في 13 يوليو، أقر مجلس النواب في جلسته العامة قانونًا يمنح جهاز “مستقبل مصر للتنمية المستدامة” مهلة عام لتوفيق أوضاعه، قابلة للتمديد حتى ثلاث سنوات بقرار من رئيس الجمهورية. القانون، أعاد رسم الإطار القانوني والمؤسسي لجهاز يتولى ملفات الأمن الغذائي والتنمية الزراعية وغيرها من المشروعات الاستراتيجية، وأثار انتقادات واسعة قبل إقراره.
جهاز “مستقبل مصر للتنمية المستدامة” كيان حكومي أُنشئ بقرار رئيس الجمهورية رقم 591 لسنة 2022، يتبع القوات الجوية المصرية، ويترأسه تنفيذيًا العقيد طيار بهاء الدين محمد الغنام. بدأ بإدارة مشروع “مستقبل مصر” للاستصلاح الزراعي، ثم اتسعت أنشطته لتشمل الزراعة والأمن الغذائي واستيراد السلع الاستراتيجية والصناعات الغذائية والتطوير العقاري، إضافة إلى السيطرة على 40 ألف منفذ تمويني. مع هذا التوسع، برزت تساؤلات حول طبيعة دوره وحدود اختصاصاته وآليات إدارته للأصول العامة.
ويعيد مشروع القانون تنظيم وضع الجهاز عبر منحه شخصية اعتبارية واستقلالًا إداريًا وماليًا، مع وضع قواعد انتقالية لنقل الأصول والهياكل التنظيمية وإصدار اللوائح الداخلية، بما يطرح أسئلة حول حدود اختصاصاته وتأثيرها في إدارة الأصول العامة، وعلاقته بالوزارات، وآليات الرقابة على أعماله.

مستقبل مصر توسع وتمدد بصك قانوني
في تقرير بعنوان “من الخبز إلى الأرض… مستقبل مصر يمدّ جذوره في كل ما يُزرع ويُؤكل”، كشفت “زاوية ثالثة” أن توسع الجهاز تجاوز تنفيذ المشروعات الزراعية إلى إدارة استيراد السلع الاستراتيجية، وعلى رأسها القمح والزيوت المخصصة لمنظومة الدعم، بالتزامن مع انتقال جانب من عمليات الشراء الحكومية إليه. واستعرض التقرير طلب إحاطة برلمانيًا يتعلق بفروق أسعار استيراد القمح والزيوت مقارنة بالأسعار العالمية، فيما أشار خبراء إلى ضرورة مراعاة تكاليف النقل والتأمين والمصروفات الإدارية عند تقييم هذه الفروق.
وفي تقرير آخر بعنوان “بعد الأراضي والقمح والأسماك.. جهاز مستقبل مصر يتولى 40 ألف منفذ تمويني”، رصدت “زاوية ثالثة” امتداد دور الجهاز من الاستصلاح الزراعي والإنتاج الغذائي إلى الاستيراد والتسويق والتوزيع، وصولًا إلى الإشراف على تطوير نحو 40 ألف منفذ تمويني تحت علامة “كاري أون”. هذا التوسع على طول سلسلة الإمداد الغذائي كلها، من الإنتاج إلى التوزيع، يفسر توقيت مشروع القانون الجديد.
عمرو هاشم ربيع، مستشار مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية والسياسية، يرى أن مشروع القانون يتضمن صلاحيات واستثناءات غير مسبوقة تمنح الجهاز وضعًا قانونيًا وإداريًا خاصًا، ويندرج ضمن سلسلة من القوانين الاستثنائية التي أقرها البرلمان خلال العقد الماضي.
ويوضح لـ”زاوية ثالثة” أن المشروع يمنح رئيس الجمهورية دورًا محوريًا في إدارة الجهاز يتجلى في تكرار الإشارة إلى اختصاصاته في عدد كبير من المواد، مما قد يُفضي إلى انطباع بأن الجهاز يتمتع بحصانة سياسية وإدارية تُعيق الرقابة عليه. كما أن تعدد المرجعيات القانونية التي يستند إليها المشروع، وتضم عشرات القوانين والقرارات الجمهورية، يعكس اتساعًا غير معهود في التشريعات المصرية.
ويُشير إلى أن عددًا من مواد المشروع تمنح الجهاز سلطات واسعة في إدارة مناطق التنمية المستدامة وإنشاء الشركات وإدارة الأصول ووضع قواعد الاستثمار والتصدير والاستيراد، إضافة إلى صلاحيات تماثل اختصاصات بعض الوزراء والمحافظين داخل تلك المناطق، وهو ما قد يؤدي إلى تداخل الاختصاصات مع مؤسسات الدولة القائمة ويُضعف دور الوزارات والمحليات.
ويؤكد ربيع أن أكثر ما يُقلق هو الاستثناءات من القوانين العامة المنظمة للعمل الإداري والمالي، والنصوص التي تُقيّد حق الطعن على بعض تصرفات الجهاز المتعلقة بالأصول. “دعم جهود التنمية لا يتعارض مع إخضاع جميع المؤسسات العامة لرقابة فعالة. التوازن بين سرعة التنفيذ والشفافية والمساءلة وحماية المال العام ضرورة لا خيار.”
نوصي للقراءة: قرار بنزع ملكية 320 منزلًا في طوسون بالإسكندرية والهدم بدأ قبل أن تُحسم الدعوى القضائية

جهاز مستقل… فماذا عن هيكل الإدارة الاقتصادية للدولة؟
في ورقة بعنوان “رقابة قاصرة واستثناءات بلا حدود”، قالت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إن مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز “مستقبل مصر” لا يقتصر على إعادة هيكلة كيان إداري قائم، بل يؤسس لإطار قانوني يمنح الجهاز صلاحيات واسعة واستثنائية في إدارة المشروعات التنموية والأصول العامة، بما يجعله من أكثر مشروعات القوانين تأثيرًا في هيكل الإدارة الاقتصادية للدولة خلال السنوات الأخيرة.
وترى الورقة أن المشروع يمنح رئيس مجلس إدارة الجهاز صلاحيات تماثل في بعض الحالات اختصاصات الوزراء والمحافظين داخل مناطق التنمية المستدامة، وتنتقد صياغاته الفضفاضة كالإشارة إلى “الأهداف القومية” و”مناطق التنمية المستدامة” دون معايير واضحة، معتبرةً أن ذلك يُتيح توسيع نطاق اختصاصات الجهاز بصورة يصعب إخضاعها للرقابة.
ودعت المبادرة إلى نشر قرار تأسيس الجهاز وجميع القرارات التي منحته اختصاصات أو أصولًا أو أراضي، والفصل بين سلطاته التنظيمية والاستثمارية حتى لا يجمع بين وضع القواعد والاستثمار والتشغيل في آنٍ واحد، واشتراط موافقة مجلس النواب على أي نقل لأصول مملوكة للدولة إلى الجهاز، وإلزام القانون بتوريد نسبة محددة من فوائض الجهاز إلى الخزانة العامة، وإخضاع التعاقدات الكبرى لقواعد المنافسة والإفصاح على بوابة التعاقدات الحكومية.
نوصي للقراءة: سند المواطن يعدك بعائد 17%.. لكن التضخم أسرع منه

الشفافية؟
وفق مسودة مشروع القانون التي اطلعت عليها “زاوية ثالثة”، ينشئ المشروع صندوقًا سياديًا جديدًا باسم “صندوق مستقبل مصر للثروة السيادية – أهرامات النيل”، إلى جانب صندوق “داعم” خدمي، يتبعان الجهاز ويتمتعان باستقلال فني ومالي وإداري. وتُحدد موارد الصندوق ونسب تمويله بقرار من رئيس الجمهورية بناءً على برنامج تمويل يقترحه رئيس الجهاز، ويستهدف وفق المادة (46) التي أقرها مجلس النواب تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة وتعظيم قيمة الأموال المخصصة للاستثمار لصالح الأجيال القادمة.
أما الجهاز نفسه فيُعاد تنظيمه كيانًا يتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال التام ويتبع رئيس الجمهورية مباشرة، بصلاحيات تشمل الاقتراض، وإنشاء الشركات، وإدارة المشروعات القومية ومناطق التنمية المستدامة، والعمل في قطاعات الزراعة والصناعة والطاقة واللوجستيات والسياحة والتعليم، مع إمكانية إضافة أنشطة جديدة بقرار من مجلس الإدارة. وتُخصص ما بين 7% و10% من العوائد الحقيقية السنوية للصندوق السيادي للخزانة العامة بقرار من رئيس الجمهورية.
محمد رمضان، الباحث الاقتصادي بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، يرى أن أبرز إشكاليات المشروع تتمثل في غياب الشفافية منذ نشأة الجهاز. ويوضح لـ”زاوية ثالثة” أن القانون المطروح ينص على “إعادة تنظيم” الجهاز، في حين لم يُنشر القرار الأصلي الذي أُنشئ بموجبه بصورة تتيح للرأي العام والباحثين الوقوف على اختصاصاته وكيفية تطورها، مما يجعل تقييم دوره وحدود صلاحياته أمرًا بالغ الصعوبة.
ويُضيف أن الجهاز لا يخضع لآليات الرقابة المالية التقليدية؛ إذ تتم مراجعة حساباته عبر مراقب حسابات لا رقابة معلنة من الجهاز المركزي للمحاسبات تُنشر نتائجها دوريًا، مما يُضيّق قدرة البرلمان والرأي العام على متابعة إدارة الأموال والأصول العامة. ويلفت إلى أن انتقال ملفات مثل استيراد القمح وإدارة بعض الأراضي المستصلحة إلى الجهاز يُثير أسئلة حول مستقبل اختصاصات الجهات التي كانت تتولاها.
“تحقيق الكفاءة في إدارة المشروعات العامة لا يتحقق بإنشاء كيانات جديدة وحسب. يتطلب تعزيز قواعد الشفافية والإفصاح والرقابة البرلمانية، ونشر البيانات والتقارير الدورية المتعلقة بالأداء والإنفاق.”
وفق مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، جاءت مصر في المرتبة 130 عالميًا من بين 180 دولة. المتوسط العالمي للمؤشر 42 نقطة من أصل 100، وهو أدنى مستوى يُسجله منذ أكثر من عقد
نوصي للقراءة: سد النهضة اكتمل وإثيوبيا لا تتفاوض.. فماذا تملك مصر؟

الأدوار التنفيذية التقليدية للدولة
تُشير البيانات الرسمية إلى أن جهاز “مستقبل مصر” يتولى: استصلاح 4.5 مليون فدان، وإنشاء مجمع صوامع بطاقة 500 ألف طن ضمن مشروع “الدلتا الجديدة”، وإدارة شبكة توزيع تضم 1500 منفذ تجاري تحت علامة “سوبر توفير”، والإنتاج الحيواني بطاقة 180 ألف رأس سنويًا، وتشغيل مركز “سفنكس” لتجارة المحاصيل بطاقة تخزينية وتداولية تصل إلى 20 مليون طن، وإدارة 12 مجزرًا للدواجن، ومشروعات طاقة متجددة بقدرة 2320 ميجاوات.
حسن البربري، الباحث الاقتصادي والعمالي، يرى أن مشروع القانون جاء ليُضفي إطارًا قانونيًا على واقع قائم بالفعل؛ إذ تجاوز الجهاز منذ سنوات دوره الأصلي ليتوسع في استيراد السلع الاستراتيجية والمشروعات الصناعية والاستثمارات اللوجستية وإدارة سلاسل الإمداد، قبل صدور أي تشريع منظِّم لهذه الاختصاصات.
ويوضح لـ”زاوية ثالثة” أن المشروع يعكس توجهًا لتحويل الجهاز إلى ذراع اقتصادي مركزي للدولة، في وقت تمتلك فيه الدولة بالفعل مؤسسات اقتصادية كبرى: صندوق مصر السيادي، وهيئة المجتمعات العمرانية، وهيئة التنمية الصناعية، وشركات قطاع الأعمال العام، وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية. ويرى أن تجميع كل هذه الأنشطة في كيان واحد يطرح أسئلة مشروعة حول مبررات هذا التركيز.
ويُشير إلى أن هذا التوسع يتزامن مع تعهدات حكومية متكررة بتوسيع دور القطاع الخاص وتقليص حضور الدولة في النشاط الاقتصادي ضمن برنامج الإصلاح والتفاهمات مع صندوق النقد الدولي، والجمع بين أدوار الإنتاج والاستثمار والتوريد وإدارة المشروعات في جهة واحدة يطرح، في رأيه، أسئلة حول تكافؤ الفرص والمنافسة في السوق.
ويخلص إلى أن اختصاصات مشروع القانون تتقاطع مع مهام وزارات التموين والزراعة والاستثمار والصناعة والإسكان والتنمية المحلية. “استمرار هذا المسار قد يؤدي تدريجيًا إلى تقليص الأدوار التنفيذية التقليدية لبعض الوزارات، مع انتقال جانب متزايد من الاختصاصات إلى جهاز مستقبل مصر.”
قانون يمنح الجهاز صلاحيات في الزراعة والصناعة والطاقة واللوجستيات والسياحة والتعليم، مع إمكانية إضافة أنشطة جديدة بقرار من مجلس الإدارة. وصندوق سيادي جديد تُحدد موارده بقرار رئاسي. ورقابة مالية عبر مراقب حسابات لا نشر دوري معلن. ثلاثة باحثين تحدثوا إلى “زاوية ثالثة” قالوا الشيء ذاته: التوسع حقيقي، والرقابة غائبة.