير الشريف إلى أن قرار التجميد اتُخذ قبل نحو أربعة أشهر، ومنذ ذلك الوقت لم يشارك الحزب في أنشطة الحركة، موضحًا أن ما أثار اعتراضه أخيرًا هو إدراج حزب المحافظين ضمن الأحزاب الخارجة من الحركة، رغم أن الحزب لم يعلن خروجه، وإنما اكتفى بتجميد نشاطه.

وبشأن محاولات إعادة هيكلة الحركة المدنية وتنشيطها، يؤكد الشريف أن حزب المحافظين لم يتلقَّ أي تواصل في هذا الإطار، وأن موقفه الحالي لا يزال قائمًا على تجميد النشاط، ويضيف أن الحزب لا يشارك في المؤتمرات والفعاليات التي تنظمها الحركة في الوقت الراهن، ولم يتخذ قرارًا جديدًا يتجاوز قرار التجميد.

في المقابل، يؤكد الشريف أن تجميد النشاط داخل الحركة لا يعني الانغلاق أمام التعاون السياسي مع الأحزاب الأخرى، موضحًا أن حزب المحافظين يواصل العمل المشترك مع مختلف القوى التي تتعامل مع المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه المواطنين، ويشير إلى أن الحزب دعا مختلف القوى السياسية، بما فيها أحزاب الحركة المدنية، إلى مائدة مستديرة حول الاستراتيجية التي يعمل عليها، وأن الدعوة لاقت استجابة من 15 حزبًا.

ويشدد الشريف على أن موقف الحزب من الحركة المدنية يتمثل في «تجميد النشاط فقط»، مؤكدًا أن الحزب منفتح على التعاون مع مختلف الأحزاب في إطار المساحة المتاحة للعمل السياسي، ولا يعتبر أن الخلاف القائم مع الحركة يحول دون التعاون مع القوى السياسية الأخرى.

كيف تخطط الحركة للمستقبل؟

يرى خالد داود أن أي محاولة لإعادة بناء الحركة ينبغي أن تركز على توسيع المشاركة السياسية، لا سيما في ظل تراجع النشاط الحزبي وضيق المجال العام، ويؤكد أنه لا يعارض انتقال جيل جديد أو ما يسميه «جيل الوسط» إلى مواقع أكثر تأثيرًا داخل الحركة والمشهد السياسي، لكنه يرى أن تجديد القيادة ينبغي أن يقترن بخطاب أكثر توافقًا وأقل إقصاءً.

ويقول إن استعادة الدور السياسي للحركة تظل مرتبطة، في تقديره، بعودة فتح المجال العام والسماح للأحزاب بممارسة نشاطها ومنح الإعلام مساحة أكبر من الحرية، وهي مطالب يقول إن القوى المشاركة في الحوار الوطني سبق أن طرحتها. وفي المقابل، يشكك في قدرة التشكيل الحالي، في ظل محدودية عدد الأحزاب الموجودة داخله واستمرار الخلافات بشأن تمثيلها، على استعادة الحركة لوضعها السابق بوصفها إطارًا جامعًا لأحزاب المعارضة.

وبينما ينتقد داود استبعاد أحزاب ما زالت تصنف نفسها ضمن المعارضة بسبب مواقفها من الانتخابات، موضحًا أنه يتفهم قرار بعض الأحزاب رفض خوض الانتخابات على قوائم مؤيدة للسلطة أو مقاطعة الانتخابات الرئاسية إذا رأت غياب شروط المنافسة، لا يرى في ذلك سببًا كافيًا لإقصائها من الحركة. ويستشهد بالحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، معتبرًا أن مواقفه داخل البرلمان لا تعكس، في تقديره، اصطفافًا مع الحكومة في القرارات التي تتخذها، وإنما معارضة تحت قبة البرلمان، وبالتالي لا يرى مبررًا لاستبعاده من إطار المعارضة المدنية.

وحول أجندة الحركة خلال الفترة المقبلة، يقول منسقها أكرم إسماعيل إنها تعتزم تنظيم عدد من الفعاليات والموائد المستديرة، إلى جانب عقد جلسات تشاور مع شخصيات عامة وأطراف سياسية لتقييم الأوضاع السياسية في مصر، ويضيف أن الحركة تستعد أيضًا لتنظيم مؤتمر حول الأوضاع العامة في البلاد، متوقعًا عقده في نهاية العام، على أن يتناول الملفات السياسية والاقتصادية والمجتمعية، ويطرح رؤية نقدية للأوضاع الراهنة.

ويشير إسماعيل إلى أن الحركة ترفع في المرحلة الحالية شعار «لا لتعديل الدستور، لا للإفقار»، موضحًا أن رفض تعديل الدستور يرتبط، من وجهة نظر الحركة، بعدد من القضايا، بينها رفض تمديد مدد الرئاسة، وانتقاد طريقة إدارة الحياة السياسية، وما يصفه بالقمع وإخراس الأصوات وتقييد حق التنظيم وحرية الرأي والتعبير. أما شعار «لا للإفقار»، فيرتبط، بحسب إسماعيل، بالضغوط الاقتصادية التي يواجهها المصريون، وفي مقدمتها التضخم وارتفاع أسعار الخدمات والسلع وتكاليف المعيشة.

ويشدد المنسق العام للحركة على أن المؤتمر المرتقب يمثل فعالية ضمن برنامج أوسع، وليس محور نشاط الحركة خلال الفترة المقبلة، مؤكدًا أن العمل سيشمل بصورة مستمرة تنظيم الندوات وجلسات التشاور مع مختلف الأطراف السياسية.

وفيما يتعلق بالانتخابات المحلية، يؤكد إسماعيل اهتمام الحركة بالملف واستعدادها للمشاركة فيها إذا توافرت الظروف التي تسمح بذلك. ويقول إن الحركة ستقيّم موقفها من المشاركة في ضوء طبيعة القانون المنظم للانتخابات وآليات إدارته، خصوصًا إذا تضمنت القواعد النهائية قيودًا تحول دون المشاركة، لكنه يشدد على أن «الأصل» هو المشاركة في انتخابات المحليات وفي مختلف الاستحقاقات السياسية.

وبشأن وجود ممثلين للحركة داخل البرلمان، يوضح إسماعيل أنه لا يوجد نواب يمثلون الحركة بصورة مباشرة، لكنه يشير إلى وجود نواب وأطراف برلمانية تعتبرهم الحركة من أصدقائها، في إطار توافقات في بعض المواقف والقضايا، من دون وجود تحالف برلماني معلن باسم الحركة.

 

نوصي للقراءة: مصر.. مقربون من السلطة يطالبون بكتابة دستور جديد

أزمات متراكمة

شهدت الحركة خلال السنوات الماضية محطات عديدة من الخلافات، فبعد الانتخابات الرئاسية 2023 انتقلت حالة الانقسام إلى مرحلة جديدة مع استمرار تجميد عضوية حزبي المصري الديمقراطي الاجتماعي والعدل، وتصاعد التباين حول التحالفات الانتخابية والاستعداد للانتخابات البرلمانية.

وفي فبراير 2024، تفجرت أزمة أخرى على خلفية بيان للحركة دعا إلى السماح بالتظاهر رفضًا للحرب في غزة، وانتقد الموقف المصري منها واستمرار اتفاقية كامب ديفيد، قبل أن تكشف الاعتراضات الداخلية على صدوره من دون توافق عن خلاف أعمق بشأن آليات اتخاذ القرار داخل الحركة. ووفق تقرير سابق لـ«زاوية ثالثة»، اعترضت عدة أحزاب على البيان، في مقدمتها الإصلاح والتنمية، إلى جانب المحافظين والدستور. ومع اقتراب الانتخابات البرلمانية، غادر حزب الإصلاح والتنمية مقعده داخل الحركة، لتتقلص قاعدة الأحزاب الفاعلة إلى تسعة أحزاب، بالتوازي مع تزايد الاعتماد على الشخصيات العامة داخل مجلس الأمناء مقارنة بالأحزاب المنظمة، في ظل استمرار التباين بشأن المواقف الانتخابية وآليات العمل المشترك.

وفي يوليو 2024، دفعت الحركة باتجاه إعادة هيكلة تنظيمية هدفت، بحسب ما أعلنته آنذاك، إلى رأب الصدع وتجديد دمائها وتعزيز التواصل مع الجمهور، وأسفرت لاحقًا عن تشكيل «أمانة الشباب»، التي ظهر نشاطها في عدد محدود من الفعاليات قبل أن يتراجع تدريجيًا من دون أن يترسخ كإطار تنظيمي مؤثر داخل الحركة.

ومع الانتخابات البرلمانية، ظهر التباين بين مكونات الحركة بصورة أوضح، في ظل غياب تحالف انتخابي موحد يجمعها تحت مظلة واحدة، وهو ما رصدته «زاوية ثالثة» في تقرير سابق حول أسباب عدم نجاح الحركة في صياغة تحالف انتخابي مشترك.

وتزامن ذلك مع أزمة أخرى حول حزب المحافظين ومرشحه إسلام قرطام، نجل رئيس الحزب أكمل قرطام، بعد توجيه اتهامات إليه خلال انتخابات مجلس النواب عن دائرة البساتين ودار السلام، بينها مزاعم بشأن وجود تنسيق غير مباشر مع مرشحين من حزب مستقبل وطن على المقاعد الفردية واستخدام المال السياسي، وهي اتهامات نفاها حزب المحافظين، لتضيف الأزمة فصلًا جديدًا إلى الخلافات حول المواقف الانتخابية وحدود التنسيق بين مكونات الحركة والقوى السياسية الأخرى.

وتكشف التطورات الأخيرة داخل الحركة المدنية الديمقراطية أن أزمة الإطار المعارض لا تتوقف عند خلاف حول بيان أو تشكيل تنظيمي، وإنما تمتد إلى اختلافات أعمق بشأن طبيعة التحالف نفسه، وحدود الالتزام بقراراته، وكيفية إدارة التباين بين أحزاب تنتمي إلى تيارات سياسية مختلفة.

وبينما تراهن القيادة الجديدة على إعادة تنشيط الحركة من خلال الفعاليات والموائد المستديرة وطرح رؤية نقدية للأوضاع السياسية والاقتصادية، لا تزال بعض مكوناتها خارج هذا المسار، سواء بتجميد النشاط أو بالانسحاب، فيما تستمر الاعتراضات على طريقة إدارة الهيكل الجديد وآليات تمثيل الأحزاب داخله.

رشا عمار
صحفية مصرية، عملت في عدة مواقع إخبارية مصرية وعربية، وتهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية.

Search