في السابعة صباحًا، ومع بداية شهر يوليو، في الموعد الذي حددته لها طبيبة القلب بإحدى المستشفيات الحكومية، قبل نحو شهر، جلست نجلاء أحمد سيدة خمسينية على أحد المقاعد المعدنية أمام عيادة جراحة القب، تحمل بين يديها ملفًا طبيًا امتلأ بالأشعة والتحاليل التي جمعتها على مدار شهور، على امل إجراء الجراحة التي تأخرت شهرًا تلو الآخر ولمدة 5 شهور متواصلة دون جدوى.
في المرة السادسة، حاولت نجلاء إقناع الطبيبة أنها لم تعد تقوى على المتابعة، خاصة أن مسكنها يبعد مسافة تزيد عن (20 كم) عن المستشفى، ومع تدهور وضعها الصحي بات من المستحيل عليها الاستمرار، ورغم أن دورها لم يحن بعد إلا أن الطبيبة تعاطفت معها ووعدتها بتوفير موعد و”سرير” عناية مركزة خلال أسبوع.
نجلاء ليست حالة استثنائية، بل هي واحدة من آلاف المرضى الذين يجدون أنفسهم عالقين بين نقص الإمكانات وضغط الطلب على العلاج في المستشفيات الحكومية، ورغم إعلان وزارة الصحة والسكان إجراء ملايين العمليات الجراحية ضمن مبادرة القضاء على قوائم الانتظار، يؤكد أطباء وخبراء ومرضى تحدثوا إلى منصة “زاوية ثالثة” أن قوائم الانتظار لم تختفِ، وإنما تغيرت طبيعتها، وباتت تعكس أزمة أوسع تتعلق بقدرة المنظومة الصحية على استيعاب الأعداد المتزايدة من المرضى، في ظل نقص الأسرّة والكوادر الطبية وضعف الإنفاق العام على الصحة.
في المقابل، يؤكد وزير الصحة والسكان الدكتور خالد عبد الغفار أن القضاء نهائيًا على قوائم الانتظار ليس هدفًا واقعيًا، باعتبار أن المنظومة الصحية تستقبل يوميًا حالات جديدة تحتاج إلى تدخلات جراحية، مشددًا على أن الهدف الأساسي يتمثل في تقليص فترات الانتظار وضمان حصول المرضى على الخدمة الطبية في أسرع وقت ممكن.
وخلال لقاء تلفزيوني أوضح عبد الغفار أن قوائم الانتظار ليست أزمة تقتصر على مصر، بل تواجه معظم الأنظمة الصحية حول العالم، مشيرًا إلى أن بعض الدول، مثل إنجلترا، قد تصل فيها فترات الانتظار إلى نحو ستة أشهر، بينما لا تتجاوز في مصر ثلاثة أشهر للحالات غير الطارئة، في حين تُجرى التدخلات العاجلة بصورة فورية وفقًا للأولوية الطبية.
وأشار الوزير إلى أن مبادرة القضاء على قوائم الانتظار، التي تنفذها الدولة، تشمل 11 تدخلًا جراحيًا دقيقًا، من بينها جراحات القلب المفتوح، والقسطرة القلبية، وزراعة الأعضاء، واستبدال المفاصل، وغيرها من التخصصات ذات الأولوية.
وقال إن المبادرة نجحت منذ إطلاقها في إجراء نحو 3.3 مليون عملية جراحية بتكلفة إجمالية بلغت 33 مليار جنيه، مؤكدًا أن هذه الجهود أسهمت في تقليص مدد الانتظار وتخفيف الضغط على المرضى، وأن المبادرة مستمرة ضمن خطة الدولة لتوسيع إتاحة الخدمات الجراحية المتخصصة وإعطاء الأولوية للحالات الأكثر احتياجًا.
تعديلات قانون البيئة.. أرباح الشركات في مواجهة صحة المصريين: من يربح؟

قوائم الانتظار بين الواقع والرواية الرسمية
تعكس شهادات المرضى، التي وثقتها “زاوية ثالثة” في عدد من المحافظات جانبًا آخر من المعاناة اليومية؛ ففي القاهرة، إذ ينتظر إبراهيم عبد النبي، البالغ من العمر 58 عامًا، منذ أربعة أشهر موعدًا لإجراء جراحة قلب مفتوح بأحد المستشفيات الحكومية في محافظة سوهاج، دون جدوى بينما يخبره الأطباء في كل مرة بعدم وجود أسرة ونقص حاد في المستلزمات الطبية.
يقول لـ”زاوية ثالثة” إن ضيق التنفس أصبح يمنعه حتى من السير لمسافات قصيرة، بينما تتكرر مراجعاته للمستشفى دون تحديد موعد نهائي للجراحة، مضيفًا أن شراء العلاج من الخارج بات عبئًا ثقيلًا على أسرته، في وقت لا يملك فيه تكلفة إجراء العملية في مستشفى خاص إذ تتجاوز التكلفة نحو (300 ألف جنيهًا).
وفي المنيا، تنتظر منى حسنين، وهي معلمة على المعاش، منذ عدة أشهر إجراء جراحة استبدال مفصل الركبة، وتروي في حديثها معنا أنها أصبحت غير قادرة على الحركة دون مساعدة، وأن الألم شديد الوطأة أجبرها على التوقف عن كثير من أنشطتها اليومية، بينما ينقل لها الأطباء باستمرار أن الضغط الشديد على قوائم العمليات هو السبب المباشر وراء تأخير تحديد موعد الجراحة.
وفي محافظة البحيرة، يخشى والدا الطفل يوسف الذي لم يتجاوز الرابعة من عمره أن يؤثر تأخر جراحة زراعة القوقعة على تطور النطق واللغة لديه، يقول والده لـ”زاوية ثالثة” إن الأسرة أنهت الفحوصات الطبية المطلوبة منذ أشهر طويلة، لكنها لا تزال تنتظر استكمال الإجراءات وتحديد موعد العملية، في وقت يؤكد فيه الأطباء المتابعون للحالة أن عامل الوقت يلعب دورًا حاسمًا في فرص استفادة الطفل من الجراحة واستعادة قدرته على التواصل.
تعديلات قانون التأمين الصحي الشامل تثير مخاوف من تكرار أزمة الاستيلاء على أموال التأمينات

أين وصلت المبادرة الرئاسية لإنهاء قوائم الانتظار؟
عندما أطلقت الحكومة المصرية المبادرة الرئاسية للقضاء على قوائم انتظار التدخلات الجراحية الحرجة في يوليو 2018، قالت إنها تستهدف واحدة من أكثر أزمات القطاع الصحي إلحاحًا، بعدما اضطر آلاف المرضى لانتظار شهور، وأحيانًا سنوات، لإجراء جراحات القلب المفتوح والأورام والمخ والأعصاب والعظام والقسطرة المخية.
ومنذ إطلاق المبادرة، أعلنت وزارة الصحة إجراء أكثر من 3.7 مليون تدخل جراحي حتى فبراير 2026، دون تحميل المرضى أي تكلفة، فيما تقول الحكومة إن المبادرة نجحت في إنقاذ حياة مئات الآلاف من المرضى وتقليص فترات الانتظار.
بالإضافة إلى ذلك، حددت الاستراتيجية الوطنية للصحة (2024-2030) ورؤية مصر 2030 التوجه العام المتمثل في خفض الوفيات المبكرة الناجمة عن الأمراض غير المعدية بمقدار الثلث، وتحقيق تغطية تأمينية بنسبة 85% بحلول عام 2026/2027، وتجديد 520 منشأة رعاية صحية.
وتدير وزارة الصحة والسكان وحدها أكثر من 5300 مركز رعاية صحية أولية و521 مستشفى، إذ يضم القطاع الحكومي حوالي 83000 سرير وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2021، بينما يدير القطاع الخاص أكثر من 1100 مستشفى بسعة تقارب 33000 سرير. ووفقًا لبيانات البنك الدولي، توفر مصر حوالي 1.4 سرير لكل 1000 نسمة، وهو أقل بكثير من المتوسط العالمي البالغ 2.9 سرير.
ويرافق هذا العجز المادي انخفاض ملحوظ في معدلات الإنفاق؛ ففي السنة المالية (2025-2026)، بلغت ميزانية الصحة الوطنية 245 مليار جنيه مصري، أي ما يعادل 1.1% فقط من الناتج المحلي الإجمالي. ورغم أن الدستور المصر ينص صراحة على تخصيص حد أدنى قدره 3% من الناتج المحلي الإجمالي للصحة، فإن المخصصات الفعلية تراوحت عمليًا بين 1% و1.4% منذ عام 2021.
وبلغ إجمالي الإنفاق الصحي الجاري، بما في ذلك الإنفاق الخاص، حوالي 4.6% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024، وهو ما يزال أقل من توصية منظمة الصحة العالمية التي تتراوح بين 5% و6% للدول التي تسعى إلى تحقيق التغطية الصحية الشاملة.
وفي تحليل لهذه الأبعاد الهيكلية، يؤكد الدكتور محمد حسن خليل، رئيس لجنة الدفاع عن الحق في الصحة، أن القضية الأهم ليست مدة الانتظار في حد ذاتها، وإنما مدى كفاءة البنية الأساسية للقطاع الصحي وقدرته الحقيقية على استيعاب المرضى.
ويوضح في حديثه لـ”زاوية ثالثة” أن وجود قوائم انتظار في بعض التخصصات ليس أمرًا استثنائيًا، إذ إن جميع النظم الصحية في العالم تميز بين الحالات الطارئة التي يجب التعامل معها فورًا، والحالات التي يمكن جدولتها وفق أولويات طبية، موضحًا أن جراحات القلب وقسطرة القلب وغيرها تضم حالات عاجلة لا تحتمل التأجيل وأخرى يمكن أن تنتظر وفق التقييم الطبي، وبالتالي فإن الإعلان عن عدم وجود انتظار للحالات الحرجة لا يعد إنجازًا بحد ذاته، بل هو جزء من قواعد الممارسة الطبية السليمة.
ويشير “خليل” إلى أن المشكلة الحقيقية تكمن في ضعف البنية التحتية للخدمات الصحية في مصر، موضحًا أن أحد أهم المؤشرات العالمية لقياس قدرة أي نظام صحي هو عدد الأسرّة المتاحة لكل عدد من السكان؛ ففي عام 1936 كانت مصر تمتلك نحو 8 أسرّة لكل عشرة آلاف مواطن، ثم ارتفع الرقم تدريجيًا ليصل إلى نحو 23 سريرًا في ستينيات القرن الماضي، أما اليوم فقد عاد إلى نحو 8 أسرّة فقط لكل عشرة آلاف مواطن، أي أننا عدنا إلى مستوى كان قائمًا قبل نحو تسعين عامًا.
ويوضح “خليل” أن هذا التراجع يعود إلى عاملين رئيسيين: أولهما الزيادة السكانية المستمرة، وثانيهما عدم مواكبة التوسع في عدد الأسرّة لهذا النمو، لافتًا إلى أن آخر الإحصاءات تشير إلى وجود نحو 83 ألف سرير فقط بالمستشفيات الحكومية، وهو رقم لا يتناسب مع عدد السكان الذي تجاوز 109 ملايين نسمة، ما يفسر استمرار الضغط على المستشفيات وامتداد فترات الانتظار في العديد من التخصصات.
ويربط رئيس لجنة الدفاع عن الحق في الصحة بين هذا التراجع ومستوى الإنفاق الحكومي على القطاع الصحي، موضحًا أن منظمة الصحة العالمية توصي بأن يبلغ الإنفاق على الصحة نحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما ألزم الدستور المصري الدولة بتخصيص ما لا يقل عن 3% مع زيادتها تدريجيًا للوصول إلى المعدلات العالمية.
ويضيف أن الإنفاق الفعلي لا يزال يدور حول 1.3% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعني أن المنظومة تعمل بأقل كثيرًا من احتياجاتها التمويلية. وأكد أنه لا يمكن بناء نظام صحي كفء إذا كان الإنفاق الفعلي يقل إلى أقل من ربع ما يحتاجه القطاع وفق المعايير الدولية، لأن نقص التمويل ينعكس مباشرة على عدد الأسرّة، والأجهزة، والأدوية، والمستلزمات، وأجور العاملين.
ويعتبر “خليل” أن بعض الإجراءات الحكومية نجحت في تقليص قوائم الانتظار في العمليات البسيطة من خلال زيادة ساعات عمل الأطباء وتحفيزهم ماديًا، إلا أن هذا النموذج لا يمكن تطبيقه على العمليات المعقدة، مثل جراحات القلب المفتوح أو جراحات المخ والأعصاب، التي تعتمد على غرف عمليات متخصصة، ووحدات رعاية مركزة، وأجهزة وتجهيزات مرتفعة التكلفة، وهي موارد لا تزال محدودة في كثير من المستشفيات الحكومية.
ويؤكد أن أزمة القطاع الصحي لا تقتصر على نقص الأسرّة، وإنما تمتد إلى العجز في الكوادر الطبية، موضحًا أن أجور الأطباء في مصر من بين الأدنى مقارنة بدول القارة الأفريقية، وهو ما ساهم في استمرار هجرة الأطباء إلى الخارج. وأضاف أن التقديرات تشير إلى أن عدد الأطباء المصريين العاملين خارج البلاد يتجاوز عدد العاملين داخلها، الأمر الذي ينعكس على قدرة المستشفيات الحكومية على تقديم الخدمة، مشيرًا إلى أن العجز يشمل أيضًا أطقم التمريض والفنيين، وهو ما يؤدي إلى تراجع جودة الخدمة حتى في المستشفيات التي تتوافر بها بنية تحتية مناسبة.
ويلفت “خليل” إلى أن تراجع قيمة الجنيه منذ عام 2022 ضاعف من حدة الأزمة، نظرًا لاعتماد القطاع الصحي بصورة كبيرة على استيراد الأجهزة الطبية وقطع الغيار والمستلزمات والخامات الدوائية.
ويقول إن انخفاض قيمة العملة، بالتزامن مع صعوبة توفير النقد الأجنبي، أدى إلى تفاقم نقص المستلزمات والأدوية داخل عدد من المستشفيات الحكومية، مستشهدًا بجراحات القلب التي قد تعاني فيها بعض المراكز لأشهر من نقص مستلزمات أساسية مثل صمامات القلب، ما يؤدي إلى تأجيل العمليات رغم جاهزية المرضى، ومؤكدًا أن بعض المستشفيات تضطر إلى توزيع الكميات المحدودة من المستلزمات على مدار أشهر السنة، وهو ما ينعكس مباشرة على طول قوائم الانتظار.
ويؤكد “خليل” أن التركيز على إعلان أرقام العمليات المنجزة أو تقليص قوائم الانتظار لا يكفي لتقييم أداء المنظومة الصحية، معتبرًا أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بمعالجة الأسباب الهيكلية للأزمة، وفي مقدمتها زيادة الإنفاق العام على الصحة، والتوسع في البنية التحتية، وتحسين أجور الأطباء والتمريض، وضمان توفير الأدوية والمستلزمات الطبية بصورة مستدامة، مؤكدًا أنه إذا لم تُعالج هذه الجذور، فستظل قوائم الانتظار تتكرر مهما أُطلقت من مبادرات أو حملات إعلامية.
من جانبه، يوضح محمود فؤاد، رئيس المركز المصري للحق في الدواء، أن المبادرات الرئاسية الصحية تعمل بمنظومة مستقلة نسبيًا عن وزارة الصحة، إذ تمتلك مصادر تمويلها، ومستشفياتها المتعاقدة، والأطباء العاملين معها، وسياراتها، وتتولى تنفيذ برامج الكشف المبكر والإحالة للعلاج، مضيفً أن هذه المبادرات لا يمكن اعتبارها انعكاسًا مباشرًا لأداء المستشفيات الحكومية، لأنها تعتمد على شبكة واسعة تضم مستشفيات تعليمية، ومؤسسات علاجية، ومستشفيات خاصة لا تخضع جميعها لإدارة وزارة الصحة المباشرة.
ويؤكد “فؤاد” في حديثه لـ”زاوية ثالثة” أن قوائم انتظار العمليات الجراحية لا تزال قائمة في عدد من التخصصات، رغم نجاح المبادرة الرئاسية في تقليصها؛ إذ إن عمليات القسطرة القلبية العادية في معهد القلب قد تستغرق نحو 60 يومًا وفقًا لما أبلغه به مسؤولون داخل المعهد، بينما قد تصل فترات الانتظار في بعض العمليات الأكثر تعقيدًا، مثل القلب المفتوح، واستبدال المفاصل الصناعية، إلى خمسة أو ستة أشهر، إلى جانب وجود قوائم انتظار في زراعة الكلى وزراعة القرنية وغيرها من الجراحات المتخصصة.
ورغم تأكيده على أن المبادرة الرئاسية ساهمت في تخفيف الأزمة بصورة كبيرة وأنه “لولا هذه المبادرة لكانت أوضاع المرضى أكثر صعوبة”، يرى فؤاد أن المشكلة لم تُحل بالكامل، ولا تزال هناك فجوات تتعلق بوصول المواطنين إلى خدمات المبادرة، إذ إن كثيرًا من المرضى لا يعرفون كيفية التسجيل أو استكمال الإجراءات بعد اكتشاف إصابتهم، وهو ما يحرم بعضهم من الاستفادة من الخدمة.
ويشير “فؤاد” إلى أن الأزمة الاقتصادية غيرت خريطة الإقبال على الخدمات الصحية، موضحًا أن المواطنين أصبحوا يعتمدون بصورة أكبر على المستشفيات الحكومية باعتبارها الأقل تكلفة، بعدما أصبح العلاج في القطاع الخاص خارج قدرة قطاعات واسعة من المصريين.
ويقول إنه في السابق كان النقد يوجه إلى كون الجزء الأكبر من الإنفاق الصحي يأتي من جيوب المواطنين، لكن مع تراجع القدرة الشرائية أصبح عدد أكبر من المرضى يتجه إلى المستشفيات العامة، وهو ما أدى إلى تكدس غير مسبوق داخلها، سواء أمام العيادات أو شبابيك التذاكر أو الصيدليات.
ويضيف أن نقص التمويل انعكس أيضًا على توافر الأدوية داخل الوحدات الصحية، مستشهدًا بمعلومات تلقاها من أحد مسؤولي مديرية الصحة بمحافظة الفيوم، أفاد فيها بأن إحدى الإدارات الصحية التي تضم 18 وحدة صحية لم تحصل إلا على نحو 25% فقط من احتياجاتها المعتادة من الأدوية خلال أحد الأشهر، وهو ما اعتبره مؤشرًا على الضغوط الشديدة التي تواجه منظومة العلاج المجاني.
ويرى رئيس المركز المصري للحق في الدواء أن المبادرة الرئاسية تحمل جزءًا كبيرًا من العبء الواقع على المستشفيات الحكومية، لأنها تستفيد من إمكانات المستشفيات التعليمية والمؤسسة العلاجية والمستشفيات الخاصة، وهي جهات لا تستطيع وزارة الصحة وحدها توجيه خدماتها بنفس الصورة، لكنه شدد على أن كثيرًا من المواطنين لا يعرفون كيفية الوصول إلى المبادرة، ويواصلون التوجه مباشرة إلى المستشفيات العامة في محافظاتهم، ما يؤدي إلى استمرار التكدس.
كذلك يشير إلى أن وجود قوائم انتظار في الدول الأوروبية لا يعني تشابه الظروف مع مصر، موضحًا أن تلك الدول تمتلك منظومات متابعة ورعاية صحية متكاملة تضمن متابعة المريض طبيًا خلال فترة الانتظار وتقليل احتمالات المضاعفات، بينما تفتقر المنظومة المصرية إلى هذه الآليات بالقدر الكافي.
وفيما يتعلق بتكاليف العلاج، يقول “فؤاد” إن المواطنين أصبحوا يتحملون نفقات إضافية داخل بعض المستشفيات الحكومية، موضحًا أن تأخر صدور قرارات العلاج على نفقة الدولة يدفع بعض المرضى إلى اللجوء لعيادات أو خدمات مدفوعة داخل المستشفى نفسه لتسريع بدء العلاج لحين صدور القرار، كما يضطر بعضهم لإجراء الأشعات والتحاليل في مراكز خارج المستشفى، وهو ما يزيد الأعباء المالية عليهم رغم توجههم في الأساس إلى القطاع الحكومي طلبًا للعلاج منخفض التكلفة.
وينتقد “فؤاد” التوسع في إشراك القطاع الخاص في إدارة وتشغيل المستشفيات الحكومية، معتبرًا أن تطبيق قانون تنظيم منح التزام المرافق العامة لإنشاء وإدارة وتشغيل وتطوير المنشآت الصحية الصادر عام 2024 يثير مخاوف بشأن مستقبل الخدمة الصحية المجانية، خاصة إذا لم تقترن هذه الخطوة بضمانات واضحة للحفاظ على حق محدودي الدخل في العلاج.
ورغم هذه الانتقادات، يؤكد “فؤاد” أن المبادرات الرئاسية الصحية حققت مكسبًا مهمًا يتمثل في إنشاء سجل طبي إلكتروني لعدد كبير من المواطنين، معتبرًا أن الخطوة التالية يجب أن تكون استكمال قاعدة بيانات صحية موحدة تتيح للطبيب الاطلاع على التاريخ المرضي للمريض في أي مستشفى داخل الجمهورية، بما يسرّع التشخيص ويحسن جودة الرعاية، مستشهدًا بمرضى الهيموفيليا الذين يمكن لتوفير بياناتهم الطبية بشكل فوري داخل أي مستشفى أن ينقذ حياتهم في حالات الطوارئ، ويقلل من تكرار الفحوصات والانتقالات غير الضرورية ويخفف الضغط على المستشفيات.
ويؤكد على أن قوائم الانتظار ما زالت تمثل أزمة حقيقية، خاصة في جراحات القلب المفتوح، والقسطرة، وزراعة القوقعة، والمفاصل الصناعية، مشيرًا إلى أن قوائم انتظار جراحات المفاصل بين كبار السن وأصحاب المعاشات تعد من أكثر الملفات تعقيدًا داخل المستشفيات الحكومية، وأن معالجة الأزمة تتطلب إعادة هيكلة شاملة للمنظومة الصحية، وتسريع تطبيق التأمين الصحي الشامل، وضمان توفير التمويل الكافي والخدمات بشكل عادل لجميع المواطنين.

هل تنتهي الأزمة؟
تشير البيانات الحكومية إلى تراجع متوسط زمن انتظار الحصول على سرير رعاية مركزة من 26 ساعة في يونيو 2024 إلى 13 ساعة فقط في يونيو 2025، وقد أعلنت الحكومة في عام 2026 تخصيص مليارات الجنيهات لتصفير قوائم الانتظار قبل الأعياد، مؤكدة أن فترات الانتظار الحالية أصبحت أقل بكثير من مثيلاتها في بعض أنظمة الرعاية الصحية بالدول المتقدمة، مثل بريطانيا وكندا، التي قد تمتد فيها بعض العمليات غير العاجلة لأشهر أو حتى سنوات.
لكن هذه الأرقام، رغم أهميتها، لا تعني انتهاء الأزمة من جذورها؛ إذ يرى متخصصون في اقتصاديات الصحة أن المبادرة نجحت في التعامل مع تراكم الحالات، لكنها لم تعالج الأسباب البنيوية التي تؤدي إلى إنتاج قوائم انتظار جديدة بصورة مستمرة، وفي مقدمتها محدودية الطاقة الاستيعابية للمستشفيات الحكومية، وضعف الإنفاق العام على الصحة، ونقص الكوادر الطبية.
تكشف بيانات البنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية أن مصر تمتلك ما بين 1.1 و1.43 سريرًا لكل ألف نسمة خلال السنوات الأخيرة، وهو معدل يقل كثيرًا عن المتوسط العالمي البالغ نحو 2.9 سرير لكل ألف نسمة، كما يظل بعيدًا عن المعدلات المسجلة في العديد من الدول ذات الدخل المتوسط والمرتفع.
ويعني ذلك عمليًا أن نصيب المواطن المصري من الأسرّة العلاجية يظل محدودًا للغاية، في وقت يتجاوز فيه عدد السكان 120 مليون نسمة، بينما يرتفع الطلب على الخدمات الصحية نتيجة النمو السكاني السريع، وارتفاع متوسط الأعمار، وزيادة انتشار الأمراض المزمنة مثل السرطان وأمراض القلب والفشل الكلوي والسكري.
وتُظهر البيانات أيضًا أن عدد المستشفيات الحكومية شهد تراجعًا ملحوظًا خلال العقدين الماضيين، مع التوجه نحو خصخصة القطاع الصحي، إذ انخفض من 1167 مستشفى عام 2005 إلى نحو 691 مستشفى في عام 2018، قبل أن يستقر عند 677 مستشفى وفق أحدث البيانات المتاحة لعام 2024، ما يعكس أن التوسع في إنشاء وتطوير المستشفيات خلال السنوات الأخيرة لم يُعد المنظومة بعد إلى مستوياتها قبل عقدين.
وقد أثار صدور قانون تنظيم منح التزام المرافق العامة لإنشاء وإدارة وتطوير المنشآت الصحية عام 2024 نقاشًا واسعًا، بعد السماح للقطاع الخاص بإدارة بعض المستشفيات الحكومية، وسط مخاوف من تأثير ذلك على قدرة الفئات الأقل دخلًا على الحصول على خدمات صحية ميسورة التكلفة.
ورغم أن المستشفيات الجامعية أصبحت تمثل العمود الفقري للرعاية الصحية المتخصصة، بتوفيرها نحو 34.6 ألف سرير تمثل قرابة 30% من إجمالي أسرّة المستشفيات، فإنها تتحمل العبء الأكبر في استقبال الحالات المحالة من مختلف المحافظات، خصوصًا في تخصصات الأورام وجراحات القلب والمخ والأعصاب، فضلًا عن استمرار الضغط المباشر على أسرّة الرعاية المركزة والحضانات.
ويرى الخبراء أن قوائم الانتظار ليست أزمة مستقلة، بل هي انعكاس لاختلالات هيكلية داخل المنظومة الصحية؛ فكلما زاد عدد المرضى المحتاجين إلى تدخلات جراحية معقدة، دون زيادة موازية في عدد الأسرّة وغرف العمليات والعناية المركزة والكوادر الطبية، تتجدد قوائم الانتظار حتى بعد نجاح المبادرات الحكومية في تقليصها.
بالإضافة إلى ذلك يؤدي تركز الخدمات الطبية المتقدمة في عدد محدود من المستشفيات الجامعية والتعليمية إلى انتقال المرضى من المحافظات الأقل تجهيزًا إلى القاهرة والإسكندرية والمنصورة وأسيوط، وهو ما يرفع معدلات الإشغال ويضاعف الضغط على المستشفيات المرجعية.
وتتفاقم أزمة المستشفيات الحكومية مع نقص الإمدادات الطبية والأدوية في بعض الفترات، إذ يؤدي اضطراب الاستيراد وتأخر سداد المستحقات للشركات إلى نقص أصناف حيوية، ما يربك جدول العمليات الجراحية ويزيد العبء على المرضى وأسرهم.
وبالتوازي مع مبادرة القضاء على قوائم الانتظار، أطلقت الدولة منظومة التأمين الصحي الشامل، التي بدأت بالفعل في ست محافظات، وتستهدف الوصول إلى تغطية جميع المواطنين بحلول عام 2032. غير أن خبراء يرى معظمهم أن وتيرة التنفيذ لا تزال أبطأ من حجم الاحتياجات الفعلية، خاصة في ظل استمرار التفاوت في مستوى الخدمات بين المحافظات.
وأخيرًا.. رغم ما تحقق من تقدم في مبادرات مثل القضاء على قوائم الانتظار و”100 مليون صحة” والتوسع في إنشاء المستشفيات، يرى خبراء الصحة أن هذه الجهود ستظل تواجه تحديًا مستمرًا ما لم يصاحبها إصلاح هيكلي يشمل زيادة الإنفاق الحكومي إلى المستوى الذي نص عليه الدستور، والتوسع في إنشاء المستشفيات العامة وأسرّة الرعاية المركزة، وتحسين أوضاع الأطباء والتمريض للحد من هجرتهم، وتسريع تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل لتغطية كافة فئات المجتمع.