الحرب على غزة.. حكايات عن الجرحى والعالقين على معبر رفح

2000 طبيب مصري يتطوعون لإجراء الجراحات للهاربين من القصف الإسرائيلي و”سيناويون”” يشاركون في الإغاثة
محمد سلمان 

سيناء، مصر

أسفرت الحرب التي تشنها قوات الاحتلال الإسرائيلي، مع غلقها معبر رفح الحدودي، عن تعقيدات بشأن إدخال المساعدات إلى القطاع المحاصر، في الوقت الذي شهدت محافظة جنوب سيناء زيادة في أعداد المتطوعين المصريين، الذين هرعوا للمشاركة في جهود الإغاثة، لأن هذا “واجبهم تجاه الشعب الفلسطيني” وفق تعبير عدد منهم.

وعقب إعلان القاهرة فتح مطار العريش الدولي، لاستقبال شحنات الإغاثة الدولية، ووصول الطائرات من الأردن وتركيا والإمارات، تكدَّست المساعدات في الصالة المغطاة بإستاد العريش، وكذلك ساحة المطار، لتبرز مشكلة عدم وجود أماكن أو مخازن، تستوعب آلاف الأطنان من المساعدات، التي صارت مهددةً بالتلف، إثر مماطلة الاحتلال في فتح المعبر، الأمر الذي دفع القبائل السيناوية ومواطنين متطوعين، إلى حل الأزمة عبر توفير مخازن بديلة، لحين عودة الأمور إلى مساراتها الطبيعية.

 

المساعدات تصل إلى سيناء

 

واستقبلت مصر المساعدات الإنسانية والإغاثية، عبر مطار العريش والجسر البري، عقب يوم واحد، من زيارة أنطونيو جوتيري، الأمين العام للأمم المتحدة في 21 أكتوبر الماضي، وتولى متطوعو الهلال الأحمر المصري، مهمة تجهيز المساعدات تمهيدًا لإدخالها إلى القطاع.

ويقول خالد زايد، رئيس فرع الهلال الأحمر بشمال سيناء، إنه منذ السابع من أكتوبر يتواصل الهلال الأحمر، مع عدد من التحالفات الوطنية والسياسية في سيناء، وينسق مع الهلال الأحمر الفلسطيني، بما يسهل عملية استلام ونقل المساعدات.

ويكشف عن أن حجم المساعدات التي وردت من القاهرة، بلغت نحو 20 ألف طن، وفرتها 30 دولة، و10 منظمات، واستقبلها مطار العريش الدولي، موضحًا أن المساعدات من داخل مصر تقدر بثلاثة أضعاف المساعدات من الخارج، سواء كانت من دول عربية أو أجنبية ومنظمات دولية.

على الصعيد ذاته، استقبلت مستشفيات العريش والشيخ زويد وبورسعيد 400 مصاب توافدوا من غزة، في حين جرى تحويل عدد آخر من الجرحى الفلسطينيين، إلى مستشفيات بورسعيد والإسماعيلية ومعهد ناصر و6 أكتوبر والشيخ زايد بالقاهرة.

وتقدّر وزيرة التضامن الاجتماعي، نيفين القباج، حجم المساعدات منذ بداية الحرب، بنحو 32 ألف طن، وفرت القاهرة ما يقرب من 70 في المئة منها.

ووفقًا للوزيرة، فإن عدد طائرات المساعدات التي وصلت مطار العريش تزيد عن 180 طائرة، بجانب إطلاق أول سفينة بحرية محملة بـ200 طن مساعدات.

وكتب الهلال الأحمر على صفحته الرسمية على منصة “فيسبوك” أن المساعدات التي دخلت القطاع حتى يوم 25 نوفمبر الجاري، وصلت من 34 دولة و11 منظمة إلى جانب مصر، بواقع 195 طائرة إغاثة، و1814 شاحنة، منها 1143 شاحنة مواد غذائية، فضلًا عن المساعدات الطبية ومستلزمات معيشية.

الدور المجتمعي

 

يعيش حمدان في العريش، ويحلم مثل غيره أن يتخرج في الجامعة قريبًا، ورغم أنه لم يشهد الحرب، إلا أن “مفرداتها” محفورة في وجدانه، من خلال حكايات جدته التي عايشتها، في العدوان الثلاثي وهزيمة يونيو وحرب السادس من أكتوبر.

يقول حمدان: “في كل مرة يشن العدو الإسرائيلي عدوانًا على قطاع غزة، تداهمني الكوابيس الراسخة في ذهني من حكايات جدتي، لذلك سارعت هذه المرة إلى التطوع لمساعدة الجرحى والعالقين في القطاع المحاصر، مضيفًا “لا أستطيع النوم منذ شهر ونصف، ولكنه دور يجب أن أؤديه”.

ويساعد حمدان الذي لم يبلغ من العمر 20 عامًا، في إجلاء المصابين من المعبر، ويقدم لهم أغطية وملابس للحماية من برد الشتاء، كما يتلقى هو وزملاؤه عبر التنسيق مع الهلال الأحمر المصري، طلبات مدير مستشفى العريش العام، أحمد منصور، لتنفيذها فورًا.

يقول: “نُسلّم الوجبات الساخنة إلى مرافقي الجرحى، ونعمل منذ الصباح الباكر وحتى الثامنة مساء كل يوم، وفي حال كان المصاب قد تلقى علاجه، نمنحه وذويه كرتونة مواد غذائية تكفي لأربعة أيام، ثم ينقلون إلى مكان للإقامة المؤقتة”.

ويقول مسؤول الهلال الأحمر في شمال سيناء، خالد زايد، إن المتطوعين يؤدون دورًا مهمًا، وقد وصلت ساعات عملهم إلى أكثر من 100 ألف ساعة، إذ يستقبلون الغزيين لدى وصولهم المعبر، ومن ثم يوزعونهم على مستشفيات شمال سيناء، فضلًا عن استقبال الطائرات في مطار العريش، وتفريغ حمولتها ونقلها إلى مخازن مؤقتة، إضافة إلى إعادة تجهيز المساعدات قبل نقلها إلى غزة عبر معبر رفح البري.

وبعيدًا عن الجانب الشعبي، فإن مدير مكتب خدمة المواطنين بمستشفى العريش العام، حجاج فايز الصعيدي، الذي يقول إنه لا يكاد يذوق للنوم طعمًا، لأنه “لازم أكون موجود عشان أستقبل أهلنا الجرحى القادمين من غزة”.

ويقول: “معي فريق من أبناء سيناء المتطوعين، ومؤسسات المجتمع المدني.. ومع بدء الحرب، عقدنا اجتماعًا مع المؤسسات الأهلية، ونشرنا المتطوعين أمام المعبر، للمساهمة في تجهيز شاحنات المساعدات، إلى جانب تجهيز فصائل دم من متبرعين، لحين وصول الجرحى الفلسطينيين إلى شمال سيناء”.

وأعدَّ فريق العمل مخيمًا أمام المكتب، لاستقبال مرافقي المصابين، ويشارك الفريق مجموعة من المتطوعين، تقديم الخدمة والرعاية لهم، بما تشمله من الإقامة والوجبات، وكذلك تحويل الحالات الطبية إلى مستشفيات خارج شمال سيناء.

ويوضح أن المحافظة خصصت سيارات لنقل مرافقي الجرحى، لمقرات مخصصة لإقامتهم، مشيرًا إلى أن الخيمة تستقبل العديد من أهالي العريش الذين يتوافدون بصفة يومية لاستقبال المرافقين والجلوس معهم في إطار تقديم الدعم النفسي لهم”.

 

الفريق الطبي.. أبطال

 

يبذل الأطباء المصريون جهودًا مضنية للحفاظ على أرواح الجرحى الذين يتلقون العلاج في شمال سيناء، خاصةً في مستشفى العريش العام، وبئر العبد التخصصي، ويجرون يوميًا جراحات بالغة الدقة للحالات الحرجة، ووفقًا لنقابة الأطباء في القاهرة، فإن عدد الأطباء المتطوعين منذ بدء العدوان، بلغ نحو 2000 طبيب.

يقول رئيس قسم التخدير في مستشفى العريش العام، سامي أنور إن فريقنا الطبي يبذل جهودًا مضاعفة على مدار الساعة، لإجراء عمليات دقيقة للمصابين، وخاصة الحالات المهددة ببتر الأطراف، وإصابات الدماغ التي تتطلب تدخلًا جراحيًا فوريًا.

ويستطرد أن الإصابات “بشعة للغاية”، وكثير منها تحتاج إلى عمليات تجميلية، لكن هذا ليس ممكنًا نظرًا للضغط الكبير على الأطباء، الذين يُستنزفون في إجراء عمليات دقيقة، وتستغرق الجراحة الواحدة ما يزيد عن عشر ساعات.

فور الإعلان عن استقبال الجرحى الغزييّن، بادر الدكتور أحمد عبد العزيز، أستاذ جراحة العظام بكلية قصر العيني في جامعة القاهرة، وفريقه الطبي المكون من ثمانية أطباء من مختلف التخصصات الجراحية والتكميلية، إلى السفر إلى رفح، ثم مستشفى العريش، ليكونوا في استقبال الجرحى القادمين من غزة.

“عبد العزيز” وفريقه تركوا عياداتهم وأعمالهم الخاصة، مستجيبين لما يصفه بـ”نداء الواجب الإنساني تجاه الأشقاء”، ويقول: “أجرى فريقي الطبي خلال يومين 17 جراحة، وتشمل كسورًا معقدة ودقيقة، ومعظمها في العمود الفقري.

ويصف حالات المصابين ” وبعض المصابين تعرضوا لتفتت العظام.. الإصابات في غاية البشاعة، بعضهم تعرض لحروق أسفرت عن تضرر الجلد بالكامل، وهناك الكثير من حالات بتر الأعضاء، وانكشاف العظام، إن الاحتلال يستخدم من دون شك، أسلحة محرمة دوليًا”.

وحسب شهادة طارق عزت عبد اللطيف، رئيس قسم الأورام بجامعة الزقازيق، والذي غادر مدينته إلى سيناء أيضًا، فقد أُجريت نحو 86 جراحة شملت الكسور المعقدة والمضاعفة، وجراحات دقيقة بالدماغ والأطراف المبتورة، مضيفا أن ما يقوم به الأطباء تجاه المصابين، “واجب وطني مكمل لدور مصر العظيم والتاريخي في دعم الشعبي الفلسطيني”.

وفي مستشفى بئر العبد التخصصي الواقعة في شمال غرب سيناء، يواصل الفريق الطبي أيضًا، دوره البارز، في تقديم الدعم الطبي لنحو 25 مصابًا فلسطينيًا بينهم عدد من الأطفال والنساء، من خلال إجراء العمليات والمتابعة في غرف العناية والرعاية.

ويقول تامر حمدي، مدير مستشفى بئر العبد التخصصي، إنه بمتابعة وإشراف وزير الصحة ورئيس أمانة المراكز الطبية المتخصصة، يشارك المستشفى في تقديم المساعدات الطبية والإسعافات الأولية للمصابين والجرحى، “والأطباء المتواجدون من تخصصات التخدير، والعظام، والجراحة العامة، وجراحة الأوعية الدموية، وجراحة التجميل، والقلب والصدر، والأشعة يؤدون عملًا بطوليًا”.

كما يتواصل الدور الحيوي لمرفق إسعاف شمال سيناء، ويكشف الدكتور محمود عامر، مدير المرفق، عن تخصيص 150 سيارة أمام المعبر، لتؤدي مهامها بنقل المصابين الفلسطينيين من معبر رفح إلى المستشفيات المصرية بشمال سيناء.

 

أين يذهب الجرحى وذويهم بعد التعافي؟

 


محمد عبد الفضيل شوشة، محافظ شمال سيناء، يؤكد توفير مقرات إقامة مؤقتة للمرافقين من أهالي المصابين، وهي مزودة بخدمات الإعاشة الكاملة، بعمارات حي السبيل جنوبي العريش، إلى جانب توفير وسائل مواصلات لهم، لنقلهم من مقر الإقامة إلى المستشفى، لمتابعة ذويهم المصابين والعودة مرة أخرى بصفة يومية. وجرى تجهيز قاعة نادي اتحاد شمال سيناء، وتزويدها بنحو 50 سريرا، لاستقبال المصابين بعد تماثلهم للشفاء، تمهيدا لإعادتهم مرة أخرى بصحبة مرافقيهم إلى غزة.

 

العالقون في الجانب المصري

ويعبّر عدد من الغزييّن العالقين على الجانب المصري منذ بدء الحرب، عن سعادتهم الغامرة، لأنهم سيعودون إلى “وطنهم”، وفق ما أعلنت السلطات المصرية.

ورغم أن هذا الوطن، صار “حطامًا وأنقاضًا” إثر القصف الإسرائيلي، فإن الشابة الفلسطينية إسراء عبد القادر، التي تقف بجانب حقائبها الثقيلة، على معبر رفح تقول: “إنه الوطن، لا بديل له”.

وخضعت إسراء لجراحة بإحدى مستشفيات الزقازيق بمحافظة الشرقية بعد دخولها مصر في سبتمبر الماضي.. تقول: “خلال عودتي رفقة والدي في الطريق إلى غزة، بدأ العدوان الإسرائيلي وبقيت عالقة في مدينة العريش بشمال سيناء لنحو شهرين.. مشاعري الآن مختلطة ما بين الحزن على من استشهدوا من عائلتي ومن صديقاتي، وما بين الفرحة بالعودة إلى وطني”.

وتضيف “أشتاق إلى الشارع والتراب والهواء، سأعود للإقامة لدى أقاربي، بعد أن تعرض بيتنا للقصف ولم يعد له وجود، ومعه فقدت ذكرياتي”.

ويلتقط والدها عبد القادر العرجة، طرف الحديث ليؤكد أنه غاب عن الوطن منذ شهرين ونصف ولكنه يعتبر هذه الفترة تساوي عشرين عاما، وخاصة بعد بدء العدوان على غزة.

ويقول: “كنت أتألم في صمت وقهر، إذ أتابع ما يحدث لأبناء وطني تحت نيران الصواريخ التي تتساقط عليهم كالمطر.. كل يوم مر عليّ في العريش شعرت فيه بالوجيعة”.

“أشلاء أبناء وطني والبيوت التي صارت ركامًا، والأسلحة المحرمة دوليًا.. كيف بوسعي أن أوقف هذا الشعور الجارف بالوجع؟”.. يتساءل بصوت محشرج.

ويضيف “رغم الترحاب الشديد والجهود التي بذلتها مصر، إلا أنه لابد من العودة إلى الديار التي دمرها الاحتلال الإسرائيلي، لا بديل عن الوطن”.

ويقول سعد حسين سلوت من منطقة بني سهيلة في مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، والذي يبلغ من العمر 78 عامًا: “اليوم أعود إلى بلدي التي أشتاق لها، بعد رحلة علاج بمستشفى فلسطين بالقاهرة لنحو 50 يوما في مدينة العريش، رغم ما تشهده غزة وخاصة منطقتي في خان يونس”. مشيرًا إلى أنه فقد من عائلته 13 شهيدًا إثر غارات الطيران الإسرائيلي.

ويترقب حمادة أبو جزر، الضوء الأخضر من الجهات السلطات المصرية بشمال سيناء؛ ليتمكن من إعادة جثمان والده الشهيد إلى القطاع.. ويقول: “كان يتلقى العلاج في مستشفى العريش إلا أنه لفظ أنفاسه الأخيرة متأثرا بجراحه، عن عمر 59 عامًا، إثر إصابة خطيرة في الرأس، دخل في غيبوبة، واحتجز في العناية المركزة ثم توفي بعد 6 أيام من وصوله”.

Search