مطالب 30 يونيو بعد 13 عامًا: أمن تحسن واقتصاد يتعثر وحريات تتراجع

بعد 13 عامًا على حملة “تمرد” التي وقّع عليها أكثر من 22 مليون مصري، ارتفع الدين الخارجي من 43 مليار دولار إلى 164 مليار دولار، وتراجعت قيمة الجنيه من 7 إلى نحو 50 جنيهًا للدولار، فيما تحسّن المؤشر الأمني نسبيًا وسط استمرار القيود على الحريات العامة.
Picture of شيماء حمدي

شيماء حمدي

عندما أطلقت حركة “تمرد” حملتها في أبريل عام 2013، بعد عشرة أشهر فقط من حكم الإخوان، قدمت نفسها باعتبارها مبادرة شعبية تهدف إلى سحب الثقة من الرئيس الراحل محمد مرسي والدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة، مستندة إلى ما وصفته بفشل إدارة الدولة وتراجع الأوضاع الاقتصادية والأمنية والسياسية، وعدم تحقيق أهداف ثورة 25 يناير المتمثلة في “العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية”.

تضمنت استمارة “تمرد” دعوة صريحة لسحب الثقة من رئيس الجمهورية وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة. واستندت الحملة في دعوتها إلى عدد من المبررات عبّرت عنها في الاستمارة، ومن أبرزها: استمرار التدهور الأمني، إذ اعتبرت أن المواطن لا يزال يفتقد الشعور بالأمان؛ وغياب العدالة الاجتماعية، معتبرة أن الفقراء لم تتحسن أوضاعهم، وأن مطالب الثورة في تحقيق حياة كريمة لم تتحقق.

بالإضافة إلى فقدان الاستقلال الاقتصادي، عبر انتقاد ما وصفته بالاعتماد على المساعدات الخارجية وتدهور الاقتصاد؛ وعدم القصاص لشهداء ثورة 25 يناير، معتبرة أن العدالة الانتقالية لم تتحقق وأن المسؤولين عن قتل المتظاهرين لم يُحاسبوا؛ فضلًا عن اتهام السلطة في عهد مرسي بتوظيف الدين في العمل السياسي، وهو ما عبرت عنه الاستمارة بعبارة “تاجر بدين الإسلام”. وجاء الطلب بانتخابات رئاسية مبكرة باعتبارها الوسيلة الديمقراطية لتجديد الشرعية ومنح الشعب حق اختيار رئيس جديد.

وبعد مرور ثلاثة عشر عامًا على أحداث 30 يونيو، يبرز السؤال حول حصيلة المطالب التي رفعتها حملة “تمرد” ووقّع عليها ما يزيد على 22 مليون مواطن ومواطنة عبر الاستمارة التي انتشرت في مختلف المحافظات. فهل تحققت المطالب التي استندت إليها الحملة، وعلى رأسها استعادة الأمن، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتحسين الأوضاع الاقتصادية؟

 

نوصي للقراءة: الحركة المدنية في أزمتها الأعمق: بيان واحد كشف ما تراكم منذ 2017

الانتخابات الرئاسية… من مطلب “تجديد الشرعية” إلى حق “التنافس”

كان المطلب الرئيسي الذي رفعته حملة “تمرد” هو سحب الثقة من الرئيس محمد مرسي والدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة باعتبارها مخرجًا ديمقراطيًا للأزمة السياسية التي شهدتها البلاد في عام 2013.

وبالفعل، عقب عزل الرئيس محمد مرسي، أُعلنت خارطة طريق لمرحلة انتقالية تولى إدارتها المستشار عدلي منصور بصفته رئيسًا مؤقتًا للبلاد. وفي إطار هذه المرحلة، أُجريت انتخابات رئاسية جديدة في يونيو 2014، في سياق اعتُبر تحقيقًا لأحد المطالب الأساسية التي رفعتها حملة تمرد والمتعلقة بالدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة. وانتهت بفوز عبد الفتاح السيسي بنسبة 96.91% من إجمالي الأصوات الصحيحة، مقابل 3.09% لمنافسه حمدين صباحي، وفق النتائج الرسمية المعلنة آنذاك.

وأثارت الانتخابات نقاشًا سياسيًا واسعًا حول مستوى التنافسية داخل السباق الرئاسي، إذ اعتبرت قوى معارضة ومنظمات حقوقية أن الانتخابات جرت في مناخ اتسم بقدر من الاستقطاب السياسي ومحدودية المنافسة الفعلية، مستندة إلى الفارق الكبير في النتائج وإلى طبيعة المرحلة الانتقالية التي أعقبت عزل الرئيس الراحل محمد مرسي واتسمت بعدم الاستقرار الأمني والسياسي. في المقابل، رأت قوى سياسية أخرى أن الانتخابات جاءت في ظروف استثنائية شهدتها البلاد، وأنها مثلت خطوة نحو استعادة الاستقرار واستكمال خارطة الطريق التي أُعلنت في أعقاب التغيير السياسي الذي شهدته مصر في صيف 2013.

ورغم الجدل الذي صاحب انتخابات الرئاسة في عام 2014، فإنها تعتبر الأقل جدلًا مقارنة بالانتخابات الرئاسية اللاحقة التي أُجريت عامي 2018 و2024، والتي شهدت انتقادات أوسع من منظمات حقوقية محلية ودولية وتقارير متابعة انتخابية بشأن مستوى التنافسية والبيئة السياسية المحيطة بالعملية الانتخابية.

ففي انتخابات عام 2018، أصدرت 14 منظمة حقوقية مصرية ودولية بيانًا مشتركًا اعتبرت فيه أن الانتخابات “ليست حرة ولا نزيهة”، مشيرة إلى أن السلطات المصرية “قوّضت أبسط متطلبات الانتخابات الحرة والنزيهة” عبر التضييق على الحريات العامة وملاحقة عدد من المرشحين المحتملين وأنصارهم.

وجاءت هذه الانتقادات في ظل خروج عدد من المرشحين المحتملين من السباق الرئاسي قبل انطلاقه، سواء بالانسحاب والعدول عن الترشح أو الاستبعاد. وكان أبرزهم رئيس الأركان الأسبق سامي عنان الذي أُلقي القبض عليه في يناير 2018 عقب إعلانه الترشح للرئاسة، قبل أن يصدر بحقه لاحقًا حكم عسكري، كما أُلقي القبض أيضًا على العقيد أحمد قنصوة بعد إعلانه الترشح. كما أعلن كل من أحمد شفيق وخالد علي العدول عن خوض السباق الانتخابي، لينتهي الأمر بـمنافسة الرئيس عبد الفتاح السيسي لرئيس حزب الغد موسى مصطفى موسى، الذي كان قد أعلن في وقت سابق دعمه لترشح السيسي.

وفي حوار أجرته “زاوية ثالثة” مع المحامي الحقوقي والمرشح الرئاسي السابق عام 2018 خالد علي، كشف للمرة الأولى عن أحد الأسباب التي دفعته إلى الانسحاب من السباق الرئاسي آنذاك. وقال إن حملته رصدت ما اعتبرته مؤشرات على محاولات لإقحامها في أزمة مشابهة لقضية المرشح الرئاسي الأسبق أيمن نور المتعلقة بالتوكيلات الانتخابية.

وأوضح علي أن الحملة تلقت توكيلات وصفها بالمشبوهة من بعض المحافظات، من بينها القليوبية، مشيرًا إلى أن بعضها كان يحمل أختامًا دون استيفاء البيانات اللازمة، فيما تضمنت أخرى أسماءً لا تتطابق مع قواعد بيانات الناخبين التي اعتمدت عليها الحملة من الاستحقاقات الانتخابية السابقة. وأضاف أن أعضاء بالحملة تلقوا كذلك اتصالات من أشخاص يعملون بمكاتب الشهر العقاري تحدثوا فيها عن وجود توكيلات مجهولة المصدر دون إمكانية التحقق من بيانات أصحابها أو الاطلاع على بطاقاتهم الشخصية.

وبحسب علي، فإن هذه الوقائع أثارت مخاوف داخل الحملة من احتمال استخدامها لاحقًا في ملاحقات قانونية أو اتهامات تتعلق بصحة التوكيلات، وهو ما دفع الكثير من أعضاء الحملة إلى تبني خيار الانسحاب من الانتخابات، معتبرًا أن قرار الانسحاب كان “الأنسب” في تلك الظروف.

أما انتخابات عام 2024، التي جاءت بعد التعديلات الدستورية التي أُقرت عام 2019 ومدّدت مدة الرئاسة وسمحت للرئيس عبد الفتاح السيسي بالترشح لفترة رئاسية جديدة، فقد شهدت هي الأخرى جدلًا سياسيًا وحقوقيًا، إذ أطلقت بعض القوى السياسية حملة بعنوان “مدتين كفاية” في إشارة إلى رفضها ترشح السيسي لفترة رئاسية جديدة.

وخلال مرحلة الترشح، أعلنت حملة المرشح الرئاسي المحتمل أحمد الطنطاوي تعرض مؤيديها لصعوبات في استخراج التوكيلات الشعبية اللازمة لاستكمال إجراءات الترشح، وهي إحدى الشروط القانونية لخوض الانتخابات. وفي المقابل، نفت السلطات المصرية وجود أي عراقيل متعمدة أمام المرشحين، وأكدت أن العملية الانتخابية جرت تحت إشراف الهيئة الوطنية للانتخابات ووفقًا للقواعد والإجراءات القانونية المنظمة للاستحقاق الانتخابي.

من جهتها، ترى سوزان ندا، المحامية ووكيل مؤسسي حزب العيش والحرية (تحت التأسيس)، أن قطاعًا واسعًا من المصريين استقبل ثورة يناير 2011 بآمال كبيرة في بناء دولة أكثر عدالة وحرية، وتحقيق الكرامة الإنسانية، ورفع مستوى المعيشة، ومكافحة الفساد، وضمان حرية الصحافة والإعلام، وتعزيز الحقوق والحريات العامة، إلى جانب تمكين العمال من تأسيس نقابات مستقلة، وتحسين أوضاع المرأة في سوق العمل.

وتضيف ندا، في حديثها لـ”زاوية ثالثة”، أن حالة الاستقطاب التي شهدتها فترة حكم جماعة الإخوان المسلمين، وما رافقها من أزمات سياسية وأمنية، دفعت قطاعات واسعة من المواطنين إلى تأييد الدعوات التي انتهت بخروج تظاهرات 30 يونيو، على أمل أن تمثل بداية لمسار يحقق مطالب العدالة والحرية التي رفعتها ثورة يناير.

إلا أنها تعتبر أن حصيلة السنوات اللاحقة لم تنجح في تحقيق تلك التطلعات، مشيرة إلى أن حرية التنظيم النقابي لا تزال، بحسب رؤيتها، تواجه قيودًا تشريعية وإدارية تحد من استقلال النقابات وقدرتها على تمثيل العمال والدفاع عن حقوقهم.

وأضافت أن مساحة حرية الصحافة والإعلام شهدت تراجعًا ملحوظًا، في ظل حجب مواقع إلكترونية وملاحقة صحفيين وكتاب ومواطنين بسبب آرائهم أو ما ينشرونه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب تغير خريطة ملكية وسائل الإعلام بما انعكس سلبًا على مستوى التعددية داخل المشهد الإعلامي.

كما لفتت إلى أن القيود امتدت إلى حرية الرأي والتعبير بصورة أوسع، مستشهدة بوقائع طالت ناشطات ومهنيات تعرضن للتحقيق أو الملاحقة بسبب التعبير عن آرائهن أو إثارة قضايا تتعلق بالشأن العام، معتبرة أن هذه الممارسات تعكس تضييقًا على المجال العام.

واختتمت ندا تصريحها بالقول إن الدستور المصري تضمن نصوصًا تكفل حرية الرأي والتعبير والحقوق الأساسية للمواطنين، إلا أن التطبيق العملي والتشريعات التي صدرت لاحقًا، وفق تقديرها، أفرغت جانبًا من هذه الضمانات من مضمونها، وهو ما أدى إلى اتساع الفجوة بين النصوص الدستورية والواقع، وإلى تراجع الآمال التي صاحبت مطالب التغيير والإصلاح قبل أكثر من عقد.

في تقرير سابق لزاوية ثالثة بعنوان “السيسي يفوز بولاية ثالثة.. بعد عقدٍ من سيطرة الهراوة على المجال العام”، رصد التقرير ما وصفته منظمات حقوقية وسياسية بتراجع مساحات المشاركة السياسية خلال السنوات العشر الماضية، في ظل تضييق طال الأحزاب والقوى السياسية المعارضة عبر القبض على عدد من أعضائها، ومنع فعالياتها وأنشطتها العامة، فضلًا عن القيود التي أحاطت بالمنافسة الانتخابية.

وفي هذا السياق، قال أكرم إسماعيل، القيادي بحزب العيش والحرية – تحت التأسيس – إن الحياة السياسية في مصر تعرضت خلال السنوات الأخيرة إلى عملية إفراغ تدريجية من مضمونها التنافسي، معتبرًا أن السلطة اتجهت إلى “هندسة الاستحقاقات الانتخابية” بصورة تقلص من فرص المشاركة الفعلية للمعارضة.

وأضاف إسماعيل أن إقرار نظام القائمة المطلقة المغلقة في الانتخابات البرلمانية أسهم في الحد من فرص القوى السياسية المعارضة في التمثيل النيابي، إذ تذهب جميع المقاعد للقائمة الفائزة دون تمثيل القوائم الأخرى، وهو ما انعكس على مستوى التعددية السياسية داخل البرلمان. كما اعتبر أن الانتخابات الرئاسية الأخيرة جاءت امتدادًا لهذا النهج، في ظل بيئة سياسية لا تشجع على المنافسة الحقيقية أو المشاركة الشعبية الواسعة.

ويرى إسماعيل أن النتيجة النهائية لهذه السياسات تمثلت في تراجع قدرة الأحزاب السياسية على أداء دورها الطبيعي في التنظيم والحشد والتعبير عن المصالح الاجتماعية المختلفة، بما أدى إلى انكماش المجال العام وتراجع مستويات المشاركة السياسية مقارنة بما شهدته البلاد في السنوات التي أعقبت ثورة يناير 2011.

 

نوصي للقراءة: زياد العليمي: لا معارضة حقيقية بلا نظام حكم واضح المعالم.. ومصر لا تملك الاثنين

مؤشرات الأمن: بين الإرهاب والجريمة وسيادة القانون

مثّل ملف الأمن أحد المحاور الرئيسية في خطاب حركة تمرد عام 2013، وأشارت الحملة إلى تدهور الحالة الأمنية، وتزايد أعمال العنف، وتراجع الشعور بالأمان في الشارع المصري.

وبحسب آخر تحديث لمؤشر الجريمة الصادر عن قاعدة بيانات نيمو (Numbeo) في يونيو الجاري، تشير البيانات إلى أن مستوى الجريمة في مصر (القاهرة) بلغ نحو 49.81 نقطة مقابل 50.19 لمؤشر الأمان، بما يضعه في نطاق “المتوسط”. وتُظهر البيانات أن مستوى الجريمة يُقدَّر عند 50.16 نقطة، مع تصاعد ملحوظ في معدلات الجريمة خلال السنوات الخمس الأخيرة عند 61.64 نقطة.

وتبرز بعض المؤشرات الفرعية مستويات متوسطة من القلق المرتبط بجرائم مثل السطو والسرقة وسرقة السيارات ومحتوياتها، إلى جانب مخاوف من الاعتداءات أو المضايقات، في حين تنخفض نسب القلق المرتبطة بالاعتداءات القائمة على التمييز. كما تسجل البيانات ارتفاعًا لافتًا في مؤشر الفساد والرشوة عند 79.22 نقطة، باعتباره أحد أبرز التحديات وفق إدراك المستجيبين.

في المقابل، تشير البيانات إلى أن الشعور بالأمان أثناء السير نهارًا يصل إلى 71.57 نقطة، وهو مستوى يُصنف مرتفعًا نسبيًا، بينما ينخفض هذا الشعور ليلًا إلى 49.39 نقطة ليبقى ضمن النطاق المتوسط.

فيما يضع مؤشر سيادة القانون (Rule of Law Index) الصادر عن مؤسسة مشروع العدالة العالمية مصر في مراتب متأخرة عالميًا، إذ جاءت في المركز 136 من أصل 142 دولة في أحدث إصدار متاح. في المقابل، تُظهر بيانات مؤشر الإرهاب العالمي (Global Terrorism Index – GTI) الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام (IEP) تحسنًا نسبيًا في تصنيف مصر خلال السنوات الأخيرة فيما يخص جرائم الإرهاب، إذ انتقلت من مستويات أعلى في سنوات سابقة إلى نطاق أقل خطورة في أحدث تقاريره، وذلك في ظل تراجع نشاط الجماعات المسلحة مقارنة بذروة تصاعدها في منتصف العقد الماضي. وتأتي هذه المؤشرات في ظل غياب الإحصائيات الرسمية المصرية.

 

الملف الاقتصادي والمعيشي… من دوافع 2013 إلى مؤشرات 2026

على امتداد الفترة من 2013 حتى 2026، شهدت الأوضاع الاقتصادية في مصر تحولات ومحطات ألقت بظلالها على مستويات المعيشة وسعر الصرف وحجم المديونية الخارجية.

فعلى مستوى الدين الخارجي، بدأت مصر عام 2013 عند مستوى يقارب 43.2 مليار دولار. وخلال السنوات التالية، اتخذ المسار تصاعدًا مستمرًا، ليتجاوز 100 مليار دولار في منتصف العقد، قبل أن يصل إلى ذروته التي قاربت 168 مليار دولار في فترات لاحقة. وبحلول النصف الأول من عام 2026، استقر عند نحو 163.9 مليار دولار، أي بزيادة تقارب 120 مليار دولار مقارنة ببداية الفترة.

وفي المقابل، شهد سعر صرف الجنيه المصري تغيرًا أكثر حدة، إذ كان يسجل حدود سبعة جنيهات للدولار في عام 2013، قبل أن يدخل مرحلة تحول جذري مع قرار التعويم الأول في نوفمبر 2016، حين قفز إلى نحو 18 جنيهًا. ومع الضغوط الاقتصادية العالمية وخروج استثمارات أجنبية في أدوات الدين، تراجع الجنيه مجددًا خلال عام 2022 ليصل إلى نحو 24.5 جنيهًا. وفي 2023، تجاوز مستوى 30 جنيهًا، قبل أن يشهد تعويمًا جديدًا في 2024 أوصله إلى نحو 49.5 جنيهًا، ليستقر في عام 2026 في نطاق يقارب 50 جنيهًا للدولار.

شهدت معدلات الفقر في مصر خلال الفترة الممتدة من 2013 حتى 2020 مسارًا متذبذبًا تأثر بعدة تحولات اقتصادية وسياسية، يمكن تتبعه عبر البيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. ففي عامي 2012/2013، سجل معدل الفقر القومي نحو 26.3%، في سياق اتسم بحالة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي عقب أحداث 2011، وما ترتب عليها من تباطؤ في النمو وتراجع في بعض المؤشرات الإنتاجية.

وبحلول عام 2015، ارتفع معدل الفقر إلى نحو 27.8%، بالتزامن مع بدايات تنفيذ البرنامج الإصلاحي الذي أعاد النظر في الدعم. وخلال الفترة 2017/2018، بلغ معدل الفقر نحو 32.5%، وهو أعلى مستوى رسمي تم تسجيله في تلك المرحلة، ويُعزى هذا الارتفاع بشكل أساسي إلى تداعيات قرار تحرير سعر الصرف في أواخر عام 2016، وما تبعه من موجات تضخم حادة أثرت على القوة الشرائية للأسر.

وفي عام 2019/2020، تراجع معدل الفقر نسبيًا إلى نحو 29.7% وفق أحدث مسح رسمي شامل متاح. ومنذ العام 2020، غابت الإحصائيات الرسمية للعام الرابع على التوالي، فيما أظهرت بيانات بحث الدخل والإنفاق لعام 2019/2020 وصول معدل الفقر النقدي إلى نحو 29.7%، في ظل استمرار الاعتماد على تقديرات دولية لاحقة لتعويض غياب تحديثات تفصيلية دورية. وتشير هذه التقديرات إلى استمرار وجود شريحة واسعة من السكان تقترب من خط الفقر أو تقع تحته، خاصة مع ارتفاع مستويات الأسعار وتغيرات سعر الصرف.

كما تشير تقارير الفقر متعدد الأبعاد، بالتعاون بين الحكومة ومنظمات دولية، إلى أن الفقر في مصر لا يقتصر على الدخل النقدي، بل يمتد إلى أبعاد أخرى تتعلق بالحرمان من التعليم الجيد، والخدمات الصحية، وفرص العمل اللائق، مع تسجيل فجوات واضحة بين المناطق الريفية والحضرية لصالح الحضر من حيث مستويات الخدمات الأساسية.

من جهته، يشير الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني، في حديثه لـ”زاوية ثالثة”، إلى تدرّج المؤشرات الرسمية المتعلقة بمعدلات الفقر والدين الخارجي وقيمة العملة المحلية أمام الدولار خلال السنوات الأخيرة، معتبرًا أن هذه المؤشرات تدل على الضغوط الاقتصادية المتراكمة.

كما يشير الميرغني إلى ارتفاع معدل التضخم الذي تجاوز 40% في عام 2023، بينما تجاوزت أسعار الغذاء والشراب مستويات أعلى من ذلك، ما انعكس بصورة مباشرة على أوضاع أصحاب الدخول الثابتة، وعلى رأسهم العمال الذين يقدر عددهم بنحو 21 مليون عامل، مشيرًا إلى أن غالبية العاملين لا يحصلون على الحد الأدنى للأجور، رغم رفعه من نحو 1200 جنيه إلى 8000 جنيه خلال الفترة محل الدراسة.

ويوضح الباحث الاقتصادي أن أوضاع أصحاب المعاشات شهدت بدورها ضغوطًا مماثلة، رغم رفع الحد الأدنى للمعاش من نحو 300 جنيه إلى 1755 جنيهًا، معتبرًا أن هذه الزيادات لا تتناسب مع مستويات التضخم وارتفاع الأسعار، لافتًا إلى وجود تراجع في بعض مؤشرات الإنتاج الزراعي والصناعي، بالتزامن مع ارتفاع حجم الواردات إلى ما يتجاوز 100 مليار دولار في بعض السنوات، وانخفاض نسب الاكتفاء الذاتي في عدد من السلع الأساسية، بما يعكس زيادة الاعتماد على الخارج.

وفيما يتعلق بالديون، يوضح الميرغني أن الدين المحلي ارتفع من نحو 1.5 تريليون جنيه في يونيو 2014 إلى ما يقارب 11 تريليون جنيه في 2025، كما ارتفع الدين الخارجي من نحو 46 مليار دولار إلى نحو 165 مليار دولار خلال الفترة نفسها، بالتوازي مع تراجع قيمة الجنيه المصري إلى حدود تقارب 50 جنيهًا أمام الدولار. كما يشير إلى ارتفاع أعباء خدمة الدين من فوائد وأقساط، من نحو 429.4 مليار جنيه في 2014/2015 إلى ما يقارب 5.2 تريليون جنيه في السنوات الأخيرة، وأن هذه الأعباء كانت تمثل نحو 43.7% من إجمالي الاستخدامات، قبل أن ترتفع إلى ما يقارب 64%.

ويعتبر الميرغني أن هذه الأرقام الصادرة عن البيانات الرسمية تطرح تساؤلات حول أولويات الإنفاق العام، ومدى انعكاس التوسع في الاقتراض والمشروعات الكبرى التي لا تدر عائدًا ماليًا مباشرًا، مثل العاصمة الإدارية والمونوريل والقطار السريع، على معدلات التنمية الحقيقية ومستويات المعيشة.

 

نوصي للقراءة: خالد علي: ما بعد يناير أسوأ سياسيًا واقتصاديًا من عهد مبارك (حوار)


الحريات والحياة السياسية

تعتبر حملة تمرد من أبرز المحطات التي سبقت أحداث 30 يونيو، إذ مثّلت حالة من الحراك السياسي الواسع شارك فيها ملايين المواطنين، وقدمت نفسها باعتبارها أحد أشكال التعبير الجماهيري عن الرأي عبر التظاهر السلمي.

وعقب أحداث 30 يونيو 2013، صدر قانون التظاهر الذي اعتبره حقوقيون نقطة تحول في تنظيم المجال العام، لدوره في تقييد أنماط التظاهر السلمي، وتزامن ذلك مع موجات توقيف وملاحقات طالت عددًا من النشطاء خلال السنوات اللاحقة.

وتطور الإطار التشريعي لاحقًا ليشمل تعديلات وقوانين مختلفة، من بينها قانون مكافحة الإرهاب، وقوانين تنظيم الإعلام، والجرائم المرتبطة بتكنولوجيا المعلومات، وصولًا إلى قانون الإجراءات الجنائية رغم ما أُثير حوله من انتقادات.

وفي تقرير لـ”زاوية ثالثة” بعنوان “ما بعد الطوارئ.. استثناء بنص القانون”، أوضح قانونيون وسياسيون أن هذه المنظومة القانونية تُستخدم في ملاحقة سياسيين ونشطاء تحت مظلة قانونية، لكنها في الوقت ذاته تؤدي وظائف رقابية وعقابية مشابهة لفترة طوارئ ما قبل يناير، خصوصًا عبر توسيع نطاق التجريم، واعتماد الحبس الاحتياطي والإجراءات القضائية كأدوات ذات أثر عقابي ممتد.

وخلال السنوات الأخيرة، برزت تهم متكررة مثل “نشر أخبار كاذبة” و”الانضمام إلى جماعة أُسست على خلاف أحكام القانون أو جماعة إرهابية”، باعتبارها من أكثر الاتهامات استخدامًا في قضايا تتعلق بسياسيين ونشطاء ومعارضين. وبحسب الخبراء الذين تحدثوا إلى التقرير، فإن الخطاب الاتهامي شهد تحولًا ملحوظًا، إذ انتقل من اتهامات وُصفت قبل 2011 بأنها تتسم بالضعف أو غياب الدقة القانونية، إلى ما يُعرف بـ”الاتهامات المعلبة” ذات الصيغ المتكررة في جميع القضايا التي لها طابع سياسي.

في السياق، يرى حليم حنيش، المحامي الحقوقي، أن الوضع الحالي بات يشهد درجة أعلى من القيود المفروضة على المجال العام مقارنة بما قبل عام 2013، مشيرًا إلى أن الحياة الحزبية أصبحت أكثر تقييدًا، وأن عددًا من الأحزاب السياسية تعرض لضغوط كبيرة شملت الملاحقات القانونية وتقييد النشاط، إلى جانب ما وصفه بـ”تفريغ” بنية بعض الأحزاب نتيجة القبض على عدد من قياداتها وأعضائها، ومن بينها حزب مصر القوية، وغيرها من الأحزاب.

ويشير إلى أن هذه القيود امتدت أيضًا إلى الحركات السياسية والمجتمعية، مستشهدًا بحركات 6 أبريل وعدالة وحرية ومجموعات الألتراس، والملاحقات الأمنية التي حاصرت الكثير من السياسيين والحقوقيين والصحفيين، معتبرًا أن ذلك أدى إلى تراجع واضح في قدرة الفاعلين السياسيين على التنظيم أو التأثير في المجال العام.

ويوضح حنيش أن مقارنة الوضع الراهن بما كان عليه قبل 2013 تكشف، بحسب تعبيره، عن تحول كبير في طبيعة المجال العام، من مرحلة كانت تشهد محاولات لبناء وتوسيع الحياة الحزبية، إلى مرحلة لاحقة اتسمت بإعادة ضبط المجال السياسي وتقليص مساحات المشاركة والتعبير.

وفي سياق حديثه، يرى المحامي الحقوقي أن أحداث 30 يونيو كانت “حتمية” نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية سابقة، وأن سياسات جماعة الإخوان المسلمين أسهمت في خلق حالة من الاستقطاب الحاد الذي انتهى إلى خروج حراك 30 يونيو، مشيرًا إلى ضرورة التمييز بين 30 يونيو و3 يوليو، وموضحًا أن ما أعقب الحراك الشعبي من تطورات سياسية مثّل انتقالًا إلى مسار مختلف في إدارة المشهد، ترتب عليه إعادة تشكيل موازين القوى داخل الدولة والمجتمع.

في تقرير سابق لزاوية ثالثة بعنوان “اثنا عشر عامًا من الحصار: كيف أُعيد تشكيل الفضاء المدني في مصر؟”، رصد التقرير أن التحولات المتراكمة التي شهدها المجال العام منذ عام 2013، والتي تشكلت عبر سلسلة مترابطة من التشريعات والسياسات والممارسات الأمنية، أعادت رسم حدود المشاركة السياسية والمدنية ورسخت تدريجيًا نمطًا أكثر تقييدًا للفضاء العام.

ويشير التقرير إلى أن هذه التحولات لم تقتصر على تقييد أدوات التعبير التقليدية مثل التظاهر والعمل الحزبي، بل امتدت إلى إعادة تشكيل البيئة الحاضنة للعمل المدني، بما يشمل النقابات المهنية والجمعيات الأهلية والفضاء الرقمي، وهو ما أدى إلى تقلص مساحات التأثير العام لصالح أنماط أكثر مركزية في إدارة المجال السياسي والاجتماعي.

كما يوضح أن تراكم هذه السياسات أسفر عن إعادة توزيع غير متكافئ لفرص المشاركة، إذ تراجعت قدرة الفاعلين المستقلين على التأثير في النقاش العام أو الوصول إلى الجمهور، في مقابل صعود أدوات تنظيمية وإعلامية مرتبطة بالبنية الرسمية، بما انعكس على طبيعة الخطاب العام وحدود التعددية داخله.

ويخلص التقرير إلى أن مسار الفضاء المدني في مصر لا يمكن قراءته كحدث مفصلي واحد، بل كعملية “إعادة هندسة تدريجية” تداخلت فيها التشريعات مع الممارسات الأمنية والتحولات الإعلامية، بما أفضى إلى بيئة أكثر انضباطًا من حيث الشكل، لكنها أكثر انغلاقًا من حيث المضمون والتعددية الفعلية. ويختتم التقرير بالإشارة إلى أن المرحلة السابقة لعام 2013 كانت تتسم بمحاولات لتوسيع المجال العام وبناء الحياة الحزبية، في حين اتسمت المرحلة اللاحقة بإعادة ضبط هذا المجال بصورة أدت إلى تقليصه بشكل ملحوظ على مستويات التنظيم والتعبير والمشاركة، مع ما ترتب على ذلك من إعادة تشكيل موازين القوى داخل الدولة والمجتمع.

بعد ثلاثة عشر عامًا على حملة “تمرد”، التي رفعت شعارات تتمثل في استعادة الأمن وتحسين الأوضاع الاقتصادية واستكمال مسار ثورة يناير في الحرية والعدالة، تشير الوقائع والبيانات والشهادات التي استند إليها هذا التقرير إلى أن حصيلة هذه المطالب تبدو متفاوتة.

فعلى المستوى الأمني، تُظهر المؤشرات تراجع خطر الإرهاب مقارنة بسنوات الذروة التي أعقبت أحداث 30 يونيو، وهو ما صاحبه تحسن نسبي في الاستقرار الأمني، إلا أن ذلك تزامن مع استمرار ارتفاع بعض مؤشرات الجريمة مثل السرقة والسطو، وتراجع ترتيب مصر في مؤشرات سيادة القانون، في ظل غياب بيانات رسمية دورية عن الأوضاع الأمنية.

أما اقتصاديًا، فتشير البيانات الرسمية والدولية التي استند إليها التقرير إلى توسع غير مسبوق في الاقتراض، وارتفاع الدين العام، وتراجع قيمة الجنيه، واستمرار الضغوط على مستويات المعيشة، رغم تنفيذ الحكومة مشروعات قومية كبرى وتبنيها برامج للإصلاح الاقتصادي.

وفي ملف الحريات والحياة السياسية، وثقت التقارير الحقوقية والشهادات الواردة في هذا التقرير تقلصًا في المجال العام، وتراجعًا في التعددية الحزبية والمشاركة السياسية، وفرض مزيد من القيود على حرية التنظيم والتعبير، في تناقض مع المطالب التي رفعتها القوى المشاركة في حراك 30 يونيو.

وفي النهاية، يبدو أن المطلب الذي تحقق بصورة نسبية تمثل في استعادة قدر من الاستقرار الأمني المتعلق بمكافحة الإرهاب، بينما لا تزال المطالب المرتبطة بتحسين الأوضاع الاقتصادية وتوسيع المجال العام والحريات محل تساؤلات عن مصيرها، دون إجابات واضحة.

شيماء حمدي
صحفية مصرية، تغطي الملفات السياسية والحقوقية، وتهتم بقضايا المرأة. باحثة في حرية الصحافة والإعلام والحريات الرقمية.

Search